النهايات المفتوحة عندي دائمًا مثل نافذة تُبقي القصة حيّة في الرأس، و'انصاف القدر' استخدمت هذه النافذة بطريقة ذكية تجعلني أفكر في سبب بقائها بلا غلق واضح.
أول سبب واضح هو أن الموضوع نفسه يدور حول مفاهيم غير نهائية: القدر، العدالة، ال
اختيارات الشخصية والظروف الاجتماعية. عندما تكتب رواية تتعامل مع تداخل الحرية والقدر، فإن نهاية محددة تمامًا قد تبدو متصنعة أو تقصّ على القارئ تفسيرًا واحدًا. ترك النهاية مفتوحة يسمح للقارئ بأن يقرر إلى أي مدى كانت الأحداث نتيجة قرار الأبطال أو سر نتائج كانت مفروضة عليهم. على مستوى سردي، هذا يعطي الرواية مصداقية أكبر لأن الحياة الواقعية نادرًا ما تقدم لنا خاتمة محددة وواضحة؛ كثير من العلاقات والصراعات تبقى معلقة أو تتخذ منحنى آخر بعد الصفحة الأخيرة.
ثانيًا، النهاية المفتوحة تعمل كدعوة للمشاركة الذهنية والعاطفية. الكاتب هنا لا يكتفي بإطعامنا قصة، بل يطلب منا أن نكملها في خيالنا. بعد أن تنتهي قراءة 'انصاف القدر' أجد نفسي أعاود
ترتيب الأحداث، أُعيد النظر في لحظات صغيرة تبدو لاحقًا مفصلية، وأختبر سيناريوهات بديلة: لو اتخذ هذا الشخصية قرارًا مختلفًا، ماذا كان سيحدث؟ هذا النوع من النهاية يخلق نوعًا من الحميمية بين القارئ والنص، لأن كل قرّاء سيخرجون بتفسيرات مختلفة، وكل تفسير يكشف شيئًا عن قيم القارئ نفسه.
من جهة فنية، النهاية المفتوحة تسمح للكاتب بالاحتفاظ بثراء الرموز والمواضيع دون تحجيمها في نتيجة واحدة. الرواية قد تركز على الرمزية والأنماط الدورية، وبالتالي أن تُغلق النهاية بفصل نهائي محدد قد يفرّغ النص من التعدد الدلالي. كما أن النهاية المفتوحة تُحافظ على الإيقاع الأدبي وتُبقي وقع الحكاية مستمراً؛ أحيانًا الكلمة الأخيرة التي تترك أثرًا هي تلك التي لا تُحسم، لأن الشك والاحتمال يبقيان أكثر إثارة من اليقين.
هناك بعد نفسي أيضًا: الكاتب ربما أراد أن يعكس إحساسًا بعدم الكمال أو بعدم الإنصاف في الحياة. عنوان الرواية نفسه 'انصاف القدر' يحمل مفارقة؛ ماذا يعني إنصاف عند الحديث عن قدر لا يملك عدالة بطبيعة الحال؟ ترك النهاية بلا حسم يزعج رغبة القارئ في العدالة الفورية، ويجعلنا نواجه فكرة أن العدالة قد تكون عملية مستمرة وليست نتيجة تُسجل بنقش نهائي. شخصيًا أحب هذا النوع من النهايات لأنها تبقيني مع القصة أيامًا بعد أن أنهيها؛ أحلم بنهايات بديلة، أتحاور مع الشخصيات في رأسي، وأقدّر مدى قدرة الأدب على أن يحفّز التفكير بدل أن يوفّر إجابات جاهزة.
في النهاية، سواء كانت نية الكاتب معرفة سابقة أو أنها خطوة فنية واعية، نهاية 'انصاف القدر' المفتوحة تعمل لصالح الأعمال الأدبية التي تفضّل إضاءة الأسئلة على إعطاء الحلول. تبقى الرواية عندي مساحة للتأويل والتخمين، وهذا يجعلها تستحق العودة والحديث عنها مع آخرين، لأن كل نقاش يكشف زوايا جديدة من النص ويتحاشى الحسم الممل.