LOGINفتاة صغيرة تعيش في بيئة مليئة بالظلم والألم ،تواجه مصاعب الحياة من صغرها وفي شبابها ،تدخل في علاقة حب لكن في النهاية تصبح شهيدة حرب وحب.
View Moreهناك من يولد وفي يده لعبة، وهناك من يولد وفي قلبه وجعٌ لا يعرف له إسما.
كانت طفلةً صغيرة لا تعرف من الدنيا سوى أنها تبحث كل يوم عن كلمة حنان، وعن حضنٍ دافئ، وعن ابتسامة تخبرها أنها ليست وحيدة. لكن البيت الذي كان من المفترض أن يكون ملاذها، أصبح أول مكانٍ تعلّمت فيه معنى الظلم. لم تكن تتخيل أن الأيام ستسرق طفولتها، وأن الدموع ستصبح رفيقة لياليها. ومع ذلك، بقي في قلبها نورٌ صغير، وإيمانٌ بأن الله لا ينسى أحدًا. وهذه ليست مجرد قصة حزن... بل قصة روحٍ قاومت حتى آخر لحظة، وتركت أثرًا لن يمحوه الزمن. كانت أمينة فتاةً تعيش في حيٍّ فقير يقع في أطراف البلدة. منذ نعومة أظافرها لم تعرف معنى الطفولة كما يعرفها الأطفال، فقد كبرت قبل أوانها، وحملت في قلبها الصغير همومًا أكبر من عمرها. كانت أمينة الابنة الكبرى في أسرتها، ولم يتجاوز عمرها السنتين حين رُزقت بأخٍ صغير اسمه عبد الله. أحبّته من أعماق قلبها، وكان هو أيضًا متعلقًا بها تعلقًا شديدًا، حتى إنه كان يرفض الابتعاد عنها. لكن والدها لم يكن ينظر إليها كما ينظر إلى أخيها. كان يرى أن الابن هو السند، أما البنت فلا قيمة لها سوى أعمال المنزل والطبخ والتنظيف. أمينة فتاة تعيش في حيٍّ فقير يقع في أطراف البلدة. لم تكن تعلم أن القدر يخبئ لها حياةً قاسية، مليئة بالألم والظلم، وأن قلبها الصغير سيحمل من الأوجاع ما يفوق عمرها. أما اخاها عبد الله. منذ اللحظة الأولى، أصبح رفيقها الأقرب، وكانت تحبه أكثر من أي شيء في الدنيا، بينما كان هو لا يهدأ إلا إذا كانت بقربه. ومع الوقت بقيت العلاقة بين والديها غير مستقرة. لم يكد يمر يوم واحد من دون صراخ أو شجار يملأ أرجاء المنزل. كان والدها رجلاً قاسي القلب، سريع الغضب، لا يعرف للرحمة طريقًا، أما والدتها فكانت تبكي بصمت، ثم تمسح دموعها وتكمل يومها وكأن شيئًا لم يحدث. أما أمينة، فقد اعتادت تلك المشاهد منذ صغرها، حتى أصبح الصراخ جزءًا من تفاصيل حياتها اليومية، وصار الهدوء بالنسبة إليها شيئًا غريبًا لم تعشه قط. ومع بلوغها الخامسة من عمرها، بدأت مرحلة جديدة من المعاناة. ففي صباح أحد الأيام، ناداها والدها بصوتٍ حاد: - هيا يا أمينة، اذهبي وارعي الأغنام، واسقيها، ولا تنسي إطعامها. وعندما تعودين في المساء، احلبيها. أما أمك فلن تفعل شيئًا، عليها الاهتمام بأخيك. نظرت إليه أمينة بعينين صغيرتين امتلأتا بالخوف، وقالت بصوتٍ مرتجف: - لكن يا أبي... أنا ما زلت صغيرة هيا !! أسرعي وإلا سأفرغ غضبي بك.... ذهبت أمينة تحمل في قلبها همآ كبيرا ،لا تعرف ماذا تفعل وكيف تتصرف مع تلك الحيوانات، تركض خلفها بجسدها الصغير وتحاول جمعها، لكن لم يكن بالحسبان ما قد حل بها.... عند المساء حاولت جمع الأغنام وإعادتها إلى الحظيرة حيث يتم جمعها وحلبها، ثم وضع الطعام والاعشاب لها، لكنها لم تستطع جمعها كلها إلا أن هناك عدد منها قد ضاع بين البساتين ،كانت تركض بين الأشجار وتسقط بين الحجارة حتى تورمت أقدامها. عادت أمينة إلى المنزل وكان والدها قد بدأ بعد الأغنام واحدة تلو الأخرى، وعندما تفحصها كان قد علم بأن إثنتين من الأغنام قد ضاعت ولم تستطع أمينة إيجادهن. أمسك بزراعها الصغير والنحيل وبدأ بضربها وتوبيخها وركلها حتى تدفق الدم من فمها الصغير ورأسها، استمر بضربها حتى فقدت وعيها بين يديه . أسرعت والدتها تركض نحوها وتصرخ بوجه زوجها "ياعديم الرحمة اتركها وشأنها، ستموت بين يديك أيها الوغد"ظلّت أمينة ملقاة على أرض الغرفة الباردة، وقد غطّت آثار الضرب وجهها، وتناثرت الكدمات على جسدها النحيل. شعرت وكأن الدنيا بأسرها قد تآمرت عليها، وأن السعادة لم تُخلق لها قط. راحت تبكي بصمت حتى أثقلها الإعياء، فاستسلمت للنوم. مع إشراقة اليوم التالي، دخلت والدتها الغرفة، وساعدتها على الجلوس برفق، ثم قدّمت إليها الطعام والماء، لكن أمينة أبت أن تتناول شيئًا. بقيت صامتة، تحدّق في الفراغ بعينين أنهكهما البكاء. حاولت أمها مواساتها بكلمات حانية، إلا أن أمينة لم تُجب، وكأن روحها قد انطفأت. مرّ اليوم الثاني، ثم الثالث، ولم يلامس الطعام أو الشراب شفتيها. دخلت أمها وهي تكاد تبكي، وقالت بصوت مرتجف: "يا ابنتي، ستهلكين إن بقيتِ على هذه الحال." أجابت أمينة بصوت خافت، يملؤه الانكسار: "ليت الموت يريحني من هذا العذاب." وفي تلك اللحظة دخل إخوتها. قال أحدهم بغلظة: "احمدي الله أن أبانا لم يقتلك. ولو علمنا أن بينك وبين ذلك الشاب شيئًا، لما ترددنا في قتلك بأيدينا." رفعت أمينة رأسها ببطء، وكانت عيناها حمراوين من كثرة البكاء، وقالت بمرارة: "وماذا تنتظرون إذًا؟ اقتلوني وأريحوني... أرجوكم، دعوني
ساد المجلس صمتٌ ثقيل، وانعقدت أنظار الجميع على والد أمينة، ينتظرون كلمته الأخيرة. كان على وشك أن يجيب، لكنه لمح زوجته تقف عند عتبة الباب، ترمقه بنظراتٍ حادة، وهي تهز رأسها بخفة، وكأنها تقول له: لا... لا توافق. تردد للحظات، ثم تنحنح وقال: "يا أبا أحمد، والله إن ابنكم بمنزلة ابني، وكان يشرفني أن أصاهركم، ولكن أمينة ما زالت صغيرة على الزواج. أسأل الله أن يرزق ابنكم بفتاةٍ تكون خيرًا له، وتناسبه." ساد الذهول أرجاء المجلس. اتسعت عينا أحمد، وبقي يحدق في وجه والد أمينة غير مصدق ما سمعه. أما والده وبقية أفراد عائلته، فقد بدت الصدمة واضحة على وجوههم. وحدها زوجة الأب أخفت ابتسامة انتصارها، بينما كان قلبها يرقص فرحًا، فقد نجحت خطتها. نهض أحمد من مكانه، وقد اشتعل الغضب في عينيه، وقال بصوتٍ امتزج بالألم: "لكن يا عمي... أنا أحب أمينة، وأنتظرها منذ سنوات، ولن أتزوج غيرها." رفع والده يده برفق، وقال: "اجلس يا أحمد." ثم التفت إلى والد أمينة وقال بهدوء: "يا أبا عبد الله، أعد التفكير في الأمر، ولا تتعجل. سننتظر ردك، فلا تكن سببًا في التفريق بين قلبين جمعهما الحب." وما إن سمع والد أمينة كلمة
غصّت أمينة بعبرتها، لكنها تماسكت، ونظرت إليه قائلةً:"اهتم بنفسك أنت أولًا، لعل ابنة عمك التي تعشقها تنظر إليك يومًا."قطّب حسن حاجبيه، ورمقها بنظرة غاضبة، ثم خرج من الغرفة وهو يتمتم بكلماتٍ لم تفهمها.ولم تمضِ سوى دقائق حتى اندفع أخوها حسين إلى داخل المنزل وهو ينادي بصوتٍ عالٍ:"أمينة... أمينة! خمني من جاء إلينا!"خرجت أمها مسرعة وقالت:"من يا حسين؟"ابتسم وقال بحماس:"آل السعدي... وجاؤوا معهم أحمد ليطلب يد أمينة."شهقت الأم، ثم رفعت يديها إلى السماء وهي تقول:"الحمد لله... الحمد لله يا رب."ثم التفتت إلى ابنتها، وقد اغرورقت عيناها بالدموع، وقالت:"أخيرًا يا ابنتي... لعل الله يريحك من قسوة أبيك ومن هذا العذاب."كانت كلماتها تخرج من قلبٍ يفيض بالفرح، لكن شعورًا غريبًا تسلل إلى داخلها، وكأن قلبها يخبرها أن شيئًا غير محمود يقترب. حاولت تجاهل ذلك الإحساس، لكنها لم تستطع.أما أمينة، فقد احمرّ وجهها خجلًا، ولم تستطع إخفاء ابتسامتها التي أشرقت بها ملامحها.في تلك الأثناء، وصلت عائلة السعدي إلى باب المنزل. كان أحمد يتقدمهم، يحمل بين يديه باقةً جميلة من الورود، وفي يده الأخرى حقيبة صغيرة أخفى
اقترب أحمد منها بخطواتٍ هادئة، ثم أمسك بيدها برفق ووضعها فوق صدره، حيث كان قلبه يخفق بقوة. ارتجفت أمينة من الخجل والرهبة، وشعرت أن لمسة يده أشعلت في قلبها دفئًا لم تعرفه من قبل، حتى خُيّل إليها أنها ستذوب حياءً. قال بصوتٍ امتزج بالحب والصدق: "أتشعرين بهذا النبض؟ كل خفقةٍ في قلبي تنطق باسمك. أحبك أنتِ، ولم يعرف قلبي غيرك يومًا. منذ كنا طفلين، وصورتك لم تفارق مخيلتي. يقولون إن الحب الأول لا يُنسى... وأنا أؤمن بذلك. والآن أخبريني... ماذا يقول قلبك أنتِ؟" رفعت أمينة عينيها إليه، فالتقت نظراتهما. وفي تلك اللحظة، شدّ على يدها قليلًا، كأنه يخشى أن تفلت منه قبل أن يسمع جوابها. قالت بصوتٍ خافتٍ متردد: "الشعور الذي جاء بك إلى هنا... هو نفسه الذي جاء بي." توقف لوهلة، ثم سألها بشغفٍ ولهفة: "وما هو؟" اتسعت عيناه وهو ينتظر الكلمة التي طالما حلم بسماعها. خفضت أمينة رأسها من شدة خجلها، ثم همست: "أنا أيضًا... أحبك." وما إن نطقت بها حتى تراجعت خطوة إلى الوراء، وقد احمرّ وجهها خجلًا، وشعرت أن قلبها يكاد يقفز من بين ضلوعها. ابتسم أحمد ابتسامةً عريضة، وكأن الدنيا بأسرها لم تعد تتسع لسعادته. ضح