Mag-log in
الفصل1
تناثرت حبات المطر الغزيرة كدموعٍ ترفض أن تهدأ فارتفعت رائحة التراب المبتل ممتزجة بشعورٍ باردٍ يتسلل إلى العظام. عند مدخل المشفى، وقفت سيرين كتمثال نُحت من ألمٍ وصمت. جسدها النحيل يهتز ارتجافًا، ليس فقط من البرد الذي يطارد أطرافها، ولكن من زلزال داخلي يمزق قلبها... تمسك بيديها المرتعشتين ورقة التقرير. أخذت عيناها تحدق في الكلمات المطبوعة بجمودٍ بارد، كلمات تخلو من أي رحمة أشبه بسكين مغروسة في صدر الأمل: **"لم يتم اكتشاف أي حمل."** شعرت للحظة وكأن الأرض تنزلق من تحت قدميها، وكأن الهواء المحيط بها قد قرر أن يحجب عنها أنفاس الحياة. "لقد تزوجتِ منذ ثلاث سنوات، كيف لم تصبحي حاملاً بعد؟" سألتها والدتها سارة بنبرة مشوبة بالخيبة، وهي تشير بإصبعها إلى وجه سيرين. كانت سارة سيدة أرستقراطية، ترتدي ملابس فاخرة وكعبًا عاليًا، تعلو ملامح وجهها ابتسامة جليدية مستفزة تبرز كماً من التعالي والبرود، واستكملت بتهكمٍ: "لماذا أنت عديمة الفائدة إلى هذا الحد؟ إذا لم تحملي قريبًا، فسوف يطردك آل نصران من العائلة... ماذا سيحدث لعائلتنا إذاً؟" رمقتها سيرين بنظرة فارغة، كان لديها الكثير لتقوله، لكن الكلمات ظلت عالقة في حلقها. في النهاية، لم تستطع سيرين سوى أن تهمس: "أنا آسفة". ردت سارة بجفاء: "لا أريدك أن تتأسفي… أريدك أن تلدي طفل ظافر. هل تفهمين ما أقول؟" شعرت سيرين بضيق شديد في حلقها، ولم تعرف كيف ترد على سارة. خلال سنوات زواجها الثلاث، لم يمارس زوجها ظافر نصران أي علاقة جنسية معها مطلقًا. كيف يمكنها أن تنجب طفله؟ حملقت سيرين بسارة، تلمح التناقض الشديد بين ضعفها وبين تعجرف والدتها. وأخيرًا، قالت سارة ببرود قبل أن تغادر: "إذا لم تتمكني حقًا من منحه طفلًا، فابحثي له عن امرأة تستطيع فعل ذلك... على الأقل سيقدر لكِ هذا". حدقت سيرين في أثر سارة المنسحبة بعدم تصديق. هل أخبرتها والدتها للتو أن تبحث عن امرأة أخرى كي ينام معها زوجها؟ كان قلب الأم باردًا مثل المطر المتجمد... عن أي أم نتحدث، إنها الخذلان في أحقر صوره! بينما كانت سيرين في طريقها إلى المنزل، لم تستطع التوقف عن التفكير في كلمات سارة الوداعية. فجأة، غزى أفكارها رنين عالٍ يضج في أذنيها، فأدركت أن حالتها قد ساءت. وفي تلك اللحظة، تلقت رسالة على هاتفها. كانت الرسالة من ظافر، تحمل في طياتها نفس الكلمات الباردة المعتادة: "لن أعود إلى المنزل الليلة". على مدار السنوات الثلاث الماضية من زواجهما، لم يقضِ ظافر ليلة واحدة في المنزل، ولم يلمس سيرين قط... كانت مجرد شبحٍ في حياته. تذكرت سيرين ليلة زفافهما، حين قال لها ببرودٍ قاسٍ: "بما أن عائلتك جريئة بما يكفي لخداعي وإقناعي بالزواج منكِ، فمن الأفضل أن تكوني مستعدة لقضاء بقية حياتك في عزلة". كانت تعيش في قمة الخيبة، زواج مع إيقاف التنفيذ! قبل ثلاث سنوات، قررت عائلتا تهامي ونصران تشكيل تحالف من خلال الزواج... كان الاتفاق مُبرمًا على شروط تفيد كلا العائلتين. ولكن عندما جاء يوم الزفاف، تراجعت عائلة تهامي عن وعدها ونقلت كل أصولها، بما في ذلك الملايين من الدولارات التي دفعها ظافر للزواج من سيرين. تلاشت عينا سيرين عند تذكرها لهذا الأمر المؤلم... وردت على رسالة ظافر النصية بإجابتها المعتادة: "حسنًا". كانت الكلمة تحمل في طياتها كل الاستسلام والخضوع الذي عشّش في قلبها. ودون أن تدرك، انكمشت تقارير الحمل التي كانت تحملها بين يديها، فتمزقت بعض الشيء بفعل قبضتها المشدودة. شعرت سيرين وكأن حياتها تمزقت كما الأوراق التي بين قبضتيها، ومع كل تمزق كان أملها في الحياة يتلاشى أكثر. تحملت سيرين سنوات من الوحدة والبرود، عانت العزلة القاسية والقهر الصامت. لكن رغم كل ذلك، كانت تأمل في معجزة تغير مسار حياتها وتعيد إليها البسمة والدفء. كل شهر، في هذا الوقت، تشعر سيرين بخمول غير عادي، ولم تكلف نفسها عناء تجهيز العشاء، بل كانت تتكئ على الأريكة، تغفو من حين لآخر. ظل الطنين في أذنها مستمرًا، ليذكرها بضعف سمعها الذي كان سببًا آخر لكراهية ظافر لها. في الساعة الخامسة صباحًا، رنت ساعة البندول على الحائط بصوت خافت، فأدركت سيرين متأخرة أنها نامت على الأريكة، لذا نهضت مسرعة وذهبت إلى المطبخ لإعداد إفطار ظافر. كان ظافر رجلاً دقيقًا وصارمًا بشأن الالتزام بالمواعيد، ليس فقط مع نفسه ولكن أيضًا مع من حوله، وكالمعتاد وصل إلى المنزل في تمام الساعة السادسة تمامًا. ظافر، الرجل الطويل الوسيم ذو البدلة الأنيقة، كان يتسم بسلوك هادئ ومتحفظ، ولكنه بلا شك كان رجوليًا.. ومع ذلك، بالنسبة إلى سيرين، كان باردًا وبعيدًا. لم ينظر حتى إليها... مر بجانبها مباشرة، وهو ينظر إلى الطعام على الطاولة وقال بسخرية: "أنتِ تفعلين هذا كل يوم... هل أنت مربية أم ماذا؟" على مدى السنوات الثلاث الماضية، كانت سيرين تعيش في دوامة متكررة... ترتدي نفس الملابس الداكنة، وترد على رسائله بنفس الكلمة المفردة. حياتها لم تكن سوى مجرد انعكاس باهت لرغباته وأوامره بلا أي بصيص من الأمل أو التغيير. لو لم يكن هناك تحالف تجاري وخداع من عائلة تهامي، لما فكر ظافر في الزواج من امرأة مثل سيرين. عند سماع كلمة "مربية"، عاد الطنين في أذني سيرين التي ابتلعت بصعوبة، وشعرت بغصة في حلقها، ثم قالت بشجاعة: "ظافر، هل لديك شخص تحبه؟" تفاجأ ظافر بسؤالها، فأظلمت عيناه: "ماذا تقصدين بذلك؟" رفعت سيرين رأسها وحدقت في عينيه، تحاول ابتلاع الصفراء التي تتصاعد في مؤخرة حلقها. "إذا كنت تحب امرأة أخرى، يمكنك أن تكون معها" قبل أن تتمكن من إنهاء كلامها، قاطعها ظافر بحدة: "أنت مجنونة". بعد مغادرة ظافر، جلست سيرين على الشرفة بمفردها، تنظر إلى المطر البارد... صوت قطرات المطر يتسلل إلى عالمها المختنق بالصمت. خلعت سماعات الأذن، مما جعل العالم يغرق في السكون القاسي. قبل شهر، أخبرها طبيبها: "سيدة سيرين تهامي، هناك تغير مرضي في أعصابك السمعية وبعض الأعصاب القحفية، مما تسبب في تدهور سمعك... وإذا استمر هذا التغير، فقد تفقدين سمعك تمامًا". ولأنها لم تعتد على عالم صامت، توجهت سيرين إلى غرفة المعيشة وشغلت التلفاز... ثم رفعت مستوى الصوت إلى الحد الأقصى، مما سمح لها بسماع بعض الأصوات المشتتة. بالمصادفة، كان التلفزيون يعرض مقابلة مع دينا، المطربة المشهورة بأغانيها العاطفية. جلست سيرين في محاولة للبحث عن بصيص من الراحة في كلمات وألحان أغانيها، متمنية أن تجد في تلك النغمات ما ينقذ قلبها من براثن الوحدة. ارتجفت يدا سيرين وهي تمسك بجهاز التحكم عن بعد، وكأنها تمسك على مشاعرها الجياشة. دينا كانت الحب الأول لظافر، وأول من شغف قلبه... لم ترها سيرين منذ زمن، لكنها لم تتغير. دينا ما زالت تحتفظ بجمالها وثقتها، تقف أمام الكاميرات بكامل أناقتها، مختلفة تمامًا عن تلك الفتاة الخجولة التي توسلت لعائلة تهامي لرعايتها. عندما سألها المحاور عن سبب عودتها إلى الوطن، ردت بشجاعة: "عدت لأستعيد حبي الأول." انزلقت من بين يدي سيرين جهاز التحكم عن بعد، وكأن قلبها هو الآخر هبط إلى قاع معدتها. ازداد هطول المطر في الخارج كثافة، وكأنه يعكس اضطراب مشاعرها. أغلقت سيرين التلفاز في حالة من الارتباك، واتجهت لتنظيف بقايا الفطور. وعندما وصلت إلى المطبخ، اكتشفت أن ظافر قد نسي هاتفه. التقطته بيديها المرتجفتين، وبدأت تطالع الرسائل غير المقروءة على شاشة القفل. "ظافر، لا بد أنك كنت تعاني في السنوات الماضية، أليس كذلك؟" "أعلم أنك لا تحبها. ماذا لو التقينا الليلة؟ لقد اشتقت إليك كثيرًا." ظلّت سيرين تحدق في الرسائل بلا تعبير، حتى أصبحت الشاشة مظلمة مجددًا. طلبت سيارة أجرة إلى مكتب ظافر، وفي الطريق كانت تحدق عبر النافذة. المطر ينهمر بغزارة وكأنه يرفض التوقف، يعكس تمامًا حالتها النفسية المتردية. لم يكن ظافر يحب زيارة سيرين له في المكتب، لذلك اعتادت على أخذ المصعد الخدمي من منطقة التحميل. عندما رآها مساعد ظافر، ويدعى ماهر الذي استقبلها ببرود قائلاً: "السيدة سيرين". لم يُعاملها أحد في محيط ظافر كزوجة له، بل كانت مجرد عبء ثقيل على سمعته. عندما رآها ظافر تحمل له هاتفه، عبس وجهه بتجهم. "ألم أخبرك ألا تحضري أغراضي بنفسك؟" تجمدت سيرين في مكانها، معتذرة بصوت مرتجف: "آسفة، نسيت." منذ متى أصبحت ذاكرتها سيئة إلى هذا الحد؟ ربما أصابها الذعر بعد رؤية رسالة دينا، وأصبحت تخشى أن يختفي ظافر من حياتها فجأة. قبل أن تغادر، نظرت إلى ظافر بتوسل غير معلن... ولم تستطع أن تقاوم، فسألت بصوت متهدج: "ظافر، هل ما زلت تحب دينا؟" اعتقد ظافر أن سيرين تتصرف بغرابة في الآونة الأخيرة، نسيانها المتكرر وأسئلتها الغريبة أثار استغرابه... كيف لشخصية مثلها أن تكون زوجته؟ فأجابها بحدة غير مبالي: "إذا كان لديكِ وقت فراغ، اذهبي وابحثي عن شيء يشغلك." كانت سيرين قد حاولت من قبل العثور على وظيفة، لكنها اصطدمت بجدار الرفض من والدة ظافر، "شادية" ، التي وبختها دون رحمة: "هل تريدين أن يعرف الجميع أن ظافر تزوج امرأة تعاني من مشاكل في السمع؟" تخلت سيرين عن فكرة العمل، وركزت على حياتها الباهتة كـ"السيدة نصران"، تعيش في ظلال الوحدة والصمت. جلست في المنزل وحيدة حتى حلول الليل، والأرق يلتهمها من الداخل. رن الهاتف بجانب سريرها، وكان اتصالاً من رقم غير مألوف. ردت على المكالمة بصوت مهتز، وجاءها صوت مألوف تخشى سماعه: "هل هذه سيرين؟ ظافر مخمور. هل يمكنك أن تأتي لاصطحابه؟" وصلت سيرين إلى النادي، لتسمع ضجيج الهتافات والسخرية العالية من الورثة الأثرياء داخل الغرفة الخاصة. "ظافر، ألم تقل إنك عدت لتستعيد دينا العزيزة بين ذراعيك؟ هذه فرصتك الآن... هيا، أخبرها بما تشعر به!" كانت دينا، المرأة الجميلة ذات الشعبية الطاغية، محاطة بالإعجاب أينما ذهبت. حب ظافر الأول، لذلك كان الأثرياء الشباب من الطبقة العليا يهللون لها ولظافر. دينا لم تتردد، نظرت إلى ظافر بعينين لامعتين وقالت بصراحة: "أنا معجبة بك يا ظافر. أرجوك كن معي مرة أخرى." كان قلب سيرين يتقلص من الألم، ترى حب ظافر يتجدد أمام عينيها، وتشعر بالعجز والضعف يغمرانها وكأن كل قطرة مطر في تلك الليلة تعزف على أوتار قلبها المرهف. هذا ما وصل إلي أُذني سيرين عندما وقفت عند باب الغرفة الخاصة. داخل الغرفة، كان الجميع يضغطون على ظافر ليجيب دينا، وكان طارق، صديقه المقرب، هو الأكثر صراحة بينهم. "ظافر، لقد انتظرت دينا ثلاث سنوات... ها هي عادت الآن... لذا، هيا، أجبها!" تجمدت سيرين في مكانها خارج الباب، قلبها ينبض بعنف. وفي تلك اللحظة، فتح أحد الرجال الباب. "السيدة نصران؟"الفصل 750«كم شربت؟» سألت سيرين وهي تعقد حاجبيها، وقد نفدت قدرتها على استيعاب تصرفاته المتقلبة.لم يُجب ظافر. اكتفى بالعبث بعقدة ربطة عنقه، وأخذت أصابعه النحيلة تفكها ببطء قبل أن يرفع رأسه قليلًا ويسألها بلهجة خالية من الاكتراث:«أليس من المفترض أن تعيديني إلى المنزل؟»توقفت سيرين عن الحركة، وحدقت فيه بدهشة.كانت تظن أنه طلب منها البقاء لأنه أراد مواجهة ما حدث بينهما، أو ربما لأنه كان ينوي توجيه كلمات قاسية إليها. لكنها لم تتوقع أن يكون كل ما يريده هو العودة إلى المنزل.ترددت للحظة، ثم مدت يدها وأمسكت بمعصمه برفق.«هيا بنا».نهض ظافر دون اعتراض، ولم يثر أي ضجة هذه المرة. اكتفى باتباعها، مسترشدًا بيدها التي أحاطت بمعصمه، حتى خرجا من غرفة كبار الشخصيات.وما إن ظهرا في النادي حتى استرعت هيئتهما انتباه عدد من الزبائن. تناقلت النساء النظرات، وبدأت الهمسات تتصاعد من حولهما.«من هذا الرجل؟ إنه وسيم للغاية!»«هل هو عارض الأزياء الجديد؟ انظرن إلى بنيته الجسدية! إنه يتمتع بجسم رائع».تلاحقت التعليقات بإعجاب واضح، بينما راحت بعض النساء يتأملن ظافر بفضول، محاولات تخمين هويته.ثم انتقلت إحدى الهمس
الفصل 749ما إن سكت طارق حتى قطعت سيرين الصمت قائلة بنبرة هادئة، وقد بدأت تفقد صبرها:«إذا لم يكن هناك شيء آخر، فسأنهي المكالمة».«لا، انتظري!» أسرع طارق في مقاطعتها،. «أرجوكِ، تعالي إلى هنا. لدي شعور بأن ظافر سيستمع إليكِ».لم يكن يعرف على وجه الدقة من أين جاءه ذلك الشعور، لكنه كان أمله الوحيد في إخراج ظافر من تلك الحالة.ترددت سيرين. كان الرفض على طرف لسانها، إلا أنها لم تستطع تجاهل رجاء طارق تمامًا.«حسنًا، لكن تذكّر أنني حامل. إذا فقد ظافر وعيه من كثرة الشرب، فلن أتمكن من مساعدته في الوصول إلى السيارة».«لا تقلقي بشأن ذلك. أنا وكونتين سنتولى الأمر. كل ما أريده منكِ هو أن تمنعيه من مواصلة الشرب»، أكد طارق على عجل، متشبثًا بالأمل الذي لاح له أخيرًا.أومأت سيرين برأسها، رغم أنه لم يكن يراها.«حسنًا، سأكون هناك الآن».وبعد وقت قصير، أوصلها السائق إلى نادي رويال. وما إن وصلت حتى استقلت المصعد المخصص الذي نقلها مباشرة إلى غرفة كبار الشخصيات.دفعت الباب ودخلت.كان ظافر جالسًا على الأريكة، يحتسي الكحول ببرود، بينما جلس طارق وكونتين على جانبيه. بدا الرجلان عاجزين تمامًا عن إيقافه؛ فلم تكن
الفصل 748كان نوح يعلم في قرارة نفسه أنه تسرّع في اقتراحه، وأنه ما كان ينبغي له أن يقول ذلك، مهما بلغ خوفه على أمه. فهو يعرف سيرين جيدًا، ويعرف أنها لن تتخلى عن ظافر لمجرد أنه فقد ذاكرته أو أصبح مريضًا.خفض رأسه قليلًا، ثم رفعه نحوها وقال بصوت خافت:«أنا آسف يا أمي، لقد كنت مخطئًا».ربتت سيرين على ظهره برفق، وقد لانت ملامحها قليلًا.«جيد».لكن نوح لم يبدُ مقتنعًا تمامًا. ظل العبوس مرتسمًا على وجهه الصغير، فقد كان يدرك منذ وقت طويل حجم المعاناة التي تحملتها أمه، ويرى أنها تستحق السعادة أكثر من أي شخص آخر. وفي نظره، كانت سيرين أهم بكثير من ظافر، مهما كان الأخير أباه.وبدلًا من مواصلة النقاش، رفع رأسه وقال:«أمي، هيا بنا نتناول الطعام».ابتسمت سيرين ابتسامة خفيفة.«حسنًا».في الطابق السفلي، جلس ظافر منتصبًا إلى مائدة الطعام، يتناول وجبته بأناقة وهدوء، محافظًا على وقاره المعتاد رغم الظلام الذي يحيط به. كانت حركاته محسوبة، وأصابعه تتعامل مع أدوات المائدة بثقة اكتسبها من اعتياده على فقدان بصره، فلم يكن بحاجة إلى رؤية ما أمامه ليعرف موضع طبقه أو كأسه.وما إن التقط أذناه وقع خطوات سيرين ونوح
الفصل 747ظلّت عينا ظافر مغمضتين، بينما استقر صوته الهادئ والحازم في أرجاء الغرفة:«تفضّل بالدخول».فتح ماهر الباب ودخل، ثم ألقى نظرة سريعة على الساعة قبل أن يتقدم نحوه.«أتمنى ألا أكون قد أزعجتك يا سيدي. إنها الخامسة تقريبًا، وقد وعدتَ باصطحاب نوح من المدرسة».انعقد حاجبا ظافر قليلًا، وبدا الارتباك في نبرة صوته وهو يردد الاسم:«نوح؟ من؟»توقف ماهر في مكانه، كما لو أن الكلمات قد أصابته بالشلل. لم يحتج إلى مزيد من الأسئلة ليدرك ما حدث؛ لقد نسي السيد نصران ابنه مرة أخرى!ابتلع ريقه، ثم اقترب بحذر، محاولًا التأكد من الأمر قبل أن يتسرع في أي استنتاج.«سيد ظافر، هل تسمح لي بسؤال؟ ما العام الذي نحن فيه الآن؟»قطّب ظافر حاجبيه، وارتسم الانزعاج على ملامحه.«ماهر، هل أصبحت كسولًا إلى هذا الحد في الآونة الأخيرة؟ هل جهّزت تذاكر دابرين؟ ما زلنا بحاجة إلى مناقشة مسألة الشريحة الأساسية».لم يجب ماهر. بل شعر ببرودة تسري في أطرافه وهو يستمع إلى حديث سيده عن أمور تعود إلى زمن بعيد. في تلك اللحظة، فتح ظافر عينيه واستعد للنهوض، لكنه لم يجد أمامه سوى ظلام مطبق.تصلّب جسده فجأة، وارتفعت يده أمام وجهه تتح
الفصل 746عادةً ما تقف الابنة إلى جانب أمها حين تتعرض للخيانة، وتثور غضبًا دفاعًا عنها، لكن رد فعل زوي جاء على النقيض تمامًا. فعندما علمت أن ياندل على علاقة بامرأة أخرى، لم تبدُ عليها أي علامات للصدمة، كما لو أن الأمر لم يكن مفاجأة تستحق الاهتمام.حدقت سارة في ابنتها، تنتظر منها كلمة مواساة أو حتى إشارة تدل على أنها تشاركها ألمها، لكن زوي اكتفت بسؤالها ببرود:«أمي، هل استدعيتِني إلى هنا لمجرد الحديث عن هذا الأمر؟»تجمدت سارة للحظة، ثم راحت تتفحص ملامح ابنتها، محاولة اكتشاف ما تخفيه خلف ذلك الهدوء المستفز.«زوي... هل كنتِ تعلمين بهذا الأمر طوال الوقت؟»لم تؤكد زوي شكوكها، ولم تنفها. بل ارتسمت على شفتيها ابتسامة ماكرة، وقالت بلهجة بدت أقرب إلى التذكير بحقيقة قديمة منها إلى الإجابة عن سؤال:«أليس من الطبيعي أن تكون للرجال أمثال أبي عشيقات؟ يبدو أنكِ نسيتِ شيئًا يا أمي. عندما كان أبي مع جيما، ألم تكوني تلتقين به سرًا من وراء ظهورنا؟»كانت كلماتها كصفعة أخرى تلقتها سارة، لكن هذه المرة من ابنتها.اتسعت عيناها، وشحب وجهها للحظة، قبل أن تشتعل ملامحها بالغضب.«ماذا تقولين؟! هل أنتِ ابنتي حقًا؟
الفصل 745بعد انتظار بدا لها بلا نهاية، تمكنت سارة أخيرًا من إيقاف سيارة أجرة، ثم أعطت السائق عنوان قصر عائلة ياندل.كانت في حاجة إلى العودة إلى المنزل، إلى المكان الذي ظنت طويلًا أنه ملاذها الآمن، وإلى الرجل الذي منحته ثقتها وقلبها وثروة عائلتها بأكملها.حين وصلت السيارة، كانت السماء لا تزال غارقة في ظلام الفجر، ولم تكن خيوط الضوء الأولى قد ظهرت بعد.ساد الهدوء قصر عائلة ياندل على نحو غير معتاد. كان أفراد الأمن وحدهم مستيقظين، بينما لا يزال بقية العاملين غارقين في النوم، غير مدركين أن الساعات القليلة المقبلة ستشهد انهيارًا لم يكن أحد يتوقعه.ترجلت سارة بصعوبة، وقد أنهكها المرض، ثم استخدمت بصمة إصبعها لفتح الباب والدخول بمفردها.لم تستدعِ أحدًا، ولم تُصدر صوتًا. كل ما أرادته هو الوصول إلى غرفة النوم الرئيسية والعثور على ياندل. كانت بحاجة إلى رؤيته، إلى التحدث إليه، وربما إلى سماع كلمة واحدة منه تعيد إليها شيئًا من الطمأنينة التي فقدتها.لكنها ما إن اقتربت من غرفة النوم حتى تجمدت خطواتها.تسلل إلى أذنيها صوت امرأة يأتي من الداخل، مشبعًا بالدلال والمرح.«سيد ياندل، ماذا تفعل في هذا الوق
الفصل الخامس. تابعت سيرين الأخبار وشاهدت المؤتمر الصحفي الذي عقدته مجموعة نصران... كان المؤتمر إعلانًا عن نجاح ظافر في الاستحواذ على مجموعة تهامي... ابتسمت سيرين بحزن فالآن لم تعد شركة جمال التهامي موجودة في هذا العالم... وأخذت تردد بينها وبين حالها بأن الأمور في نهاية المطاف قد أصبحت أكثر متعة با
الفصل الرابع حتى سماعات الأذن خاصة سيرين كانت ملطخة باللون الأحمر، مما أثار في نفسها موجة من القلق والانزعاج. انقبضت حدقتا عينيها، وسرعان ما أمسكت ببعض المناديل الورقية لتجفف أذنيها، ثم خلعت ملاءات السرير وغسلتها بعناية فائقة.كانت خشيتها من أن تقلق فاطمة إذا اكتشفت أن حالتها الصحية تتدهور، فبادر
الفصل الثالث كان صوت سيرين هادئًا، خاليًا من أي مشاعر. انقبضت حدقة عين ظافر، وتوتر صوته: "ماذا قلتِ للتو؟" على مدى السنوات الثلاث الماضية، ورغم كل ما فعله، لم تلمح سيرين يومًا إلى الطلاق. كان ظافر يدرك في أعماقه أن سيرين تحبه بل تعشقه... لكن الآن، كانت عيناها اللتان اعتاد أن يرى بهما لمعة
الفصل الثاني نظر الجميع في الغرفة الخاصة نحو الباب، وغمر المكان صمت ثقيل... الأعين جميعها تتأمل ما سيحدث بعد تلك اللحظة المشحونة بالتوتر. كانت سيرين أول من رأت ظافر الذي يقف في وسط الغرفة، وعيناه متوهجتان بنقاء وصفاء وشعاع من الأمل يلمع فيهما، الأمر الذي بدا غريبًا مقارنة بما كان يُعتقد، وما كا