الريفية تبدو لي كقصة انتفاضةٍ تفوقت فيها الإرادة على الجيوش المنظمة، وتحفر في الذاكرة درساً عن كيف يمكن لقائد
موهوب وشعب متحد أن يحولا
الجغرافيا إلى درع وقلعة.
أنا دائماً أشعر بأن نجاح المقاومة في الريف ضد الاستعمار الفرنسي (وبالأساس ضد التدخلين الإسباني ثم الفرنسي) جاء نتيجة تلاقح عوامل عسكرية واجتماعية وسياسية مع لمسة شخصية لزعيم يستطيع أن يوحد التباينات القبلية. أولاً، القيادة كانت مفتاحاً لا يمكن تجاهله: عبد الكريم الخطابي لم يكن مجرد قائد ميداني، بل كان منظماً سياسياً وعسكرياً درس تكتيكات العدو واستفاد من خبراته في الجيش الإسباني ليبني جيشاً منظماً بدلاً من مجموعات متفرقة. هذا التنظيم أعطى المقاومة القدرة على تنفيذ هجمات منسقة، الدفاع المنظم، وبناء مواقع متينة قادرة على مواجهة الحملات التقليدية.
ثانياً، جغرافية الريف خدمت المقاومين بشكل كبير. الجبال الوعرة والأودية الضيقة تمنح الأفضلية لمن يعرف الأرض؛ وإذ أن المقاتلين الريفيين كانوا أبناء المنطقة، فقد استثمروا معرفتهم بالمسالك، نقاط الكمائن، ومخارج الإمداد لصعوبة تعرضهم لهجمات بريّة وبلا انتهاء. ثالثاً، الحشد الشعبي كان عاملاً محورياً: الدعم المحلي من مؤن ومخابئ ومعلومات استخبارية جعَل الحركة أكثر مقاومة للضغط. الناس لم يُقاتلوا فقط كميليشيا؛ كانوا يقاتلون كحركة تحظى بشرعية اجتماعية ودينية، ما زاد من ثباتهم أمام حملات الانتقام والضغط.
رابعاً، التكتيكات نفسها كانت ذكية وعملية؛ الريفيون لم يحاولوا مواجهة النيران الثقيلة للقوات الأوروبية في ساحة مفتوحة، بل لجأوا إلى حرب عصابات، هجومات خاطفة، وقطع خطوط الإمداد. استحواذهم على أسلحة ومدافع من الهزائم التي ألحقوها بالجيش الإسباني في معارك مثل معركة الأنوال منحهم قوة نارية إضافية. خامساً، أخطاء القوى الاستعمارية لعبت دورها: التقليل من قدرات الخصم، ضعف التنسيق بين القوات الإسبانية والفرنسية في مراحِل مبكرة، ومشاكل لوجستية في العمل ببيئة جبلية بعيدة عن قواعدهم أعاقت استجاباتهم.
يهمني أن أؤكد أن نجاح المقاومة كان نسبياً ومؤقتاً على مستوى تحقيق استقلال طويل الأمد؛ القوى الاستعمارية استجابت لاحقاً بحملة مشتركة عنيفة استخدمت فيها كل قدرة صناعية بما في ذلك الغارات الجوية والغازات السامة والالتفاف الاستراتيجي، فتقهقرت الثورة في منتصف عشرينات
القرن العشرين. لكن هذا النجاح الجزئي ترك أثراً كبيراً: شكلت تجربة الريف محطة في تكوين الوعي الوطني المغربي وأثبتت أن المقاومة المنظمة يمكن أن تهزم جيشاً نظامياً إذا اجتمعت القيادة، التضامن المجتمعي، والاعتماد على تكتيكات مناسبة للبيئة. بالنسبة لي، قصة الريف ليست مجرد فصل من تاريخ عسكري، بل حقيقة ملهمة عن كرامة وإرادة شعب رفض الاستسلام، ودرس مهم لكل من يظن أن
التفوق التقني وحده يكفي لكسر إرادة شعوبهم.