أعتقد أن السفر أشبه برحلة مزدوجة: رحلة في الجغرافيا، وأخرى عميقة في الذات. في كل مرة أزور فيها مكانًا جديدًا، أجد نفسي أقارن بين تفاصيله وبين تفاصيل بلدي. مثلًا، عندما كنت في اليابان العام الماضي، كنت أتجول في أزقة 'كيوتو' الضيقة، وفجأة شممت رائحة الخبز الطازج. للحظة، انتقلت بالذاكرة إلى مخبز صغير قرب منزل عائلتي في دمشق، ذلك المخبز الذي كان يملأ شارعنا برائحة الياسمين والخبز الساخن كل صباح.
هذا الحنين ليس مجرد شعور سلبي، بل هو طاقة تدفعني لاكتشاف المزيد. عندما أشتاق لبيتي، أبدأ بالبحث عن مقاهي تذكرني بمقهانا القديم في المدينة القديمة، أو أبحث عن أطباق تشبه طبخ والدتي. السفر يجعل الحنين أكثر حدة، لكنه في الوقت نفسه يوسع فهمي لوطني، لأنني أراه بعيون جديدة بعد كل رحلة. صرتُ ألاحظ تفاصيل كنت أعتبرها عادية: صوت أذان الفجر، أو ضحكات الجيران في العيد. الغربة علمتني أن الوطن ليس مجرد مكان على الخريطة، بل هو شعور يتردد في القلب كلما ابتعدت عنه.
سأحكي لك عن تجربتي في رحلة إلى اسطنبول، هناك قابلت مسافراً من البرازيل. كنا ننتظر القطار في محطة 'صبيحة'، وبدأنا نقارن بين صورنا القديمة لأماكن زرناها. الحنين جعلنا نضحك على نفس المواقف المحرجة، مثل ضياعنا في الأزقة. بعدها أصبحنا نلتقي يومياً في مقهى صغير قرب الفاتح، نتبادل الكتب الصوتية والأنمي المفضل لدينا. الصداقة لم تكن سطحية، لأننا لم نكن نتحدث عن الطقس أو المسارات السياحية، بل عن ذكريات الطفولة التي ربطتنا رغم بعد المسافات. أذكر أنه أخبرني عن مسلسل 'Fullmetal Alchemist' وكيف أثر فيه، فانهمرت ذكرياتي مع نفس الأنمي. تلك اللحظات جعلتني أدرك أن الحنين ليس مجرد شعور، بل جسر يصل بين الغرباء بسرعة مدهشة.
بالنسبة لي، السفر ليس مجرد تغيير مكان، بل فرصة لملاقاة أرواح تشبهني في شغفها بالتفاصيل الصغيرة. كلما زادت المسافة، زادت احتمالية أن تجد شخصاً يتوق لنفس الأشياء التي تفتقدها. لهذا، أصبحت أحمل معي دائماً قائمة بالأعمال التي أحببتها، لأشاركها مع من ألتقي، فتصبح الأحاديث أعمق من مجرد 'من أين أنت؟'. أتذكر مرة في قطار بدمشق، جلست بجانب امرأة تحمل رواية 'مائة عام من العزلة'، ووجدت نفسي أتحدث معها عن غابرييل غارسيا ماركيز وكيف أن الحنين للماضي يجعلنا نقرأ نفس الجمل مراراً. كانت تلك الصداقة قصيرة لكنها عميقة، مثل رشة قهوة تركية على لسان.
عدت لتوي من رحلة إلى كيوتو قبل شهرين، وصدق أو لا تصدق، ما زلت أجد نفسي أتوقف في منتصف الشارع لأتأمل غروب الشمس، شيء كنت أفعله هناك يوميًا. السفر ليس مجرد تغيير للجو، بل هو إعادة برمجة للروتين اليومي. مثلاً، صرت أحرص على إغلاق هاتفي أثناء تناول الطعام، تماماً كما رأيت العائلات اليابانية تفعل في المطاعم الصغيرة. في البداية، ظننت أن هذا مجرد انطباع مؤقت، لكن مع الوقت، لاحظت أن أصدقائي بدأوا يسألوني: 'ماذا حدث لك؟ لم تعد تتفقد هاتفك كل دقيقتين؟'
الجانب الأعمق هو الحنين. هناك أيام أشعر فيها بشوق غريب لهدوء معبد 'كينكاكو-جي' في الصباح الباكر، فأبحث عن مقاطع فيديو للمشي هناك على يوتيوب، وأشعل شمعة برائحة البخور التي اشتريتها من هناك. هذا الحنين دفعني لتغيير ديكور غرفتي بالكامل، حتى أصبحت أشبه بزاوية من 'كيوتو' مصغرة: وسادة زن، وفانوس ورقي، وحتى شاي ماتشا أصبح رفيقي اليومي بدلاً من القهوة. هل هذا تغيير سلوكي؟ بالتأكيد. لكن الأهم أنه علمني أن أتوقف عن التسرع. كنت شخصًا عصبيًا جدًا قبل السفر، أما الآن، فأجد نفسي أتنفس بعمق في زحمة المرور، متذكرًا مشهد أوراق الخريف تتساقط ببطء في حديقة 'أراشياما'.
لاحظت أيضًا أن طريقة كلامي تغيرت. صرت أستخدم كلمات هادئة، وأعطي مساحة للصمت في المحادثات، تمامًا كما تعلمت من التفاعل مع السكان المحليين الذين لا يقاطعون بعضهم. أختي ضحكت وقالت: 'هل أصبحت رجلًا حكيمًا من كيوتو؟' لكن في الحقيقة، السفر والحنين ليسا مجرد ذكريات جميلة نسترجعها، بل هما عاملان يعيدان تشكيل طباعنا بشكل خفي. كلما اشتقت لرائحة أزهار الكرز، أتذكر أن الحياة يمكن أن تكون جميلة حتى في التفاصيل الصغيرة، وهذه الفكرة وحدها غيرت تعاملي مع كل شيء.
في رحلة لي إلى كيوتو الشهر الماضي، كنت أتجول في أزقتها الضيقة وفجأة، من دون مقدمات، هجمت عليّ رائحة زهور الكرز الممزوجة برائحة المطر. أغلقت عيني للحظة، ووجدت نفسي في ساحة مدرستي القديمة، حيث كانت أشجار الكرز تزدهر كل ربيع ونحن نركض تحت ظلالها في فترة الاستراحة. الغريب أن تلك اللحظة لم تكن مجرد ذكرى عابرة، بل كانت شعوراً كاملاً يعيدني إلى ذاك الزمن الطفولي البريء، حيث كانت الهموم الوحيدة هي اختبار الرياضيات أو من سيفوز في مباراة كرة القدم.
أدركت حينها أن السفر ليس مجرد اكتشاف أماكن جديدة، بل هو أيضاً رحلة عبر الزمن. كل مدينة أزورها تحمل في طياتها روائح وأصوات تفتح أدراج الذاكرة. مثلاً، عندما زرت اسطنبول وسمعت صوت الأذان يتردد بين الجدران الحجرية، تذكرت صديقي 'أحمد' الذي كان يقرأ القرآن بصوته الجميل في إذاعة المدرسة الصباحية. أو حين مشيت على شاطئ في مرسيليا، شعرت برذاذ البحر على وجهي، فعدت إلى رحلة المدرسة الثانوية إلى شاطئ 'العقبة'، حيث كنا نغني ونضحك بلا توقف.
هذا النوع من الحنين ليس مؤلماً، بل هو دافئ ومريح. يذكرني أن الحياة ليست مشواراً خطياً، بل هي نسيج معقد من اللحظات التي تتقاطع مع بعضها. السفر يجعلني أدرك أنني أحمل مدرستي، أصدقائي، وحتى دروسي التي تعبتني، كلها محفورة في ذاكرتي. وأحياناً، أجد نفسي أبتسم وحدي في المطار أو في فندق ما، وأنا أسترجع تفاصيل صغيرة كنا نعتقد أنها تافهة، لكنها اليوم أصبحت كنزاً لا يقدر بثمن.
بالنسبة لي، الأغاني اللي بطفيها في السيارة أثناء السفر ترتبط كليًا بالمكان اللي رايح له وذكرياتي معاه. مثلاً، لو قررت أروح لجدة فجأة، لازم أسمع أغاني عبد المجيد عبد الله اللي تخليني أحس بروح البحر والرمال. مو بس كذا، أحيان أحمل بلاي ليست خاصة لمكان معين من آخر رحلة، عشان كل ما رجعت له المشاعر ترجع مع الأغاني.
هالشي صار جزء من طقوس السفر بالنسبة لي. أتذكر مرة كنت مسافر للطائف وجبت معاي شريط كاسيت قديم حق طلال مداح، لأن جدتي دايم تشغله في البيت. طول الطريق وأنا أتخيلها وهي تقول لي 'هذا صوت بلادنا'. الحنين مو بس للمكان، بل للناس واللحظات اللي عشتها معهم. لهالسبب، أعتقد أن السفر والموسيقى يكوّنون رابط عاطفي قوي، يخليني ما أقدر أختار أغنية عشوائية، لازم تكون مرتبطة بذاك الزمان والمكان.
أعترف أنني كنت متشككاً في البداية. بعد انتهاء علاقة طويلة، شعرت أن ذكرياتي مثل شريط سينمائي ملتصق بجدران غرفتي. كل زاوية في بيتي تذكّرني بضحكاتنا، حتى رائحة القهوة الصباحية أصبحت مؤلمة.
في رحلة عفوية إلى مدينة ساحلية، حدث شيء غريب. عندما جلست وحدي أتأمل أمواج البحر المتكسرة، بدأت الذكريات تتشكل بشكل مختلف. لم تكن مؤلمة بعد الآن، بل تحولت إلى قصة أستطيع مشاهدتها من بعيد. السفر منحني مسافة آمنة، مثلما تفعل الكاميرا عندما تبتعد عن الهدف لتعطي صورة أوضح.
ثم حدث التحوّل الحقيقي عندما تعرفت على مسافرين آخرين في النزل. قصة سيدة عجوز فقدت زوجها قبل عشر سنوات علمتني أن الذكريات ليست سجناً، بل حديقة يمكنك زيارتها متى أردت. السفر لم يمحِ الذكريات، بل علمني كيف أعتني بها دون أن تؤلمني. مثلما تقول إحدى روايات 'هاروكي موراكامي'، أحياناً تحتاج فقط إلى تغيير زاوية رؤيتك لتكتشف أن ما كنت تعتقده نهاية هو مجرد بداية مختلفة.
أعتقد أن السفر والحنين يمكن أن يكونا أداتين قويتين للغاية في التعامل مع الفقد، لكن الأمر يختلف حسب الشخص والظروف. بالنسبة لي، بعد أن فقدت شخصًا قريبًا من قلبي، وجدت أن السفر إلى أماكن جديدة لم نزرها معًا ساعدني على إعادة تعريف نفسي بعيدًا عن الذكريات المؤلمة. في رحلة إلى جبال الألب، كنت أجلس على قمة جبل وأتأمل الغيوم، وشعرت وكأن المساحات الشاسعة تذكرني بأن العالم أكبر من ألمي. لكن في الوقت نفسه، الحنين له جانب مزدوج: أحيانًا أستمع لأغنية كنا نحبها معًا 'Yellow' لـ Coldplay، وتغمرني المشاعر، لكني تعلمت أن أترك تلك اللحظة تمر دون مقاومة.
السر في رأيي هو التوازن. السفر يمنحك منظورًا جديدًا، خاصة عندما تزور أماكن ثقافية مختلفة مثل معابد كيوتو أو شوارع باريس القديمة، حيث تشعر بأن الزمن يستمر رغم كل شيء. لكن الحنين، إذا استخدمته بشكل واعٍ، يمكن أن يكون طقسًا شافيًا: مثلاً، إعادة قراءة رواية 'The Alchemist' التي أهداني إياها، أو مشاهدة فيلم 'Up' الذي يجسد فكرة الاستمرار بعد الفقد. ما أدركته هو أن الجراح لا تلتئم تمامًا، لكن السفر يعلمك كيف تحملها معك برشاقة، بينما الحنين يذكرك بأن الحب الذي عشته كان حقيقيًا.
بالنسبة لي، أنا شخص يفضل الكتب الصوتية أثناء السفر، وأتذكر أنني استمعت لرواية 'Norwegian Wood' لهاروكي موراكامي في رحلة قطار عبر الريف الاسكتلندي، وكانت تجربة أشبه بالتنفيس العاطفي. لا أعتقد أن هناك طريقة واحدة صحيحة، لكن الجمع بين الانغماس في تجارب جديدة واحتضان الذكريات بحب يمكن أن يخلق مساحة للشفاء. الأمر ليس سحريًا، لكنه يشبه تنظيف جرح قديم: مؤلم لكنه ضروري.