LOGIN
في ليالي ديسمبر الباردة، وقفت ريم أمام البوابة الضخمة ذات الطابع الملكي. أخذت نفسا عميقا، وضغطت على مقبض حقيبة السفر حتى كادت أظافرها تغرس في كفّها.
تنفّست الصعداء، ثم فتحت البوابة الثقيلة. استقبلها حارس الفيلا، وأخذ حقيبة سفرها، بينما لحقت به بخطوات هادئة. دخلت إلى الفيلا، فكانت الإضاءة خافتة، وألوان الأثاث غامقة. كانت فيلا فاخرة جدًا، إلا أنها بدت لريم مثل جسدٍ جميل فقد روحه منذ زمن. "آنسة ريم..." قالتها رئيسة الخدم مليكة بابتسامة دافئة: "لقد كبرتِ حقًا... وأصبحتِ شابة جميلة جدًا!" اقتربت ريم منها و احتضنتها، ثم ألقت عليها التحية. كانت مليكة قد تولّت رعاية ريم في فترة طفولتها، وكانت واحدة من الأشخاص القلائل الذين منحوا ريم شعورًا بالأمان. اصطحبتها مليكة إلى غرفة المكتب الخاصة بوالدها إلياس. شكرتها ريم، ثم طرقت الباب ودخلت. رفع إلياس عينيه عن الأوراق أمامه، ونظر إليها للحظات طويلة، وكأنه يحاول أن يرى فيها طفلة الأمس، لا الشابة التي تقف أمامه الآن. ارتسمت ابتسامة جانبية على وجه إلياس، لكنها لم تكن ابتسامة فرح، بل ابتسامة تحمل مرارة سنوات طويلة. "لقد تخلّت عنكِ في النهاية... اختارت حياتها الجديدة وتركتكِ خلفها." توقفت ريم للحظة. كانت تعرف أن والدها يتحدث من مرارة الماضي، لكنها كانت تعرف أيضًا أن الحقيقة لم تكن بهذه البساطة. لم تكن أمها وحدها من اختار الرحيل... فهناك أخطاء لا تُمحى، وقرارات غيّرت حياة الجميع. لم ترغب ريم في العودة إلى الماضي، لذلك غيّرت الحديث قائلة: "أبي... تم قبولي في الجامعة. سأدرس الهندسة المعمارية." ساد الصمت للحظات. رفع إلياس نظره إليها، وتأملها طويلًا. لم يستطع أن يمنع نفسه من ملاحظة الشبه الكبير بينها وبين والدتها... لون شعرها الذهبي، ملامحها الهادئة، ثقتها بنفسها، أناقتها، وحتى الذكاء الذي ظهر في طريقة حديثها. للحظة، لم يرى أمامه ابنته فقط، بل رأى جزءًا من الماضي الذي حاول نسيانه. قال بتعجّب: "منذ طفولتكِ وأنتِ ماهرة في ألعاب التركيب والرسم... كنتِ دائمًا تحبين بناء الأشياء وترتيبها." توقف قليلًا، ثم أضاف بنبرة أكثر هدوءًا: "لكن الهندسة المعمارية تخصص صعب، يحتاج إلى الكثير من الدقة والصبر والدراسة." ابتسمت ريم ابتسامة خفيفة وقالت: "أعرف يا أبي... ولهذا اخترته. أحب الأشياء المعقدة التي تحتاج إلى جهد حتى تصبح جميلة." نظر إليها إلياس بصمت، وكأن كلماتها لمست شيئًا داخله. لم يكن يريد الاعتراف، لكنه شعر للحظة بالفخر بابنته. ساد الصمت في الغرفة، ثم سأل إلياس: "هل جهّزتِ كل شيء للجامعة؟" تفاجأت ريم من سؤاله، فلم تتوقع أن يهتم بتفاصيل حياتها. "نعم... تقريبًا." قال بهدوء: "إذا احتجتِ أي شيء، فأخبري مليكة." لم تستطع ريم منع نفسها من الابتسام. "شكرًا أبي." همّت بالخروج من الغرفة، ثم توقفت عند الباب والتفتت إليه قائلة: "أنا لم أعد إلى هنا لأحمّل أحدًا ذنب الماضي... أريد فقط أن نبدأ من جديد." بقي إلياس صامتًا، يراقبها وهي تخرج. كانت كلماتها تشبه كلمات والدتها كثيرًا... وهذا ما أخافه أكثر مما أراحه. خارج المكتب كانت سارة ملتصقة بالحائط، تحاول التقاط أي كلمة. منذ أن عرفت بعودة ريم إلى الفيلا وهي تشعر أن عودتها ليس صدفة او بسبب زواج والدتها، بل إنها جاءت لتنفيذ خطة ما. لم تكن تثق بها لحظة واحدة. حاولت الاقتراب أكثر، لكن الباب الخشبي السميك المصنوع من خشب البلوط لم يسمح لها إلا بسماع كلمات متقطعة. "...ستبقين هنا..." "...لن أسمح..." عقدت سارة حاجبيها وهمست في نفسها: كنت أعلم ذلك... هذه الفتاة لم تأتِ إلا لتأخذه مني. تريد أن تفسد علاقتي به وتجعله يطردني من حياته. وما إن سمعت صوت الكرسي يُسحب من الداخل، حتى ابتعدت بسرعة ووقفت في نهاية الممر وكأنها كانت تمر بالمصادفة. خرجت ريم من غرفة المكتب، وقلبها يفيض بالأمل في بداية حياة جديدة، غير مدركة أن هناك من كان يراقب كل خطوة تخطوها. أما سارة، فكانت تحدق بها من بعيد، وقد أقسمت في سرها ألا تسمح لها بتنفيذ مخططاتها، مهما كلفها الأمر.انتهى الطلاب من الألعاب، و مازال جو المرح والضحكات يملأ المكان. كانت ريم تشعر بالتعب، فقد بدأ الإرهاق يتسلل إلى جسدها بعد يوم طويل ومليء بالأحداث، حتى إن لين أخبرتها بأنها تشعر بالتعب هي الأخرى. خرجتا معًا من المكان، فاقترب منهما آدم وأخبرهما بأنه سيوصلهما إلى غرفتيهما. ابتسمت ريم وشكرته قائلة: ريم: شكرًا يا آدم، لكن أوصل لين إلى غرفتها فقط. نظر آدم إليها باستغراب بسيط، بينما ابتسمت لين بخجل. ريم: أريدكما أن تستمتعا بالحديث بعيدًا عن وجود طرف ثالث. ضحكت لين وهي تدفعها بخفة من كتفها. ابتسمت ريم ولوّحت لهما بيدها، ثم افترقت عنهما صعدت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها. بدّلت ملابسها سريعًا، ثم ألقت بنفسها على السرير، وأسندت رأسها إلى الوسادة. ساد الهدوء الغرفة، لكن عقلها لم يكن هادئًا على الإطلاق. بدأت تستعيد تفاصيل هذا اليوم؛ ضحكاته، كلماته، ونظراته التي كانت تلاحقها بين الحين والآخر. ابتسمت دون أن تشعر. كان هناك شعور جديد يتسلل إلى قلبها، شعور لم تعتده من قبل. اهتمام مختلف، يأتي من رجل ناضج جعلها تشعر بأنها مرئية ومسموعة، وأن مشاعرها وأفكارها لها قيمة. كل كلمة قال
دخلت ريم إلى القاعة حيث كان زملاؤها مجتمعين. كان صوت الضحكات يملأ أرجاء المكان، والموسيقى تتعالى بين الحين والآخر، بينما انشغل الجميع بالحديث والمرح.اتجهت ريم نحو لين وآدم، وجلست بجانبهما.التفتت إليها لين فورًا وقالت:— أين ذهبتِ؟ لقد بحثنا عنكِ.ابتسمت ريم محاولةً أن تبدو طبيعية:— كنت في الخارج... التقيت بصديق لي.رفعت لين حاجبها، وكأنها لم تقتنع تمامًا بالإجابة، لكنها لم تسأل أكثر.— حسنًا، لم يفُتكِ شيء مهم. لكن يبدو أن هناك بعض الأساتذة سيحضرون حقا الحفل.اقتربت لين منها قليلًا وقالت بحماس:— والأستاذ مجد سيأتي بالطبع.تجمدت ريم للحظة.— كانت تعلم حضوره لكن لا تعلم لماذا اخفت عن لين ذلك—حقا استاذ مجد؟ضحكت لين:— نعم، ومن الغريب أنكِ تسألين! هذا الفندق ملك لعائلته، أليس كذلك؟ من المؤكد أنه سيأتي.اتسعت عينا ريم قليلًا، ونظرت حولها وكأنها تكتشف الأمر للمرة الأولى.حتى هذا الفندق ملك لمجد؟وضعت يدها على جبينها وهي تقول في داخلها:هل هناك مكان واحد أذهب إليه ولا يكون ملكًا لمجد؟لكن سرعان ما تذكرت الساعات القليلة التي قضتها معه.تذكرت حديثهما في السيارة، وضحكاتهما في المطعم، وطر
خرجت ريم ومجد من المصعد واتجها معًا نحو السيارة الخاصة بمجد. كانت سيارة مرسيدس بنز سوداء تقف في مكان قريب من مدخل الفندق. تقدم مجد وفتح لها باب السيارة، فابتسمت له ريم وقالت: — شكرًا لك. صعدت إلى السيارة، ثم أغلق مجد الباب بهدوء واتجه إلى الجهة الأخرى، قبل أن يستقل مقعده خلف عجلة القيادة. ساد الصمت بينهما. كان صوت محرك السيارة الهادئ يكسر سكون المكان، لكن ريم شعرت أن الصمت نفسه يزيد توترها. جلست إلى جانبه وهي تحاول أن تبدو طبيعية، إلا أن أفكارها كانت تسبقها في كل لحظة. وفجأة، رن هاتفها. نظرت إلى الشاشة، وما إن رأت اسم المتصل حتى توترت ملامحها. ابتلعت ريقها، ثم أجابت على الاتصال. — مرحبًا. جاءها صوت والدها من الطرف الآخر، يسألها إن كانت قد وصلت إلى الفندق، وكيف تسير الأمور مع حفل المبيت، وما إذا كانت تحتاج إلى أي شيء. كانت إجابات ريم قصيرة ومقتضبة. — نعم، وصلت. — كل شيء بخير. — لا، لا يوجد شيء. — نعم، سأنتبه لنفسي. ظل مجد يقود بصمت، لكنه كان يستمع دون قصد إلى نبرة صوتها. لاحظ أنها تتحدث بطريقة رسمية أكثر مما اعتاد أن يسمعها منها، وكأنها تختار كل كلمة قبل
سرت قشعريرة خفيفة في جسد ريم، وخفق قلبها تباعًا، حتى شعرت أن نبضاته باتت مسموعة في أذنيها. كان هناك شيء بداخلها يدفعها إلى الاقتراب منه واحتضانه. أرادت أن تشكره، لا أكثر. لكنها، في تلك اللحظة، اعترفت لنفسها بحقيقة حاولت طويلًا إنكارها؛ أنها لم تستطع الابتعاد عنه حتى ليوم واحد. لم تكن تريد منه شيئًا. كانت تريد فقط أن تراه. رفعت عينيها إليه، وحاولت أن تحافظ على ثبات ملامحها، ثم قالت: — أستاذ مجد... ابتسم مجد ابتسامة خفيفة، وكأنه كان ينتظر منها هذه الكلمة. تابعت ريم بنبرة حاولت أن تجعلها عادية: — في الواقع... لم أتوقع حضورك. نظر إليها مجد للحظات، ثم قال بهدوء: — في الحقيقة، أنا لا أحضر حفلات الطلاب عادةً، لكن كان لدي عمل في الفندق اليوم. توقف قليلًا، ثم أضاف وهو ينظر إليها مباشرة: — وأيضًا... هذه المرة كانت الدعوة من شخص خاص. تجمدت ريم للحظة، ولم تعرف ماذا تقول. خفضت عينيها محاولة إخفاء ابتسامتها، بينما تابع مجد بنبرة مختلفة: — وبالمناسبة، أستاذ مجد هذه فقط في الجامعة. رفعت ريم عينيها إليه باستغراب. — ماذا تقصد؟ اقترب منها خطوة، ثم قال بابتسامة هادئة:
في اليوم التالي، ارتدت ريم ملابسها استعدادًا لقضاء يومها مع زملائها. اختارت إطلالة مريحة وأنيقة في الوقت نفسه؛ كانت ترتدي طقمًا رياضيًا مكوّنًا من قطعتين باللون الوردي الفاتح، يتألف من تيشيرت قصير يصل إلى منطقة السرة بأكمام قصيرة، وبنطال واسع الساق. كانت إطلالتها بسيطة ومناسبة للحركة واللعب، وفي الوقت نفسه حافظت على أناقتها المعتادة. حملت حقيبتها ونزلت إلى الطابق السفلي، حيث وجدت والدها. ودعته ثم توجهت إلى سيارتها، استقلت مقعدها، وانطلقت باتجاه الفندق الذي أُقيم فيه حفل المبيت. وبعد مرور بعض الوقت، بدأت السيارات تتوافد تباعًا إلى الفندق، وبدأت الساحة تمتلئ بأصوات الطلاب وضحكاتهم وحماسهم. كان الجميع يرتدون ملابس مريحة تناسب اللعب والحركة، فقد اتفقوا على أن يكون هذا اليوم مختلفًا عن أي يوم جامعي آخر. لم يكن الهدف مجرد قضاء ليلة في الفندق، بل الاحتفال بأول عطلة لهم منذ دخولهم الجامعة، ولهذا قرروا أن يستغلوا الوقت بالكامل في المرح والسهر، وألا يسمحوا للنوم بأن يفسد أجواء الليلة. كانت الأجواء مليئة بالحماس، والجميع يتحدث عن الألعاب والأنشطة التي أُعدّت لهم، بينما كانت ريم تقود سي
عادت ريم إلى الفيلا في ذلك اليوم، لكنها لم تعد كما خرجت منها. كانت مفعمة بالحياة، وكأن شيئًا ما بداخلها قد تغيّر فجأة. صحيح أن مجد لم يخبرها بأنه يحبها، ولم يقل لها كلمة صريحة يمكنها أن تبني عليها كل تلك المشاعر، لكنه أخبرها بطريقته الخاصة. بنظراته، باهتمامه، وبكلماته غير المباشرة التي جعلتها تشعر بأن لديه شيئًا تجاهها... وربما كانت لديه خطط أخرى لإخبارها بما يشعر به. أما نظرات عينيه، فكانت كفيلة بإذابة أي فتاة أمامه. أي فتاة... إلا ريم. فقد بقيت متماسكة أمامه، تتظاهر بالهدوء والثبات، بينما كان قلبها في الداخل يعيش فوضى كاملة. دخلت الفيلا، فوجدت إلياس لم يعد بعد. في الآونة الأخيرة أصبح يتأخر كثيرًا، فقد كان منشغلًا بالتجهيزات الأخيرة لافتتاح جامعته الثانية المتخصصة في الكيمياء، والتي كان يعمل على إنشائها منذ فترة طويلة. ألقت التحية على مليكة، ثم صعدت إلى غرفتها. بعد أن استحمت، جلست على سريرها وأمسكت هاتفها، وأخذت تتصفح حسابها على إنستغرام بلا هدف. وفجأة توقفت. ظهر أمامها إشعار جديد. مجد الأغا طلب متابعتك. توقفت أنفاسها للحظة. — مجد؟ عادت دقات قلبها للتسارع







