LOGINفي قرية ريفية هادئة، تنشأ قصة ريان وشهد منذ الطفولة، حين جمعتهما الصدفة في سن السابعة، لتبدأ بينهما علاقة بريئة تتطور ببطء عبر السنوات. يكبران معاً وسط تفاصيل بسيطة من الحياة اليومية، بينما تتشكل مشاعر غير واضحة بينهما، أقرب إلى الارتباط الصامت منه إلى الحب المعلن. لكن مع دخول المراهقة، تبدأ القيود العائلية في الظهور بشكل غير مباشر، ويصبح اللقاء بينهما أكثر صعوبة دون تفسير واضح، مع وجود خلاف غامض بين العائلتين يفرض ظلاله على علاقتهما. ومع انتقال شهد إلى المدينة، ينقطع التواصل بينهما تدريجياً، ليبقى كل منهما يحمل الآخر في ذاكرته بصمت. تمر السنوات، ويكبر ريان حتى يصبح شاباً يتحمل مسؤوليات أسرته، بينما تبقى فكرة شهد حاضرة في داخله رغم الغياب الطويل. وعندما تصل الأخبار إليه بشكل غير متوقع، يقرر السفر إلى المدينة، حيث تبدأ رحلة جديدة تقوم على المراقبة من بعيد، واللقاءات غير المقصودة، والمشاعر التي لم تنتهِ رغم المسافة والزمن. رواية هادئة عن حب لم يكتمل، لكنه لم يختفِ.
View Moreاسمي ريان.
عمري سبع سنوات. ولا أظن أن هناك شيئاً مميزاً في حياتي. أستيقظ كل صباح على صوت الديك الذي يملكه جارنا أبو سعد، وأسمع أمي تناديني كي أغسل وجهي قبل الإفطار، ثم أخرج مسرعاً إلى الخارج قبل أن تجد لي عملاً أساعدها فيه. في قريتنا الصغيرة كانت الأيام متشابهة. البيوت متقاربة. والطرق الترابية تمتد بين المزارع. والناس يعرفون بعضهم بعضاً منذ سنوات طويلة. حتى الأطفال كانوا يعرفون جميع الأطفال. لهذا السبب انتشر الخبر بسرعة. وصلت عائلة جديدة إلى القرية. كنت أجلس مع صديقي سالم فوق سور حجري منخفض عندما رأينا شاحنة كبيرة تقف أمام أحد البيوت القديمة. بدأ الرجال ينزلون الأثاث. وأخذت النساء يدخلن ويخرجن من المنزل. قفز سالم عن السور. وقال بحماس: ـ تعال. سألته: ـ إلى أين؟ ـ لنرى من جاء. ركضنا عبر الطريق الترابي حتى اقتربنا من البيت. لكننا توقفنا على مسافة. كنا نراقب فقط. مثل كل الأطفال الفضوليين. وفجأة خرجت فتاة صغيرة من باب المنزل. كانت تحمل دمية بين ذراعيها. نظرت حولها وكأنها تبحث عن شيء. ثم جلست على الدرج الحجري أمام الباب. قال سالم: ـ يبدو أنها ابنتهم. هززت كتفي. لم أكن مهتماً كثيراً. لكن الفتاة رفعت رأسها فجأة ونظرت نحونا مباشرة. شعرت بالحرج. فالتفت بسرعة وكأنني لم أكن أراقبها. ضحك سالم. أما أنا فبدأت أمشي مبتعداً. لم أكن أعلم أن تلك النظرة العابرة ستبقى في ذاكرتي سنوات طويلة. في اليوم التالي خرجت بعد الإفطار. كانت السماء صافية. والهواء يحمل رائحة النباتات المبللة بالماء. اتجهت نحو الساقية الصغيرة التي تمر قرب المزارع. كان ذلك مكاني المفضل. جلست على حافة التراب وأخذت أرمي الحجارة الصغيرة في الماء. واحدة تلو الأخرى. ثم سمعت صوت خطوات خلفي. التفت. وتجمدت للحظة. كانت الفتاة الجديدة. اقتربت ببطء. ثم سألت: ـ ماذا تفعل؟ نظرت إلى الماء. ـ أرمي الحجارة. أجابت بعد صمت قصير: ـ ولماذا؟ فكرت قليلاً. ثم قلت: ـ لا أعرف. جلست على بعد خطوات مني. وأخذت تراقب الماء. ساد الصمت. صمت غريب. فأنا لم أكن جيداً في الحديث مع الغرباء. خصوصاً البنات. بعد لحظات سألت: ـ ما اسمك؟ أجبت: ـ ريان. ثم سألتها: ـ وأنتِ؟ ـ شهد. هززت رأسي. وعاد الصمت مرة أخرى. لكن هذه المرة لم يكن مزعجاً. كانت تحدق في الماء. وأنا أحدق في الماء. وكأننا نعرف بعضنا منذ فترة طويلة. فجأة التقطت حجراً صغيراً. ورمته. ارتد فوق سطح الماء مرتين قبل أن يغرق. فتحت عيني بدهشة. قلت: ـ كيف فعلتِ ذلك؟ ابتسمت بفخر. ـ أبي علمني. حاولت تقليدها. لكن حجري سقط مباشرة. ضحكت. فشعرت بالانزعاج. التقطت حجراً آخر. ثم آخر. ثم آخر. حتى نجحت أخيراً. قفز الحجر فوق الماء مرة واحدة. فقط مرة واحدة. لكنني شعرت وكأنني حققت إنجازاً عظيماً. ابتسمت شهد. وقالت: ـ أحسنت. لا أعرف لماذا. لكنني شعرت بالسعادة بسبب تلك الكلمة. مع مرور الأيام بدأت أراها كثيراً. أحياناً عند الساقية. وأحياناً قرب الحقول. وأحياناً في الطريق المؤدي إلى المدرسة. لم نصبح صديقين مباشرة. بل شيئاً فشيئاً. يوماً بعد يوم. حديثاً بعد حديث. حتى أصبح وجودها أمراً معتاداً. في أحد الأيام كنا نسير قرب مزرعة قديمة عندما قالت: ـ هل تعرف تلك الشجرة؟ أشارت إلى شجرة ضخمة تقف وحدها في طرف الحقل. قلت: ـ طبعاً. الجميع يعرفها. قالت: ـ أبي يقول إنها أقدم شجرة في القرية. نظرت إليها. ثم إلى الشجرة. وسألت: ـ هل تصدقين كل ما يقوله والدك؟ رفعت حاجبها. ـ نعم. ـ لماذا؟ ـ لأنه أبي. لم أعرف ماذا أقول. فاكتفيت بالضحك. غضبت. وضربت كتفي بيدها الصغيرة. ثم بدأت تركض. فركضت خلفها. واستمرت مطاردتنا حتى غابت الشمس تقريباً. عندما عدت إلى المنزل ذلك المساء، كانت أمي تعد العشاء. جلست بجانبها. فسألتني: ـ أين كنت؟ ـ في الخارج. ـ مع من؟ ترددت للحظة. ثم قلت: ـ مع فتاة اسمها شهد. ابتسمت أمي. ابتسامة صغيرة وغريبة. وقالت: ـ ابنة العائلة الجديدة؟ ـ نعم. هزت رأسها. ثم عادت إلى عملها. أما أنا فلم أفهم سبب ابتسامتها. كل ما كنت أعرفه أنني سأخرج غداً أيضاً. وربما سألتقي شهد مرة أخرى. لم أكن أعلم أن ذلك اللقاء البسيط عند الساقية سيكون بداية حكاية ستغير حياتي كلها.ابتسمت شهد من أعماق قلبها، ثم رفعت رأسها قليلًا وهي تحاول أن تخفي خجلها، لكن وجنتيها كانتا قد سبقتاها، فقد احمرتا حتى بدتا كأنهما تحملان لون شمس الظهيرة.حاولت أن تغيّر مجرى الحديث، فقالت وهي تبتسم بخجل:"هلا غيَّرتما الكلام قليلًا..."ما إن أنهت جملتها حتى انفجر ريان ونور بالضحك.قالت نور وهي تمازحها:"وهل نحن المذنبان؟ أم أن شخصًا ما لا يتحمل المديح؟"غطت شهد جزءًا من وجهها بيدها وهي تضحك.أما ريان، فلم يرفع عينيه عنها.كان يرى في ابتسامتها ما يغنيه عن الدنيا كلها.مرت لحظات من الضحك، ثم بدأت نور تنظر إلى الشمس.وقالت:"لقد اقترب وقت الغداء... علينا أن نعود."هز ريان رأسه موافقًا.ثم وقف بهدوء، واتجه إلى الكرسي المتحرك.اقترب من شهد، وقال بصوت خافت:"هل أنتِ مستعدة؟"ابتسمت وهي تومئ برأسها.انحنى أمامها كما فعل قبل قليل.مرر إحدى يديه خلف ظهرها، والأخرى أسفل ساقيها.ثم حملها بكل عناية.رفعت شهد ذراعيها تلقائيًا، وأحاطت عنقه بهما مرة أخرى.كانت تلك اللحظة كفيلة بأن تجعل قلبها يخفق بعنف.أما ريان، فقد كان يحملها وكأنه يحمل شيئًا يخشى أن يمسه أقل أذى.اقترب من الكرسي المتحرك.ثم أنزلها
ظلَّ ريان وشهد يجلسان عند طرف الساقية، بينما كانت المياه الباردة تنساب بين الصخور في هدوء، وكأنها تعزف لحنًا لا يسمعه إلا من امتلأ قلبه بالطمأنينة.كان النسيم يمر بين الأشجار، فيحمل معه رائحة التراب الرطب وأوراق السدر، أما الشمس فقد بدأت ترتفع شيئًا فشيئًا، لكنها لم تستطع أن تنتزع برودة الصباح من ذلك المكان.حرك ريان قدميه داخل الماء، فتراقصت الأمواج الصغيرة حولهما، ثم ابتسم وهو ينظر إلى الساقية.وبعد لحظات...انتبه إلى شيء.كانت قدماه تتحركان مع الماء، أما قدما شهد فكانتا ثابتتين تمامًا.اختفت ابتسامته للحظة.وتذكر...أن شهد لم تعد تستطيع تحريك قدميها.شعر بوخزة صغيرة في قلبه، لكنه لم يسمح للحزن أن يظهر على وجهه.كان كل ما يريده في تلك اللحظة أن يجعلها تشعر بكل تفصيلة جميلة افتقدتها.نظر إليها، فوجدها تراقب الماء بصمت، وعلى وجهها ابتسامة رقيقة.ابتسم هو الآخر.ثم مد قدميه داخل الساقية حتى لامستا قدمي شهد برفق.بدأ يحركهما ببطء مع حركة الماء.مرة إلى الأمام...ومرة إلى الخلف...حتى أصبحت المياه تتراقص حول قدميها كما لو أنها هي من تحركهما بنفسها.شعرت شهد بذلك.نظرت إليه باستغراب في ال
امتدت يد ريان ببطء.حتى وصلت إلى يد شهد.أمسك بها برفق.ولم يشد عليها.بل تركها تستقر داخل كفه، وكأنها المكان الذي خُلقت لتبقى فيه.رفعت شهد رأسها نحوه.فوجدته ينظر إليها.وكان هو أيضًا ينظر إليها.تلاقت العيون.ولم يتحرك أحد.كانت نظرة واحدة...لكنها حملت شوق سنوات.وحبًا كبر معهما منذ الطفولة.وحزنًا عاشاه معًا.وأملًا جديدًا بدأ يولد بينهما.أخفضت شهد عينيها نحو ماء الساقية.ثم اقتربت منه ببطء.ومالت برأسها على كتفه.أغمضت عينيها.وكأنها أخيرًا وجدت المكان الذي كانت تبحث عنه طوال تلك السنوات.أما ريان...فلم يتحرك.خشي أن يفسد تلك اللحظة حتى بأنفاسه....بقي رأس شهد مستندًا إلى كتف ريان، بينما كانت أصابعها تستقر داخل كفه بهدوء.مرّت لحظات لم ينطق فيها أيٌ منهما.كان صوت الماء وهو ينساب بين الصخور يكسر الصمت برفق، والنسيم يداعب أغصان الأشجار فوقهما، حتى بدا المكان كله وكأنه ضيحرس تلك اللحظة.أخذت شهد نفسًا عميقًا.ثم قالت : بصوت خافت، يكاد يضيع بين خرير الساقية:"لقد اشتقت إلى هذا الشعور..."التفت ريان إليها ببطء، ولم يجب.كانت عيناه تسألها أن تكمل.ابتسمت ابتسامة صغيرة، وهي ما تزال
ظل ريان منحنياً أمام شهد، بينما كانت عيناه معلقتين بعينيها، وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة، رافضًا أن يتحرك خطوة أخرى.كانت شهد تنظر إليه بخجل واضح، وقد احمر وجهها حتى كادت نسمات الصباح تخجل من حمرة وجنتيها.لم يتكلما.ولم يكن الصمت بينهما فراغًا.بل كان حديثًا طويلًا، لا تعرفه إلا القلوب التي أحبت بصدق.ابتسم ريان ابتسامة هادئة، ثم أنزل بصره إلى قدميها.مد يديه ببطء شديد، وكأنه يخشى أن يزعجها حتى بحركة بسيطة.أمسك بحذائها برفق، وبدأ ينزعه بكل هدوء، حتى لا تشعر بأي تعب.كانت شهد تراقب كل حركة يقوم بها.لم يكن ما يفعله أمرًا عظيمًا في نظر الناس.لكنه بالنسبة إليها...كان اهتمامًا افتقدته طويلًا.ولم تكن تنظر إلى يديه وهما تنزعان الحذاء فقط.بل كانت تنظر إلى ذلك الاهتمام الذي يملأ ملامحه.وذلك الحنان الذي لم يتغير منذ كان طفلًا صغيرًا.رفع ريان رأسه إليها بعد أن انتهى، وابتسم قائلًا:"هل أنتِ مستعدة؟"لم تجب.اكتفت بإيماءة خفيفة من رأسها.اقترب منها أكثر.ثم مرر إحدى يديه خلف ظهرها، بينما وضع الأخرى أسفل ساقيها بحذر شديد.وقال بصوت منخفض:"تمسكي بي جيدًا."وما إن رفعها عن الكرسي المتحرك
في قريتنا كان للمطر مكانة خاصة.فهو لا يأتي كثيراً.ولهذا كان الناس يفرحون به كلما ظهر في السماء.أما الأطفال...فكانوا يحبونه أكثر من الجميع.في ذلك الصباح استيقظت على صوت الرياح.فتحت نافذة غرفتي.ورفعت رأسي نحو السماء.كانت الغيوم الرمادية تغطي معظم الأفق.شعرت بالسعادة فوراً.وأسرعت إلى الخارج.
استيقظت مبكراً على غير عادتي.في البداية لم أفهم السبب.ثم تذكرت.اليوم هو يوم السوق.كان يوم السوق مختلفاً عن بقية أيام الأسبوع.ففيه تمتلئ القرية بالناس.وتأتي العربات من القرى المجاورة.ويتحول المكان الهادئ إلى عالم مليء بالأصوات والحركة.قفزت من فراشي بسرعة.وارتديت ملابسي.ثم خرجت إلى المطبخ.
في طفولتي كنت أؤمن بأشياء كثيرة.كنت أؤمن أن لكل شجرة حكاية.وأن النجوم تتحرك عندما لا ننظر إليها.وأن الكنوز المدفونة موجودة حقاً في مكان ما، تنتظر من يعثر عليها.وشهد...كانت تؤمن بأشياء أغرب مني بكثير.في ذلك الصباح خرجت من المنزل بعد الإفطار مباشرة.كانت السماء صافية.والهواء يحمل رائحة الأرض ا
استيقظت في صباح اليوم التالي على صوت أمي وهي تفتح نافذة الغرفة.دخل ضوء الشمس إلى وجهي مباشرة.أغمضت عيني بانزعاج.ثم سمعتها تقول:ـ استيقظ يا ريان، لقد تأخرت.فتحت عيني ببطء.ونظرت إلى السقف الخشبي فوقي.لم أكن أرغب في النهوض.لكنني تذكرت شيئاً فجأة.شهد.الفتاة الجديدة.جلست بسرعة.حتى إن أمي نظر
reviews