أحمل في ذاكرتي زوايا الصفوف وروائح الكتب وكأنها مشاهد من فيلم قديم؛ وهذا يجعلني أصدق أن المدرسة تشكل أكثر مما نعلم. المدرسة علّمتني كيف أفكر بشكل منظّم، لكنها علّمتني أيضاً كيف أتعامل مع الفشل عندما يفشل مشروع علمي أو أرتبك أمام زميل، وكيف أجادل وأعرض أفكاري علناً. في زمن الشاشات، دور المدرسة توسع: لم تعد مجرد مساحة لنقل معلومات، بل أصبحت ساحة لتعليم مهارات التعامل مع كم هائل من المعلومات، وتمييز الصحيح من المضلّل، وتعلّم كتابة بريد إلكتروني مهذب، أو العمل ضمن فريق عبر تطبيقات افتراضية.
ألاحظ أن التأثير يتبدّل حسب نوع المدرسة والسياق الاجتماعي. المدارس التي تضيف نشاطات فنية ورياضية وتسمح بالخطأ تخرج أطفالاً واثقين يبحثون عن حلول مبتكرة، بينما المنظومات التي تركز فقط على الامتحانات قد تخنق حب الفضول وتخلق توتّراً وقلقاً. ليس سراً أن التنوع في الصفوف — من ثقافات ولغات ومستويات — يؤثر على قدرة الطفل على التعاطف وتقبّل الآخر. وأذكر زميلة بدأت رحلتها بالخجل في الصف الابتدائي، لكن مجموعة المسرح المدرسي حولتها إلى شخص يحلو له التحدّث أمام جمهور صغير، وهذا التحوّل لا يقل أهمية عن أي نتيجة اختبار.
في عصر العمل عن بعد والذكاء الاصطناعي، المدارس مطالبة بتكييف مناهجها: تعليم مهارات نقدية، التعاون، والمرونة، بدلاً من الحفظ الخالص. هذا لا يلغي أهمية الأساسيات مثل القراءة والرياضيات، لكنه يعني أن التربية يجب أن تواكب تغيّر العالم. أخيراً، أرى أن تأثير المدرسة ليس ثابتاً أو سلبيًا بالكامل؛ إنه مزيج من الفرص والمخاطر. المهم أن لا نترك التعليم لصالح إجراءات تنظيمية بحتة؛ نحتاج مدارس تمنح الأطفال فرصة لاكتشاف أنفسهم وتجربة الفشل والنجاح، لأن هذا ما يبني أجيالاً قادرة على التفكير والتكيّف، وليس فقط على الامتحان. انتهى الحديث لدي بابتسامة صغيرة على ذكرى مشهدٍ طلابي بسيط غيّر شيئاً داخلياً فيّ.
كلما أفكّر في الأجيال القادمة، أجد المدرسة المكان الذي يبدأ فيه الطفل بصنع نسخته من العالم.
أحب أن أرى المدرسة أولاً كميدان اجتماعي: هناك يتعلم الأطفال كيف يتعاملون مع آخرين مختلفين عنهم، كيف يكوّنون صداقات، وكيف يحلون خلافًا صغيرًا قبل أن يتحول إلى مشكلة أكبر. التجارب اليومية — اللعب في الفناء، العمل الجماعي في مشروع، حتى الصفوف التي لا تجري كما ينبغي — كلها دروس في التعايش.
ثانيًا، المدرسة تقدم إطارًا منظمًا لتعلّم مهارات أساسية ومعرفة منظمة؛ القراءة والكتابة والحساب ليست مجرد معلومات، بل أدوات ليفتح الطفل بها أبوابًا أخرى. وفي عصر الإنترنت، دورها يمتد إلى تعليم التفكير النقدي والتمييز بين مصادر المعلومات.
أخيرًا، لا أنسى البعد النفسي والداعم: المدرسون والمختصون يمكن أن يكونوا نقاط تماس تساعد الطفل على تطوير ثقته بنفسه والتعرّف على ميوله. لذلك، أرى المدرسة ليست مجرد مكان لحشو المعلومات، بل مختبر لبناء الشخصية والقدرات الاجتماعية والفكرية — وهذا ما يجعلها لا تزال ضرورية حتى ونحن نعيد تشكيل طرق التعليم.
ما ألاحظه من تجارب كثيرة أن المشكلات في المدارس ليست مجرد مسألة درجات أو حصص دراسية؛ هي شبكة مترابطة من صعوبات تؤثر على يوم الطالب بكامله.
على الجانب الأكاديمي، كثير من الطلاب يواجهون صعوبة في استيعاب المناهج أو سرعة الانتقال بين المواضيع. الواجبات المتراكمة والامتحانات المتقاربة تضغط على الوقت وتقلل من فرص الفهم العميق. أذكر أيامًا كنت أحاول الموازنة بين مشروع كبير واختبارين في أسبوع واحد، وكان الخوف من الرسوب أو الانتقاص من التقدير يسيطر على كل وقت الفراغ.
ثم هناك الجانب الاجتماعي والنفسي: التنمر، الشعور بالوحدة، ومقارنة النفس بالآخرين عبر وسائل التواصل تؤثر على مستوى التركيز والدافعية. البعض يعاني صعوبات تعلم أو احتياجات خاصة ولا يجد دعمًا كافيًا داخل المدرسة، مما يجعلهم يتراجعون تدريجيًا. كما ترافق كل هذا مشاكل بنيوية مثل صفوف مكتظة، نقص المرشدين، أو قلة الأنشطة العملية التي تربط الدراسة بالحياة الحقيقية.
أؤمن أن تحسين الأمور يبدأ بخطوات بسيطة: توزيع العبء الدراسي بتوازن، توفير دعم نفسي وتعليمي مبكر، وتشجيع حوار صريح بين الطلاب والمعلمين والأهل. لا توجد وصفة سحرية، لكن لو ركزنا على الفهم بدلًا من الحشو، واهتممنا بالصحة النفسية بقدر اهتمامنا بالدرجات، سأشعر أن الصورة تتحسن تدريجيًا.