في قلب مملكة إيلوريا، تتولى ليانار الحكم وفق نظام الملكية الأبوي، لكنها تواجه تهديدات داخلية وخارجية. شقيقها كاسر قائد الجيش، صارم وشجاع، يحميها ويضع الحرب فوق كل شيء، بينما صديقتها الوفية سيرين تخفي حبها لكاسر الذي لا يبادلها الشعور.
عبر الحدود، يقود أرسلان جيش مملكة فارنوس، فارس لا يُهزم، لكنه يجد نفسه مشوشًا بين واجبه العسكري واهتمامه المتزايد بليانار. صديقه المخلص رائد يقف بجانبه، ومع مرور الأحداث، تقع عيناه على سيرين، لتبدأ قصة حب مأساوية تتحطم فيها الأحلام على صخرة الحرب.
تتفاقم الأزمة بسبب المؤامرات الداخلية؛ الوزير الخبيث سام والوصيفة المخادعة ميرال يزرعان الفتن والشكوك، يحاولان استغلال ضعف ليانار وغياب كاسر لتحقيق انقلاب. على الجانب الآخر، ليثان يزرع الغيرة والخيانة داخل صفوف أرسلان، ليزيد من حدة الصراع ويعمق العداوات.
الحرب تتصاعد عبر معارك دامية، ويشهد القارئ لحظات بطولة، وفقدان، وخيانات مؤلمة. يتحول العداء بين ليانار وأرسلان تدريجيًا إلى انجذاب مشحون بالتوتر والعاطفة، فيما تتكشف طبقات المؤامرات والخيانة تدريجيًا، لتصل إلى ذروتها بعد مقتل كاسر ورائد في معارك مفصلية.
في النهاية، وبعد سقوط الأعداء وكشف خطط سام، تُستعاد المملكة، وتزهر السلام، ويتحقق الحب بين الأبطال: ليانار وأرسلان، وسيرين ورائد في ذكريات الأخير، لكن بتضحيات مؤلمة تركت أثرها في القلوب.
رواية نيران الحب والسلطة تجمع بين الإثارة، التشويق، الدراما السياسية، والرحلة العاطفية، لتقدم قصة حب مشحونة بالعداء، القوة، والخيانة، حتى آخر لحظة.
قبل أسبوع من حفل زفافي، أخبرني خطيبي ساهر أنه يجب عليه أولًا إقامة حفل زفاف مع حبيبته الأولى قبل أن يتزوجني.
لأن والدة حبيبته الأولى توفيت، وتركت وصية تتمنى فيها أن تراهما متزوجين.
قال لي: "والدة شيرين كانت تحلم دائمًا برؤيتها متزوجة من رجل صالح، وأنا فقط أحقق أمنية الراحلة، لا تفكري في الأمر كثيرًا."
لكن الشركة كانت قد قررت إطلاق مجموعة المجوهرات الجديدة تحت اسم "الحب الحقيقي" في يوم زفافي الأسطوري.
فأجابني بنفاد صبر: "مجرد بضعة مليارات، هل تستحق أكثر من برّ شيرين بوالدتها؟ إن كنتِ ترغبين فعلًا في تلك المليارات، فابحثي عن شخص آخر للزواج!"
أدركت حينها موقفه تمامًا، فاستدرت واتصلت بعائلتي، قائلة: "أخي، أريدك أن تجد لي عريسًا جديدًا."
باعتبارها عشيقة سرية لأنس، بقيت لينا معه لخمسِ سنواتٍ.
ظنت أنَّ السلوكَ الطيب والخضوع سيذيبان جليد قلبه، لكنَّها لم تتوقع أن يهجرها في النهاية.
كانت دائمًا هادئةً ولم تخلق أيَّ مشاكل أو ضجةً، ولم تأخذ منه فلسًا واحدًا، ومضت من عالمهِ بهدوء.
لكنَّ—
عندما كادت أن تتزوج من شخصٍ آخر، فجأةً، كالمجنون، دفعها أنس إلى الجدار وقبَّلها.
لينا لم تفهمْ تمامًا ما الذي يقصده السيد أنس بتصرفهِ هذا؟
لم يكن قصر آل السيوفي يشبه البيوت التي تسكنها العائلات بقدر ما كان يشبه الذاكرة نفسها؛ ضخمًا، صامتًا، وممتلئًا بما لم يُقَل.
في ذلك المساء، كانت السماء فوقه رمادية على نحو ثقيل، كأنها تعرف أن شيئًا ما انتهى بالفعل، وأن شيئًا آخر أكثر خطورة على وشك أن يبدأ.
اصطفّت السيارات السوداء أمام البوابة الحديدية الواصلة إلى المدخل الرئيسي، ودخل المعزون وغادروا، لكن الحزن في داخل القصر لم يكن حزنًا خالصًا. كان ممزوجًا بترقب خفي، بشيء أقرب إلى الجوع.
مات رائد السيوفي.
الرجل الذي بنى اسمه من لا شيء، ثم شيّد من ذلك الاسم إمبراطورية كاملة، رحل أخيرًا بعد صراع قصير مع المرض.
وبينما كانت الصحف تتحدث عن رجل الأعمال الكبير، وعن إرثه الاقتصادي، وعن عشرات المشاريع التي حملت توقيعه، كان ورثته مجتمعين في الصالون الكبير ينتظرون ما هو أهم في نظرهم: الوصية.
جلست ناهد السيوفي على الأريكة المقابلة للمدفأة غير المشتعلة، مستقيمة الظهر، مرتبة المظهر، كأن الموت مرّ بجانبها فقط ولم يمسّها. كانت ترتدي الأسود من رأسها حتى قدميها، لكن عينيها لم تكونا حزينتين. كان فيهما شيء بارد، شيء لا يلين.
عن يمينها جلس سليم، الابن الأكبر، بوجهه الحاد ونظرته الجامدة. لم يتحرك كثيرًا منذ دخوله، ولم يتبادل مع أحد كلمة لا ضرورة لها. بدا كتمثال صُنع ليحرس اسم العائلة لا ليحمل مشاعره.
أما مازن، الأخ الأوسط، فكان يجلس بطريقة توحي باللامبالاة، لكن أصابعه التي تضرب ببطء على ذراع المقعد كانت تفضحه.
ارتجف جيفيل غابرييل عندما شعر بشفتي ميلودي تلتصقان بشفتيه مجددًا—في ليلة خطوبته.
"لن تتخلص مني بهذه السهولة،" همست ميلودي بحدة وهي تبتعد عنه ببطء.
وهو لا يزال تحت وقع الصدمة، راقبها وهي تستدير نحو الحضور—تحت نظراتهم المذهولة—لتعلن أمام الجميع أنها زوجته القانونية، موضحةً أنه وفقًا للقانون، لا يحق للرجل الزواج مرة أخرى قبل الحصول على الطلاق أولًا.
وبذلك، أعلنت بطلان الخطوبة رسميًا، ليتحول المكان إلى فوضى عارمة بينما التقط الصحفيون المشهد وبثّوه مباشرة عبر الإنترنت.
"لقد لعبتِ لعبة قذرة يا ميلودي! ستتوسلين إليّ طلبًا للرحمة. لكن أولًا… سأجعلك تندمين على ذلك، يا زوجتي العزيزة،" زمجر جيفيل وهو يدفعها فوق السرير ويقيّد يديها بإحكام بواسطة ربطة عنقه الحمراء.
في الذكرى الثالثة لزواجنا، انتظرتُ فارس خمس ساعات في مطعمه المفضل الحاصل على نجمة ميشلان، لكنه اختفى مجددًا.
وفي النهاية، عثرتُ عليه في صفحة صديقة طفولته. كان يرافقها إلى القطب الجنوبي.
كتبت منشورٍ عبر صفحتها: "مجرد أن قلت إن مزاجي سيئ، أدار ظهره للعالم أجمع وأخلف جميع وعوده ليأتي ويرافقني في رحلة لتحسين حالتي النفسية."
"يبدو أن صديق الطفولة قادر على إسعادي أكثر من طيور البطريق!"
كانت الصورة المرفقة تنضح بصقيعٍ بارد، لكنه كان يضمها إليه برقة وحنان. وفي عينيه لهيب من الشغف، نظرة لم أحظ بها يومًا.
في تلك اللحظة، شعرت بتعب مفاجئ أخرسَ في داخلي رغبة العتاب أو نوبات الصراخ.
وبكل هدوء، وضعتُ إعجابًا على الصورة، وأرسلتُ له كلمةً واحدة فقط: "لننفصل."
بعد وقت طويل، أرسل لي رسالة صوتية بنبرة ساخرة: "حسنًا، سنوقع الأوراق فور عودتي."
"لنرى حينها من سيبكي ويتوسل إليّ ألا أرحل."
دائمًا ما يطمئن من يضمن وجودنا؛ فالحقيقة أنه لم يصدقني.
لكن يا فارس الصياد.
لا أحد يموت لفراق أحد، كل ما في الأمر أنني كنتُ لا أزال أحبك.
أما من الآن فصاعدًا، فلم أعد أريد حبك.
تسللتُ إلى أحد كتبه ذات مساء ووجدتُ نفسي غارقًا في عالم يمزج بين حكاية وشبح التاريخ، وهذا قدمي كثيرًا في أعماله. أستطيع القول أنه يستوحي من التاريخ بوضوح؛ لكنه لا يكتب كتب تاريخية بحتة، بل روايات تستخدم الماضي كخلفية صالحة لصنع أجواء، صراعات وشخصيات درامية. الميزة عنده أن التفاصيل الصغيرة — كالأسواق، أسماء الأزياء، أو إشارات إلى تقاليد محلية — تُعطي حسًا بالمكان والزمان دون أن تتحول الرواية إلى محاضرة تاريخية.
سأضيف أن طريقة السرد تختلف من عمل لآخر: أحيانًا يلعب على وتر الأساطير المحلية، وأحيانًا يحضر الحدث التاريخي كخيط يتقاطع مع عناصر خيالية أو تشويقية. هذا المزيج يجذبني لأنه يفتح فضاءً للفضول؛ بعد الانتهاء من قصة ما أجد نفسي أبحث عن الوقائع الحقيقية لأفصل بين الخيال والواقع. بالنهاية، قراءة رواياته كانت دائمًا تجربة ممتعة وغنية، تجعلك تشعر بأن التاريخ حيّ لكنه مُعاد تشكيله لأجل رواية مثيرة.
الأثر الأدبي لـ'الأثمد' أكثر تعقيدًا مما يتصوره البعض: هو في الأساس مادة طبيعية (معدن الكحل) ظهرت في نصوص طبية وشعبية قديمة، وليس «شخصية» أدبية واضحة في روايات تاريخية كلاسيكية عربية.
كمحب للتاريخ والأدب شعرت بأني أبحث عن أثر ملموس؛ فوجدت أن المرجع الحقيقي للأثمد يظهر في كتب الطب والعناية مثل ذكر فوائده في نصوص الأطباء المسلمين، كما أن التقاليد الدينية والشعبية تتناول الكحل والأثمد بوصفه مفيدًا للعين. أما في الشعر والنثر القديم فغالبًا ما يظهر الأثمد كعنصر من عناصر الجمال أو كرمز تقليدي، لا كشخصية مستقلة.
خلاصة ما رأيته: للأثمد أصل أدبي متين بصيغة مادة وثقافة تجميل وطب شعبي، لكنه ليس أصلًا لشخصية أدبية واضحة في «الرواية التاريخية» بنفس معنى الشخصيات الروائية المتسلسلة؛ أُدخِل كعنصر واقعي أو رمزي أكثر من كونه مصدر لرواية كاملة.
أذكر نقاشًا طويلًا عن هذا الموضوع مع مجموعة من القراء والمهتمين بالتاريخ، وما لفت انتباهي أن الأدلة تتجمع بشكل متناسق رغم اختلاف التفاصيل الصغيرة.
المصدر الرئيسي الذي أعود إليه دائمًا هو روايات السيرة والتراجم المبكرة؛ مثل 'سيرة ابن هشام' المبنية على أعمال ابن إسحاق، و'تاريخ الطبري'، و'كتاب الطبقات لابن سعد'. تلك الكتب تنقل روايات متكررة مفادها أن النبي مات عن عمر يتراوح حول ثلاثة وستين سنة. الدليل الحسابي الشعبي هنا بسيط وواضح: يُقال إنه بُعث وهو في الأربعين، وبقي نبيًا نحو ثلاث وعشرين سنة، فتكون النتيجة 63.
لكنني لا أغض الطرف عن تفاصيل مهمة: المصادر في بعض الأحيان تشير إلى فروق سنة أو اثنتين، وبعض العرب في الروايات كانت تحسب بالسنوات القمرية (الهجرية) لا الشمسية. السنة القمرية أقصر بحوالي 11 يومًا، ولذلك 63 سنة قمرية تقابل نحو 61 سنة شمسية. كما أن مصادر خارج الإطار الإسلامي المبكر، مثل بعض المذكرات السريانية والبيزنطية، تذكر الحدث التاريخي دون التطرق لعمر محدد، فالأثر المباشر لعمره يبقى معتمداً أساسًا على السيرة والتقاليد الإسلامية.
في النهاية أجد المزيج بين الروايات التاريخية والحسابات البسيطة مقنعًا إلى حد كبير: الغالبية العظمى من المصادر التقليدية تُجمِع على أن عمره كان حوالي 63 سنة (باحتساب السنوات القمرية)، مع احتمالات بسيطة للانحراف بواحدة أو اثنتين حسب طريقة العد.
قرأتُ 'المقدمة' بشغف طويل، وكانت كاشفة أكثر مما توقعت؛ لم تكن مجرد كتاب تاريخ بل مختبر فكر بحد ذاته. في أول لحظةٍ تتلمست فيها كتاباته لاحظت منهجية واضحة تعتمد على الملاحظة والمقارنة وليس الحكايات السطحية، وهذا ما جعله أقرب إلى عالمٍ يجمع بين التاريخ والاجتماع والسياسة والاقتصاد.
أحببت كيف صنّع ابن خلدون مفهوم 'العصبية' ليس كمجرد نزعة بدائية بل كقوة اجتماعية تُفسر تماسك الجماعات ونشوء الدول وسقوطها. شرحه للعلاقة بين القوة والسلطة والاقتصاد والضرائب يذكّرني بتحليلات حديثة حول المؤسسات والاقتصاد السياسي؛ كان يتعامل مع الضريبة كعامل مفصلي في استقرار الدولة أو انهيارها.
أثّر على فهمي للتاريخ كعملية ديناميكية: دور البداوة مقابل الحضر، كيف تتآكل العصبية مع الترف وكيف يستبدلها بيروقراطية تتآكل بالمقابل. كما أن نقده للمصادر والأساطير فتح أمامي نافذة على كيفية قراءة التاريخ بعين نقّادة. في النهاية، أشعر أنه كتب لنقرأ العالم لا لنروي ماضياً جميلاً، وهذا ما يجعل أثره حيّاً في كل مرة أراجع فيها تحليلاً اجتماعياً أو سياسياً.
كنت أغوص في صفحات الروايات التاريخية وأتفاجأ بكيف تُفكك شخصية يزيد إلى قطع تُعاد تركيبها بطرق مختلفة تماماً.
في كثير من الأعمال التي قرأتُها، يُعرض يزيد بصورةٍ شريرةٍ قاطعة: متعطش للسلطة، بارد القلب، ومتحمِّل مسؤولية واقعة كربلاء بشكل مباشر أو غير مباشر. هذه الرؤية تستخدم لغة حادة وتصويراً بصرياً يربط اسمه بالعنف والدم، وتستغل المشاهد الدرامية لتغذية العاطفة القارئة وتثبيت الحكم الأخلاقي ضده.
على الجانب الآخر، ثمة روايات تحاول إعادة بناء سياقه السياسي والاجتماعي، فتقدم يزيد كحاكم يصارع مؤامرات وأزمات شرعية، كرمز لصدام الأجنحة في السلطة وليس كشيطان أحادي البُعد. في هذه النصوص يظهر تردده وأخطاؤه وظروفه الشخصية، وأحياناً تُستخدم تقنية الراوي غير الموثوق ليُجبر القارئ على إعادة التفكير.
أصغر ما ألاحظه هو أن الكاتب يختار دائماً زاوية: هل يريد إثارة الغضب التاريخي أم تبديد الأحكام؟ اختيارات السرد واللغة والصور هي التي تصنع كل الفرق، وهذا ما يجعل قراءة كل عمل تجربة مختلفة عن الآخر.
أتذكر كيف كانت الدشداشة تتغير أمام عيني كأنها لوحة تتنفس حسب الزمن والمكان. نشأتُ في بيت كانت الألوان الداكنة شائعة في الشتاء والبياض سائدًا بالصيف، وكل قطعة كانت تحكي عن حالة الطقس وعن موارد العائلة وطباعهم.
في البدايات كانت الخياطة يدوية والقصات بسيطة وفضفاضة جداً لأن الغرض كان الراحة والتهوية أكثر من الستايل. بعدها جلبت طرق التجارة عبر الخليج أقمشة من الهند وإيران وموانئ شرق أفريقيا، فدخلت الحرير والقطن المصقول، وبدأت حواف الياقة والتطريز تظهر كعلامات قبلية ومحلية.
مع وصول النفط وتوسع المدن دخلت آلات الخياطة والورش الصناعية، وصار للاقتصاد دور واضح في جعل الدشداشة أكثر توحيدًا وأقل تفاوتًا بين القرى. اليوم أرى أمورًا متناقضة: شباب يختصر طول الرداء ويجرب أقواس ألوان خفيفة، وكبار يحافظون على الشكل التقليدي مع إضافات مثل البشت في المناسبات، وكل ذلك يظل جزءًا من ذاكرة الخليج الحية.
أرى أن الأدلة التاريخية على صفات الرسول القيادية كثيرة وواضحة عند الغوص في السيرة والحديث والتدوين المبكر. في نصوص مثل 'سيرة ابن هشام' و'تاريخ الطبري' تتكرر مواقف تظهر قدرة على التنظيم، وضع القوانين، وحل النزاعات بين مجتمع المدينة المتعدد الأعراق والقبائل. مثلاً وثيقة المدينة — التي تُنقل تفاصيلها في المصادر السيرية والفقهية — تُظهر كيف أسس قواعد للعيش المشترك، حقوق الأقلية، وآليات التحالف والدفاع، وهو ما يدل على رؤية سياسية واضحة وإدارة اجتماعية عملية.
أما في المصادر الحديثية مثل 'صحيح البخاري' و'صحيح مسلم' فهناك روايات عن قراراته في ساحات المعارك، ثم تعامله مع الأسرى، وتوزيع الغنائم، وكيف كان يقيس المكافآت والمسؤوليات على أساس الكفاءة والعدل. السلوك الشخصي للرسول في مخاطبة الصحابة والقبائل، ونصيحه للولاة مثل توكيله لمعاوية أو تعليماتَه لمُعاذ بن جبل عند إرساله إلى اليمن، كلها أمثلة على تفويض الصلاحيات والحرص على التعليم والإشراف عن بعد.
أضيف إلى ذلك وقائع عديدة من مواقف الصلح والدبلوماسية: معاهدات مثل صلح الحديبية ومفاوضاته مع زعماء وقبائل مختلفة، وحتى مخاطبته ملوكاً عبر رسائل مذكورة في 'تاريخ الطبري'، والتي تكشف عن حس استراتيجي وعلاقة بين القوة والمرونة. هذه الشواهد مجتمعة تعزّز فكرة أن القيادة عنده كانت مزيجاً من الحزم والمروءة، قراءة واقعية للظروف، واعتماد على مبادئ أخلاقية تحكم القرارات. بالنسبة لي، تلك القرائن تجعل من الصعب فصل الجانب الروحي عن الكفاءة القيادية التي أظهرها.
وجدتُ أن المكتبات الرقمية هي كنز للمخطوطات والخطب التاريخية، خاصة عندما تبحث عن خطب لعلماء مشهورين من عصور مختلفة.
أول ما أنصح به هو زيارة 'Internet Archive' لأن لديه مكتبات ضخمة من الكتب العربية الممسوحة ضوئياً بصيغ PDF وEPUB وأحياناً ملفات صوتية. سترى نسخاً من مؤلفات قديمة ومجموعات خطب مطبوعة في مراسلات أو مجلدات تاريخية. إلى جانبه، 'Google Books' يوفّر نسخاً ممسوحة ومقتطفات يمكن تحميلها أو قراءتها، بينما 'HathiTrust' و'Gallica' (المكتبة الرقمية الوطنية الفرنسية) ممتازتان للنسخ المطبوعة النادرة ذات الجودة العالية.
إذا كنت تبحث تحديداً عن نصوص عربية إسلامية محفوظة وميسّرة للتحميل فالمكاتب المحلية مثل 'المكتبة الشاملة' و'المكتبة الوقفية' و'نور بوك' غالباً ما تحتوي على مجموعات خطب ومواعظ لأئمة مرموقين بصيغ قابلة للبحث والتحميل. نصيحتي العملية: جرّب البحث باسم العالم متبوعاً بكلمة 'خطب' أو 'محاضرات'، وراجع بيانات الإصدار (المحرر والسنة) لتتأكد من صحة النص. في النهاية أحب أن أصطاد نصاً نادراً على 'Internet Archive' ثم أراجعه بمساعدة 'الشاملة' للتأكد من دقته.
أشعر بأن تأثير الفلسفة الحديثة على الفكر السياسي المعاصر أشبه بخيطٍ رفيع يمتد من نصوصٍ فلسفية إلى ممارسات يومية في الحياة العامة؛ هذا الخيط مرن لكنه يعيد تشكيل المشهد كلما مررناه عبر تجارب تاريخية وسياسية مختلفة.
بدأتُ ألاحظ ذلك عندما قرأت عن أفكار مثل العقد الاجتماعي التي طرحها الفلاسفة المبكرون؛ مفاهيم عن الموافقة والشرعية والحكم عن طريق قوانين وليس إرادة فردية كانت كافية لتوليد ثورات ودساتير. أسماء وتراكيب فكرية مثل 'العقد الاجتماعي' أو مفاهيم الحرية والمساواة لم تبقَ محصورة في الكتب؛ بل تحولت إلى دستوريات، امتيازات، وحتى نزاعات سياسية. نظريات عن طبيعة الإنسان والحكم—من الأفكار التي تناولت الأمن والنظام إلى تلك التي ركّزت على الحقوق الفردية—صاغت حدود ما نعتبره مقبولا سياسيا.
على مستوى أعمق، تأثير ما بعدِ هابل (أقصد انطلاقًا من كان وهيجل ثم ماركس وميل) أضاف طبقات نقدية وانتقادية للفهم السياسي. وجهة النظر التي تطالب بالعدالة الاقتصادية لا تنبثق فجأة في القرن العشرين؛ هي نتاج تراكم نقدي للاقتصاد والسياسة وصل إلى توصيات عملية مثل برامج الرعاية الاجتماعية، القوانين العمالية، وتدخّل الدولة. بالمقابل، التراث الليبرالي التقليدي الذي يركّز على الفرد والحقوق الخاصة أسس لنماذج ديمقراطية دستورية، فصل سلطات، وسوق مفتوح—وهنا يظهر تعارض واضح بين رؤى تعدّ الفرد مركزًا وبين رؤى ترى الجماعة والهيكل الاقتصادي كمحددات أساسية للحرية.
أثر الفلسفة الحديثة يظهر أيضًا في لغتنا السياسية: عندما نتكلم عن الشرعية، السيادة، الحرية السلبية والإيجابية، أو عن الاعتراف والكرامة، فنحن نستخدم أدوات تحليلية موروثة من تلك التقاليد الفكرية. الحديث المعاصر عن العولمة، حقوق الإنسان، أو حتى صعود الشعبويات يستدعي قراءة فلسفية عميقة لفهم كيف تُعاد صياغة تلك المفاهيم. بالنسبة لي، الأكثر إثارة أن هذه الأفكار ليست مقتصرة على الكتب الجامعية؛ هي ترى ضوءها في الخطابات السياسية، في النقاشات على الشاشات، وفي المسلسلات والأفلام التي تعكس صراعًا على معاني الحرية والعدالة. الخلاصة العملية التي أخرج بها من هذا التراث هي أننا نحتاج إلى وعي تاريخي بالفلسفة لنفهم لماذا تتخذ السياسات أوجهها الراهنة وكيف يمكننا تحسينها بدلًا من إعادة إنتاج مشاكل قديمة. هذا الشعور يجعل قراءة التاريخ الفلسفي أمرًا حيويًا وممتعًا بنفس الوقت، لأنه يربط بين الفكرة والتطبيق بطريقة لا تُملّ منها.
صفحات 'تاريخ الرسل والملوك' كانت بالنسبة لي بوابة إلى عالم سردي هائل، والاسم الذي يقف خلف هذا العمل هو محمد بن جرير الطبري. ولدتُ دهشتي أول ما عرفت أن الطبري هو نفسه الباحث الذي عاش بين 224 هـ و310 هـ (839–923 م)، وهو من طبرستان وانتقل وجال في مراكز العلم حتى استقر عمله في بغداد حيث جمع مادة هائلة.
العمل الذي نعرفه اختصارًا بـ'تاريخ الطبري' اسمه الكامل 'تاريخ الرسل والملوك'، وهو موسوعة تاريخية شاملة تبدأ بخلق السماوات والأرض وتمتد إلى وقائع عصر المؤلف. أسلوبي المتشوق للكتب جعلني أتوقف عند طريقة الطبري في العمل: كان يدوّن الروايات بنظام السند والنقل، ويعرض أحيانًا أكثر من رواية ويحافظ على اختلاف المرويات بدل أن يحكم واحدًا منها، ما يجعل القراءة بمثابة مواجهة مع مصادر التاريخ نفسه.
بالنسبة للزمن، فقد صُنِع هذا الجمع خلال أواخر القرن الثالث الهجري وبداية القرن الرابع، أي في أواخر القرن التاسع ومطلع القرن العاشر الميلادي، واكتملت أجزاء منه قبيل وفاة الطبري عام 310 هـ/923 م. أعتبر هذا الكتاب مرجعًا أساسيًا لأي مهتم بتاريخ المسلمين ومصادره؛ قراءته تمنحك إحساسًا بأنك تسمع أصوات الماضي تتكلم مباشرة، مع كل تناقضاتها وأصالتها.