Masukفي ذات مساء، كانت السماء صافيةً تملؤها النجوم، وبينما أنا غارقٌ في أفكاري، سمعتُ صوتًا بداخلي، كان يُخاطب شخصًا ما. حاولتُ مرارًا أن أعرف من يُخاطِب، حتى أدركتُ ذلك الشخص الماثل أمامه، حيث دار حديثٌ مُحمّلٌ بالعتاب، وكلماتٍ تحمل في طياتها قسوةً موجعة. كان عتابًا بين العقل والقلب،
Lihat lebih banyakفي ذات مساء،
كانت السماء صافيةً تملؤها النجوم، وبينما أنا غارقٌ في أفكاري، سمعتُ صوتًا بداخلي، كان يُخاطب شخصًا ما. حاولتُ مرارًا أن أعرف من يُخاطِب، حتى أدركتُ ذلك الشخص الماثل أمامه، حيث دار حديثٌ مُحمّلٌ بالعتاب، وكلماتٍ تحمل في طياتها قسوةً موجعة. كان عتابًا بين العقل والقلب، كلاهما خاض حربًا انتهت بخسارةٍ مؤلمة، وجروحٍ لا تنزف دمًا، وصرخاتٍ لا يُمكن سماعها. نداءاتٌ لشخصٍ ما، لشخصٍ له اسم وملامح جميلة، كان إلى جانبي دائمًا، لكنه رحل فجأةً دون وداع. ملامحه ما زالت ظلًا في عينيّ، وصوته أشبه بموسيقى قديمة تتردد في مسمعي، ورائحته لا تزال تعبق في المكان. وفي ذات ليلة، عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وبينما كنتُ غارقًا في نومٍ عميق، سمعتُ صوتًا مألوفًا يناديني باسمي. أجبتُ: نعم؟ فجاءني السؤال من عمق الجدران: "هل تفتقدني؟" قلتُ بحماسٍ كطفلٍ تناديه أمه: نعم، أفتقدك كثيرًا. ساد الصمت قليلًا، ثم سمعتُ ضحكة… نعم، كانت ضحكتها. حينها شعرتُ أن شيئًا في داخلي قد انكسر، وتحوّلت تلك الضحكة إلى بكاء. صرختُ: ما بك؟ أنا هنا… تعالي إليّ ، لكن لم يأتِ أحد. استيقظتُ، شربتُ بعض الماء، وقلتُ: يا له من حلم… لكن بعد دقائق، عاد البكاء، ثم عمّ الصمت من جديد. ولم يمر وقتٌ طويل حتى رأيتها أمامي… مغطاةً بالوحل والدماء، وشعرها مبعثر، وعيناها تحدّقان بي بصمتٍ مخيف. سألتُها بخوف: ما بك؟ لكنها لم تُجب. كررتُ السؤال مرارًا، حتى قالت بصوتٍ خافت: "أنا أفتقدك…" حينها انهمرت دموعي، وضاق صدري، وأردتُ أن أُعانقها… للمرة الأخيرة. لكن قبل أن أفعل… استيقظت. وتذكّرت… أنها ماتت منذ خمس سنوات. رحلت… لكنها لم ترحل وحدها، بل أخذت معها جزءًا مني… وربما… أخذتني بأكملي ، هذا السؤال كان يتردد بداخلي دون توقف… ما مدى غرابة الأمر؟ هل أنا خائف، أم مرتبك بعض الشيء؟ استيقظت صباحًا، وبدأتُ بتجهيز نفسي، ثم ذهبتُ إلى العمل. وبينما كنت أمشي في الطريق شارد الذهن، كنت أسير باتجاهٍ خاطئ دون أن ألاحظ. وفجأة، قطع صوتٌ تفكيري العميق… امرأة في الثمانين من عمرها، تصرخ بصوتٍ متعب: "إلى أين أنت ذاهب؟" أجبتُ ببرود: "إلى العمل." نظرت إليّ بتعجب، ثم مضت في طريقها دون أن تلتفت. نظرتُ إلى الوقت، فإذا بي متأخر عن العمل. ثم نظرتُ إلى الشارع الذي أسير فيه… وللحظات، لم أستوعب المشهد. أين أنا؟ ولماذا أنا هنا؟ مكان عملي في الجانب الآخر من البلدة! التفتُّ إلى جانبي… فإذا بالمقبرة على يميني. دون شعور… ودون تفكير… كان هناك شيءٌ يدفعني نحوها. لم أقاوم… بل جعلتُ خطاي أخف، وكأنني ورقةٌ تسوقها الرياح. تقدمتُ ببطء، وكأنني أحمل أطنانًا من الحديد على ظهري، وما هي إلا لحظات حتى وصلتُ إلى جانب السور. وفجأة… سمعتُ صوتًا يناديني. لم يكن الصوت غريبًا، فقد سمعته قبل بضع دقائق. قلت في نفسي: نعم… إنها العجوز التي قابلتها قبل قليل. لكن الغريب أنني تأخرت في الإجابة عليها. فكررت النداء… التفتُّ إليها وقلت: "نعم، ماذا تريدين يا جدتي؟" في الحقيقة، هي ليست جدتي، ولكن نظرًا لكبر سنها، كان من الواجب أن أُظهر لها بعض الاحترام. ساد الصمت قليلًا… ثم قالت: "هل أنت بخير؟ هل هناك ما يزعجك؟" نظرتُ إليها بتعجب، وقلت في نفسي: ما الذي تريده؟ اقتربت مني… لكنها لم تقف بجانبي، بل اتجهت نحو السور… نحو المكان الذي كنتُ ذاهبًا إليه… وبدأت تقول بعض الكلمات ...لم يكن صوته كما أعرفه.كان أعمق…أثقل…كأنه يأتي من مكانٍ بعيد… مدفونٍ تحت التراب:"كنتُ أعلم… أنك ستأتي."ارتجف جسدي…وحاولتُ التراجع…لكن قدمي…لم تتحرّك.ابتسم ببطء…ابتسامةً مشوّهة،لا تنتمي إلى إنسان.ثم أشار بيده نحو الأرض أمامه…وهنا—سمعتُ صوتًا."خدش… خدش… خدش…"كأن شيئًا يحفر…تحت قدمي مباشرة.اتّسعت عيناي…وانخفض نظري ببطء…التراب…كان يتحرّك.ينشقّ…ببطءٍ مرعب.ومن بينه—بدأت تظهر يد.يدٌ شاحبة…مغطّاة بالتراب…أصابعها ترتجف… وكأنها تحاول الخروج.تجمّدتُ تمامًا.ثم—خرجت اليد أكثر…تليها الأخرى…وجسدٌ…يُسحب من داخل القبر.كنت أرتجف…أنفاسي تتقطّع…حتى…رأيت الوجه.وجهي أنا.لكن—بعينين مفتوحتين على اتّساعهما…بلا رمش… بلا حياة…ينظر إليّ…ثم ابتسم.ومن خلفي—اقترب صوت الطفلة…همسًا… قريبًا من أذني:"الآن… لن تغادر أبدًا…"ارتجف جسدي أكثر…لكن هذه المرة—لم يكن الخوف وحده.كان هناك شعورٌ آخر…أعمق…أثقل…كأن شيئًا ما… يُسحب من داخلي.حاولتُ أن أصرخ—لكن صوتي… لم يخرج.الشخص… الذي يشبهني—مدّ يده نحوي ببطء.لم تكن حركة عشوائية…بل واثقة…كأنه يعرف تمامًا ما سيفعله.تراجعتُ
لم يكن الظلام وحده من استقبلني.كان هناك… شيءٌ آخر.هواءٌ بارد اندفع نحوي،باردٌ إلى حدٍّ مؤلم، كأنه يمرّ عبر عظامي لا بشرتي.توقفتُ عند العتبة…لم أدخل.شعرتُ… أن المنزل يتنفّس.نعم…يتنفّس ببطء… بثقل…وكأنني دخلتُ إلى صدر كائنٍ حي.خطوتُ خطوةً واحدة.صرير الأرضية تحت قدمي لم يكن عاديًا…كان أشبه بأنينٍ مكتوم.أغلقتُ الباب خلفي…"طَق."الصوت كان حادًا…أعلى مما ينبغي.وعندها—سمعته.همسة.قريبة…قريبة جدًا."عدتَ…"تجمّد الدم في عروقي.لم يكن الصوت غريبًا…بل كان مألوفًا… بشكلٍ مرعب.استدرتُ ببطء…لا شيء.الفراغ يحدّق بي…والظلام يزداد كثافة.تراجعتُ خطوة… ثم أخرى…لكن—قدمي اصطدمت بشيءٍ ما.نظرتُ للأسفل……آثار أقدام.آثار صغيرة…كأنها لطفلة.رطبة… داكنة…وتقود إلى داخل المنزل.رفعتُ رأسي ببطء…وتبعتُها بعيني…كانت تختفي في الممر.الممر الذي أعرفه جيدًا…لكنه الآن… بدا أطول مما ينبغي.أظلم.أعمق.وكأنه لا نهاية له.ابتلعتُ ريقي بصعوبة…ثم همستُ، بصوتٍ لم أعرفه:"من هناك…؟"صمت.ثوانٍ مرّت…أو ربما دقائق…ثم—ضحكة.خفيفة…طفولية…لكنها… لم تكن بريئة.جاءت من داخل الممر.من نفس الاتجاه
أنزلتُ نظري ببطء… ثم دخلت المنزل وأغلقت الباب كان الظلام يملأ أسفل الباب، كثيفًا… كأنه ليس مجرد ظل، بل شيءٌ حيّ يتنفس. تردّدتُ. صوتي اختفى… وقدماي تجمّدتا في مكاني. لكن الفضول… أو ربما الخوف نفسه… دفعني أن أنحني قليلًا. اقتربتُ.. أكثر… حتى كاد وجهي يلامس الأرض. "من… هناك؟" خرج صوتي متقطعًا، بالكاد يُسمع. لم يجب أحد. لكن… شيئًا ما تحرّك. رأيتُ أصابع صغيرة… شاحبة… تزحف ببطء من تحت الباب. تجمّد الدم في عروقي. أصابع طفل… لكنها كانت ملتوية بشكلٍ غير طبيعي… وكأن العظام بداخلها مكسورة… أو… لم تُخلق كما يجب. تراجعتُ بسرعة، وسقطتُ على ظهري. بدأتُ أزحف للخلف، وعيناي معلّقتان بالباب. ثم… بدأ الباب يهتز. ببطء… ثم بعنف. دق… دق… دق… ثم تحوّل الصوت إلى طرقٍ هستيري… كأن شيئًا في الخارج… يحاول الدخول بأي ثمن. "افتح…" الصوت هذه المرة أوضح… لكنه لم يكن صوت طفلة… بل صوتين… متداخلين. صوتها… وصوتٌ آخر أعمق… أجش… مكسور. "افتح… لقد اشتقنا إليك…" صرختُ بكل ما أملك من قوة: "ابتعدوا عني!!" لكن الطرق توقّف فجأة. سكون… مرعب. حتى أني س
وعندما فتحتُ الباب…تجمّدتُ في مكاني.لم يكن هناك أحد.نظرتُ يمينًا…ثم يسارًا…لا شيء.الهواء ساكن…والصمت أثقل من أن يُحتمل.كدتُ أُغلق الباب…لكن صوتًا خافتًا… انبعث من الأسفل."هل… نسيتني؟"تجمّد الدم في عروقي.أنزلتُ نظري ببطء…وكانت هناك.الطفلة.تقف ملتصقةً بعتبة الباب…ترفع رأسها نحوي ببطء،وعيناها… لم تكونا كما رأيتهما من قبل.لم تكونا حمراوين هذه المرة…بل فارغتين تمامًا.كأنهما… حفرتان لا نهاية لهما.تراجعتُ خطوة إلى الخلف،لكنها لم تتحرك.فقط… كانت تبتسم.ابتسامةً أوسع… وأبشع.ثم همست:"لقد عدنا."انطفأت ملامح وجهي."نحن؟"ما إن نطقتُ بها…حتى بدأ الهواء من حولي يبرد فجأة،وانبعثت رائحة ترابٍ رطب…تشبه تمامًا رائحة القبر.ببطء…ارتفعت يدٌ صغيرة من خلف كتف الطفلة…ثم أخرى…ثم…خرجت العجوز.لكنها لم تكن كما كانت.جسدها منحني أكثر،ورأسها يتدلّى بشكل غير طبيعي،وعيناها… مثبتتان عليّ دون أن ترمش.كانت تمسك بشيء في يدها.اقتربت خطوة…ثم رفعت يدها…كان القيثار.نفسه.نفس القيثار الذي وجدته بين الأشجار.لكن…كان مكسورًا.وملطخًا… بالدم.توقّف قلبي لوهلة.قالت بصوتٍ مبحوح، كأن الت
Ulasan-ulasan