LOGIN
الفصل1
تناثرت حبات المطر الغزيرة كدموعٍ ترفض أن تهدأ فارتفعت رائحة التراب المبتل ممتزجة بشعورٍ باردٍ يتسلل إلى العظام. عند مدخل المشفى، وقفت سيرين كتمثال نُحت من ألمٍ وصمت. جسدها النحيل يهتز ارتجافًا، ليس فقط من البرد الذي يطارد أطرافها، ولكن من زلزال داخلي يمزق قلبها... تمسك بيديها المرتعشتين ورقة التقرير. أخذت عيناها تحدق في الكلمات المطبوعة بجمودٍ بارد، كلمات تخلو من أي رحمة أشبه بسكين مغروسة في صدر الأمل: **"لم يتم اكتشاف أي حمل."** شعرت للحظة وكأن الأرض تنزلق من تحت قدميها، وكأن الهواء المحيط بها قد قرر أن يحجب عنها أنفاس الحياة. "لقد تزوجتِ منذ ثلاث سنوات، كيف لم تصبحي حاملاً بعد؟" سألتها والدتها سارة بنبرة مشوبة بالخيبة، وهي تشير بإصبعها إلى وجه سيرين. كانت سارة سيدة أرستقراطية، ترتدي ملابس فاخرة وكعبًا عاليًا، تعلو ملامح وجهها ابتسامة جليدية مستفزة تبرز كماً من التعالي والبرود، واستكملت بتهكمٍ: "لماذا أنت عديمة الفائدة إلى هذا الحد؟ إذا لم تحملي قريبًا، فسوف يطردك آل نصران من العائلة... ماذا سيحدث لعائلتنا إذاً؟" رمقتها سيرين بنظرة فارغة، كان لديها الكثير لتقوله، لكن الكلمات ظلت عالقة في حلقها. في النهاية، لم تستطع سيرين سوى أن تهمس: "أنا آسفة". ردت سارة بجفاء: "لا أريدك أن تتأسفي… أريدك أن تلدي طفل ظافر. هل تفهمين ما أقول؟" شعرت سيرين بضيق شديد في حلقها، ولم تعرف كيف ترد على سارة. خلال سنوات زواجها الثلاث، لم يمارس زوجها ظافر نصران أي علاقة جنسية معها مطلقًا. كيف يمكنها أن تنجب طفله؟ حملقت سيرين بسارة، تلمح التناقض الشديد بين ضعفها وبين تعجرف والدتها. وأخيرًا، قالت سارة ببرود قبل أن تغادر: "إذا لم تتمكني حقًا من منحه طفلًا، فابحثي له عن امرأة تستطيع فعل ذلك... على الأقل سيقدر لكِ هذا". حدقت سيرين في أثر سارة المنسحبة بعدم تصديق. هل أخبرتها والدتها للتو أن تبحث عن امرأة أخرى كي ينام معها زوجها؟ كان قلب الأم باردًا مثل المطر المتجمد... عن أي أم نتحدث، إنها الخذلان في أحقر صوره! بينما كانت سيرين في طريقها إلى المنزل، لم تستطع التوقف عن التفكير في كلمات سارة الوداعية. فجأة، غزى أفكارها رنين عالٍ يضج في أذنيها، فأدركت أن حالتها قد ساءت. وفي تلك اللحظة، تلقت رسالة على هاتفها. كانت الرسالة من ظافر، تحمل في طياتها نفس الكلمات الباردة المعتادة: "لن أعود إلى المنزل الليلة". على مدار السنوات الثلاث الماضية من زواجهما، لم يقضِ ظافر ليلة واحدة في المنزل، ولم يلمس سيرين قط... كانت مجرد شبحٍ في حياته. تذكرت سيرين ليلة زفافهما، حين قال لها ببرودٍ قاسٍ: "بما أن عائلتك جريئة بما يكفي لخداعي وإقناعي بالزواج منكِ، فمن الأفضل أن تكوني مستعدة لقضاء بقية حياتك في عزلة". كانت تعيش في قمة الخيبة، زواج مع إيقاف التنفيذ! قبل ثلاث سنوات، قررت عائلتا تهامي ونصران تشكيل تحالف من خلال الزواج... كان الاتفاق مُبرمًا على شروط تفيد كلا العائلتين. ولكن عندما جاء يوم الزفاف، تراجعت عائلة تهامي عن وعدها ونقلت كل أصولها، بما في ذلك الملايين من الدولارات التي دفعها ظافر للزواج من سيرين. تلاشت عينا سيرين عند تذكرها لهذا الأمر المؤلم... وردت على رسالة ظافر النصية بإجابتها المعتادة: "حسنًا". كانت الكلمة تحمل في طياتها كل الاستسلام والخضوع الذي عشّش في قلبها. ودون أن تدرك، انكمشت تقارير الحمل التي كانت تحملها بين يديها، فتمزقت بعض الشيء بفعل قبضتها المشدودة. شعرت سيرين وكأن حياتها تمزقت كما الأوراق التي بين قبضتيها، ومع كل تمزق كان أملها في الحياة يتلاشى أكثر. تحملت سيرين سنوات من الوحدة والبرود، عانت العزلة القاسية والقهر الصامت. لكن رغم كل ذلك، كانت تأمل في معجزة تغير مسار حياتها وتعيد إليها البسمة والدفء. كل شهر، في هذا الوقت، تشعر سيرين بخمول غير عادي، ولم تكلف نفسها عناء تجهيز العشاء، بل كانت تتكئ على الأريكة، تغفو من حين لآخر. ظل الطنين في أذنها مستمرًا، ليذكرها بضعف سمعها الذي كان سببًا آخر لكراهية ظافر لها. في الساعة الخامسة صباحًا، رنت ساعة البندول على الحائط بصوت خافت، فأدركت سيرين متأخرة أنها نامت على الأريكة، لذا نهضت مسرعة وذهبت إلى المطبخ لإعداد إفطار ظافر. كان ظافر رجلاً دقيقًا وصارمًا بشأن الالتزام بالمواعيد، ليس فقط مع نفسه ولكن أيضًا مع من حوله، وكالمعتاد وصل إلى المنزل في تمام الساعة السادسة تمامًا. ظافر، الرجل الطويل الوسيم ذو البدلة الأنيقة، كان يتسم بسلوك هادئ ومتحفظ، ولكنه بلا شك كان رجوليًا.. ومع ذلك، بالنسبة إلى سيرين، كان باردًا وبعيدًا. لم ينظر حتى إليها... مر بجانبها مباشرة، وهو ينظر إلى الطعام على الطاولة وقال بسخرية: "أنتِ تفعلين هذا كل يوم... هل أنت مربية أم ماذا؟" على مدى السنوات الثلاث الماضية، كانت سيرين تعيش في دوامة متكررة... ترتدي نفس الملابس الداكنة، وترد على رسائله بنفس الكلمة المفردة. حياتها لم تكن سوى مجرد انعكاس باهت لرغباته وأوامره بلا أي بصيص من الأمل أو التغيير. لو لم يكن هناك تحالف تجاري وخداع من عائلة تهامي، لما فكر ظافر في الزواج من امرأة مثل سيرين. عند سماع كلمة "مربية"، عاد الطنين في أذني سيرين التي ابتلعت بصعوبة، وشعرت بغصة في حلقها، ثم قالت بشجاعة: "ظافر، هل لديك شخص تحبه؟" تفاجأ ظافر بسؤالها، فأظلمت عيناه: "ماذا تقصدين بذلك؟" رفعت سيرين رأسها وحدقت في عينيه، تحاول ابتلاع الصفراء التي تتصاعد في مؤخرة حلقها. "إذا كنت تحب امرأة أخرى، يمكنك أن تكون معها" قبل أن تتمكن من إنهاء كلامها، قاطعها ظافر بحدة: "أنت مجنونة". بعد مغادرة ظافر، جلست سيرين على الشرفة بمفردها، تنظر إلى المطر البارد... صوت قطرات المطر يتسلل إلى عالمها المختنق بالصمت. خلعت سماعات الأذن، مما جعل العالم يغرق في السكون القاسي. قبل شهر، أخبرها طبيبها: "سيدة سيرين تهامي، هناك تغير مرضي في أعصابك السمعية وبعض الأعصاب القحفية، مما تسبب في تدهور سمعك... وإذا استمر هذا التغير، فقد تفقدين سمعك تمامًا". ولأنها لم تعتد على عالم صامت، توجهت سيرين إلى غرفة المعيشة وشغلت التلفاز... ثم رفعت مستوى الصوت إلى الحد الأقصى، مما سمح لها بسماع بعض الأصوات المشتتة. بالمصادفة، كان التلفزيون يعرض مقابلة مع دينا، المطربة المشهورة بأغانيها العاطفية. جلست سيرين في محاولة للبحث عن بصيص من الراحة في كلمات وألحان أغانيها، متمنية أن تجد في تلك النغمات ما ينقذ قلبها من براثن الوحدة. ارتجفت يدا سيرين وهي تمسك بجهاز التحكم عن بعد، وكأنها تمسك على مشاعرها الجياشة. دينا كانت الحب الأول لظافر، وأول من شغف قلبه... لم ترها سيرين منذ زمن، لكنها لم تتغير. دينا ما زالت تحتفظ بجمالها وثقتها، تقف أمام الكاميرات بكامل أناقتها، مختلفة تمامًا عن تلك الفتاة الخجولة التي توسلت لعائلة تهامي لرعايتها. عندما سألها المحاور عن سبب عودتها إلى الوطن، ردت بشجاعة: "عدت لأستعيد حبي الأول." انزلقت من بين يدي سيرين جهاز التحكم عن بعد، وكأن قلبها هو الآخر هبط إلى قاع معدتها. ازداد هطول المطر في الخارج كثافة، وكأنه يعكس اضطراب مشاعرها. أغلقت سيرين التلفاز في حالة من الارتباك، واتجهت لتنظيف بقايا الفطور. وعندما وصلت إلى المطبخ، اكتشفت أن ظافر قد نسي هاتفه. التقطته بيديها المرتجفتين، وبدأت تطالع الرسائل غير المقروءة على شاشة القفل. "ظافر، لا بد أنك كنت تعاني في السنوات الماضية، أليس كذلك؟" "أعلم أنك لا تحبها. ماذا لو التقينا الليلة؟ لقد اشتقت إليك كثيرًا." ظلّت سيرين تحدق في الرسائل بلا تعبير، حتى أصبحت الشاشة مظلمة مجددًا. طلبت سيارة أجرة إلى مكتب ظافر، وفي الطريق كانت تحدق عبر النافذة. المطر ينهمر بغزارة وكأنه يرفض التوقف، يعكس تمامًا حالتها النفسية المتردية. لم يكن ظافر يحب زيارة سيرين له في المكتب، لذلك اعتادت على أخذ المصعد الخدمي من منطقة التحميل. عندما رآها مساعد ظافر، ويدعى ماهر الذي استقبلها ببرود قائلاً: "السيدة سيرين". لم يُعاملها أحد في محيط ظافر كزوجة له، بل كانت مجرد عبء ثقيل على سمعته. عندما رآها ظافر تحمل له هاتفه، عبس وجهه بتجهم. "ألم أخبرك ألا تحضري أغراضي بنفسك؟" تجمدت سيرين في مكانها، معتذرة بصوت مرتجف: "آسفة، نسيت." منذ متى أصبحت ذاكرتها سيئة إلى هذا الحد؟ ربما أصابها الذعر بعد رؤية رسالة دينا، وأصبحت تخشى أن يختفي ظافر من حياتها فجأة. قبل أن تغادر، نظرت إلى ظافر بتوسل غير معلن... ولم تستطع أن تقاوم، فسألت بصوت متهدج: "ظافر، هل ما زلت تحب دينا؟" اعتقد ظافر أن سيرين تتصرف بغرابة في الآونة الأخيرة، نسيانها المتكرر وأسئلتها الغريبة أثار استغرابه... كيف لشخصية مثلها أن تكون زوجته؟ فأجابها بحدة غير مبالي: "إذا كان لديكِ وقت فراغ، اذهبي وابحثي عن شيء يشغلك." كانت سيرين قد حاولت من قبل العثور على وظيفة، لكنها اصطدمت بجدار الرفض من والدة ظافر، "شادية" ، التي وبختها دون رحمة: "هل تريدين أن يعرف الجميع أن ظافر تزوج امرأة تعاني من مشاكل في السمع؟" تخلت سيرين عن فكرة العمل، وركزت على حياتها الباهتة كـ"السيدة نصران"، تعيش في ظلال الوحدة والصمت. جلست في المنزل وحيدة حتى حلول الليل، والأرق يلتهمها من الداخل. رن الهاتف بجانب سريرها، وكان اتصالاً من رقم غير مألوف. ردت على المكالمة بصوت مهتز، وجاءها صوت مألوف تخشى سماعه: "هل هذه سيرين؟ ظافر مخمور. هل يمكنك أن تأتي لاصطحابه؟" وصلت سيرين إلى النادي، لتسمع ضجيج الهتافات والسخرية العالية من الورثة الأثرياء داخل الغرفة الخاصة. "ظافر، ألم تقل إنك عدت لتستعيد دينا العزيزة بين ذراعيك؟ هذه فرصتك الآن... هيا، أخبرها بما تشعر به!" كانت دينا، المرأة الجميلة ذات الشعبية الطاغية، محاطة بالإعجاب أينما ذهبت. حب ظافر الأول، لذلك كان الأثرياء الشباب من الطبقة العليا يهللون لها ولظافر. دينا لم تتردد، نظرت إلى ظافر بعينين لامعتين وقالت بصراحة: "أنا معجبة بك يا ظافر. أرجوك كن معي مرة أخرى." كان قلب سيرين يتقلص من الألم، ترى حب ظافر يتجدد أمام عينيها، وتشعر بالعجز والضعف يغمرانها وكأن كل قطرة مطر في تلك الليلة تعزف على أوتار قلبها المرهف. هذا ما وصل إلي أُذني سيرين عندما وقفت عند باب الغرفة الخاصة. داخل الغرفة، كان الجميع يضغطون على ظافر ليجيب دينا، وكان طارق، صديقه المقرب، هو الأكثر صراحة بينهم. "ظافر، لقد انتظرت دينا ثلاث سنوات... ها هي عادت الآن... لذا، هيا، أجبها!" تجمدت سيرين في مكانها خارج الباب، قلبها ينبض بعنف. وفي تلك اللحظة، فتح أحد الرجال الباب. "السيدة نصران؟"الفصل 678قال زكريا متجاوزًا الضجيج من حوله:"يا جماعة، اهدأوا من فضلكم. انظروا إلى الطريقة التي سقط بها. وقارنوها بسقوطه الأول."ما إن أنهى كلماته حتى خيّمت الدهشة على وجوه الحشد.تبادل الجميع النظرات في حيرة، محاولين فهم الفرق الذي يتحدث عنه.بينما وبختْه مارلين بغضب:"يا لك من وغد صغير! لقد دفعت ابني، والآن تسخر منه أيضًا؟ سأعلمك درسًا!""إياكِ أن تفعليها!"، انطلقت صرخة سيرين في الحال؛ فما إن سمعت كلمات زكريا حتى فهمت فورًا سبب دفعه لمالك.توقفت مارلين وما إن التقت بنظرات سيرين حتى ترددت ولم تجرؤ على القيام بأي حركة متهورة.أما بقية الحاضرين، فلم يتمكنوا من رؤية أي فرق واضح، فسأل أحدهم:"هل هناك شيء مختلف فعلًا؟"وفجأة، أشارت فتاة صغيرة إلى الأمر وقالت:"أمي، أبي، انظرا! لقد سقط مالك على وجهه في المرة الأولى، لكنه الآن هو مستلقٍ على ظهره."بمجرد أن قالت ذلك انتبه الجميع إلى الفرق.بعد سقوطه الأول كان الجزء الأمامي من جسد مالك مغطى بالطين، أما الآن فقد كان ظهره هو الملطخ به.لكن ما أهمية ذلك؟ضحك أحدهم وقال:"زكريا مشاغب للغاية. جعله يسقط على وجهه في المرة الأولى، ثم جعله يسقط على ظ
الفصل 677 اتسعت عينا نوح دهشةً عندما رأى مالك يندفع نحوه، متصنعًا أنه فقد توازنه تمامًا ولم يعد قادرًا على تغيير اتجاهه. وفي اللحظة المناسبة، تحرك زكريا بسرعة، وجذب نوح إلى الخلف، لينقذه من الاصطدام. مرّ مالك بمحاذاة نوح، وكاد أن يصطدم به فعلًا لولا زكريا ثم فقد توازنه وانزلق على الأرض، ليسقط بقوة وسط صوت ارتطام واضح. وانفجر الصبي في البكاء. أسرعت مارلين نحوه، وانحنت لتساعده وهي تسأله بقلق: "عزيزي، هل أنت بخير؟" وفي الجهة الأخرى، تقدمت سيرين بسرعة نحو نوح. وما إن رأته سالمًا، وزكريا يقف إلى جواره ويحميه، حتى زفرت براحة. لكن نوح لم يبدُ مرتاحًا. كان الغضب قد حلّ محل الدهشة في عينيه، وأخذ يحدق في مالك بنظرة باردة بينما ظل الأخير ينتحب على الأرض. كان نوح يعرف جيدًا أن مالك تعمد الاندفاع نحوه، وأنه كان ينوي إلحاق الضرر به. ساعدت مارلين ابنها على النهوض، ثم استدارت فجأة، ووجهت نظرة حادة إلى زكريا ونوح. قالت بلهجة اتهام صريحة: "لماذا دفعتما مالك؟" عقدت سيرين حاجبيها، وردت فورًا: "مارلين، متى دفع ابنيّ مالك؟ لقد اندفع مالك بنفسه نحو نوح وكاد يصطدم به، ثم فقد تواز
الفصل 676بعد انتهاء مراسم التأبين، كان من المقرر أن تتوجه العائلة إلى مقابر أجدادهم.لكن مالك، الذي شعر بالإحراج أمام الجميع بسبب زكريا، كان منشغلًا طوال الطريق بالتفكير في طريقة ينتقم بها منه.وفي الطريق إلى المقبرة، مالت مارلين نحوه وقالت بنبرة حازمة:"مالك، عليك أن تترك انطباعًا جيدًا لدى جدك الأكبر. عندها فقط لن يكون لهذين الوغدين أي فرصة أمامك. هل تفهم؟"أومأ مالك برأسه بقوة، وقد عقد العزم بالفعل على تنفيذ كلماتها."أمي، لا تقلقي. لن أدعهما يستغلانني.""جيد."ربتت مارلين على رأسه برضا، ثم خفضت صوتها وأضافت:"وتذكر أيضًا أن تختار الهدف الأسهل. نوح مريض، أليس كذلك؟ استهدفه أولًا.""أفهم يا أمي."رغم صغر سن مالك، كان حديث والدته قد ترك أثره فيه. فقد أصبح قاسيًا وعديم الرحمة تحت تأثير تعاليمها.وعندما وصلت العائلة إلى مقابر عائلة نصران ترجل الجميع من سياراتهم.بينما أشارت مارلين إلى مالك وقالت:"اذهب وابحث عن عدنان."غادر مالك على الفور.وما إن ابتعد حتى اقتربت زوي من مارلين."مارلين."التفتت إليها مارلين وأومأت برأسها، ثم قالت ببرود:"أنتِ حامل، ويجب أن تستريحي. ماذا تفعلين هنا؟"أ
الفصل 675حين التقت عينا مالك بنظرة زكريا الجليدية، ارتبك للحظة، وتلاشى الغرور الذي كان يملأ ملامحه. تمتم متلعثمًا:"أنا... أنا لم أقل شيئًا."كان واثقًا من أن زكريا لن يجرؤ على مد يده عليه أمام هذا العدد الكبير من الناس.لكن نوح أمسك بيد أخيه وشدّ عليها، ثم قال بوضوح:"زكريا، لقد وصفنا بالأوغاد."لمعت في عيني زكريا نظرة باردة، وتخلّى في تلك اللحظة عن كل مظاهر التظاهر بالغباء. ثم استقام بهدوء، وبدأ يحيّي أقاربه واحدًا تلو الآخر بأسمائهم أمام عدنان مباشرة.وكان زايدن ومارلين أقرب أفراد العائلة إليه، فبدأ بهما:"العم زايدن. العمة مارلين."ثم واصل تحية الجميع ببراعة، مناديًا كل شخص باسمه وعلاقته العائلية.كانت عائلة نصران تضم عددًا كبيرًا من الأقارب، واستغرق زكريا قرابة نصف ساعة حتى انتهى من تحية كل واحد منهم. والمثير للدهشة أنه لم يخطئ ولو مرة واحدة.ساد الذهول بين الحاضرين.كانت تلك المرة الأولى التي يلتقي فيها الصبي بمعظمهم، ومع ذلك تمكن من حفظ وجوههم وأسمائهم بهذه السرعة، وكأن ذاكرته التقطت كل تفاصيلهم في لحظة واحدة. كانت ذاكرته حادة إلى درجة مذهلة.وحين انتهى زكريا من تحية جميع الأق
الفصل 674عند سماع ذلك التعليق، أمعن الحاضرون النظر في ظافر والطفلين. كان التشابه بينهم لافتًا، ولا سيما عيونهم؛ داكنة وعميقة، آسرة ببريقها كأنها جواهر ثمينة.لكن انتباه بعض النساء اتجه إلى الندبة الطويلة الممتدة على وجه سيرين، فلم يستطعن كبح فضولهن.قالت إحداهن وهي تتأمل وجهها:"ماذا حدث لوجه سيرين؟ إنها ندبة طويلة جدًا. لماذا لم تفكر في إجراء عملية لإزالتها؟"لم تكن سيرين قد فكرت يومًا في التخلص من ندبتها. أرادتها أن تبقى تذكارًا دائمًا، تراه كل صباح حين تقف أمام المرآة، حتى لا تنسى أبدًا من آذى زكريا وتسبب في تشويه وجهها.كانت مصممة على أن تتذكر ذلك الألم، وأن تتعهد لنفسها بألا تسمح بتكرار مثل هذه المخاطر مرة أخرى. والأهم من ذلك، أرادت أن تكون الندبة دافعًا لها لتصبح أقوى، حتى لا تتعرض هي أو طفليها للتنمر أو الأذى مرة أخرى في المستقبل.جلس عدنان على رأس المائدة، وإلى جواره مالك كعادته، متخذًا وضعية تنم عن غروره وثقته بنفسه. وما إن يلمح أطفال الفروع الأخرى للعائلة مالك حتى يبتعدوا عنه تلقائيًا، خشية أن يثيروا غضبه. ففي النهاية، كان مالك هو المفضل لدى عدنان.وفجأة، وقعت عينا عدنان عل
الفصل 673عندها فقط استعادت شادية وعيها بالموقف، فأمرت الخدم على الفور بتقديم الأطباق.وبمجرد أن وُضع العشاء أمام الجميع، سارعت شادية، التي كانت حريصة على إثبات مدى اهتمامها بسيرين، إلى تقديم الطعام لها بنفسها.— سيرين، أنتِ حامل بتوأم. تفضلي، كلي.توقفت سيرين لحظة، ونظرت إليها باستغراب. كان هذا التغير المفاجئ في سلوك شادية يثير في داخلها قدرًا كبيرًا من الريبة.بعد انتهاء العشاء، صعد أفراد العائلة إلى الجناح الخاص بظافر استعدادًا للنوم.وبعد أن وضع ظافر الطفلين في سريريهما، اصطحب سيرين إلى غرفتهما.استلقت إلى جواره، لكنها لم تستطع التخلص من الشعور الغريب الذي راودها طوال المساء، فسألته:— لماذا أشعر أن والدتك تتصرف بغرابة اليوم؟ضمها ظافر إليه، وبدا أنه يعرف تمامًا ما الذي يدور في ذهن والدته.— لا يوجد شيء غريب. إنها ببساطة تحاول كسب ود نوح وزكريا.اتسعت عينا سيرين قليلًا بعدما فهمت الأمر أخيرًا.— إذن هكذا هي الأمور... كنت أتساءل لماذا... همم...لم تُكمل جملتها.فقد مال ظافر نحوها فجأة، وأغلق شفتيها بقبلة أربكت أفكارها. كانت قبلته شغوفة وجامحة، لكنها لم تخلُ من لمسات حانية جعلتها تس
الفصل الثالث كان صوت سيرين هادئًا، خاليًا من أي مشاعر. انقبضت حدقة عين ظافر، وتوتر صوته: "ماذا قلتِ للتو؟" على مدى السنوات الثلاث الماضية، ورغم كل ما فعله، لم تلمح سيرين يومًا إلى الطلاق. كان ظافر يدرك في أعماقه أن سيرين تحبه بل تعشقه... لكن الآن، كانت عيناها اللتان اعتاد أن يرى بهما لمعة
الفصل الثاني نظر الجميع في الغرفة الخاصة نحو الباب، وغمر المكان صمت ثقيل... الأعين جميعها تتأمل ما سيحدث بعد تلك اللحظة المشحونة بالتوتر. كانت سيرين أول من رأت ظافر الذي يقف في وسط الغرفة، وعيناه متوهجتان بنقاء وصفاء وشعاع من الأمل يلمع فيهما، الأمر الذي بدا غريبًا مقارنة بما كان يُعتقد، وما كا
الفصل الخامس. تابعت سيرين الأخبار وشاهدت المؤتمر الصحفي الذي عقدته مجموعة نصران... كان المؤتمر إعلانًا عن نجاح ظافر في الاستحواذ على مجموعة تهامي... ابتسمت سيرين بحزن فالآن لم تعد شركة جمال التهامي موجودة في هذا العالم... وأخذت تردد بينها وبين حالها بأن الأمور في نهاية المطاف قد أصبحت أكثر متعة با
الفصل الرابع حتى سماعات الأذن خاصة سيرين كانت ملطخة باللون الأحمر، مما أثار في نفسها موجة من القلق والانزعاج. انقبضت حدقتا عينيها، وسرعان ما أمسكت ببعض المناديل الورقية لتجفف أذنيها، ثم خلعت ملاءات السرير وغسلتها بعناية فائقة.كانت خشيتها من أن تقلق فاطمة إذا اكتشفت أن حالتها الصحية تتدهور، فبادر