المكان في 'عشق الزين' الجزء الثاني لا يُعطى كاسم جغرافي ثابت، بل يُبنى من خلال تفاصيل صغيرة تجعل القارئ يشعر أنه يعرف المدينة دون أن يتم تسميتها صراحة. الكاتب استخدم هذا الأسلوب عمداً: الشوارع الضيّقة المرصوفة بال
حجارة، البازارات المكتظة بالأصوات، الدكاكين التي تفوح برائحة القهوة والبهارات، ومقاهي صغيرة تطل على شارع رئيسي تُحاكي واقع مدن عربية تقليدية وحديثة في آن واحد.
ألاحظ أن التبديل بين أماكن متعددة داخل النص —من بيت قديم يملؤه الذكريات إلى ساحة عامة تعج بالمارة ثم إلى مشهد ريفي أو شاطئ هادىء— يعطي الانطباع بأن الأحداث تنتقل بين أحياء مختلفة لمدينة مركبة. هذه التقنية تمنح العمل طابعاً كونيّاً: قد تكون المدينة مستوحاة من القاهرة أو دمشق أو
مدينة ساحلية في بلاد الشام أو حتى
خليجية، لكن الأهم أن الكاتب لم يربط القارئ باسم محدد ليفتح المجال أمام خيال القارئ لملء الفراغات.
الزمن أيضاً غير مقفل بتواريخ دقيقة؛ هناك دلائل على حاضر قريب —هواتف بسيطة، وسائل نقل مألوفة، تغيّرات اجتماعية معاصرة— ولكن لا توجد إشارات تاريخية صارمة تُقيّد الرواية بمكان واحد. هذا الأمر يجعل 'عشق الزين' الجزء الثاني أشبه بخريطة عاطفية أكثر منها خريطة جغرافية: المكان يخدم مشاعر الشخصيات وتحولاتها، ويعكس الفجوات الطبقية، وال
حنين، والبحث عن الهوية. بالنسبة لي، هذه الحرية في التحديد هي ما يعطي الرواية قوتها؛ فالمدينة تصبح شخصية بحد ذاتها، مليئة بالأبواب المغلقة والنوافذ التي تطل على ماضي الشخصيات، وتسمح لكل قارئ بأن يرى فيها زاويته الخاصة.
خلاصة القول: الكاتب وضع أحداث الجزء الثاني في
فضاء غير مسمّى ومركب يعتمد على تفاصيل محلية عامة بدل كونها حصرية لمدينة بعينها، ليجعل القصة أكثر شمولية وقابلية للتصديق بالنسبة لقارئ من أي خلفية عربية. هذا الأسلوب يجعل المكان حاضراً بقوة دون أن يَسْمُه، ويترك أثراً طويل الأمد في الذهن.