Se connecterاقترب وجهه منها حتى كادت أنفاسه الحارقة تلامس بشرتها المرتجفة، فأغمضت عينيها لا إراديًا، بينما شفتاها تهتزّان من الخوف الذي تسلل إلى أعماقها. ابتسم ابتسامة شيطانية، وهمس بصوت خفيض لكنه زلزل كيانها: - عقابك هذه المرة لن يكون كالسابق، سترين الجحيم بعينه يا نازلي... تجمد الدم في عروقها، وشعرت أن الخوف لم يعد يصف حالتها، بل تخطّته إلى حدود الذعر الحقيقي. لم تدرك كيف تحرر فكها من بين أصابعه، لكنها استغلت الفرصة لتدفعه بكل ما أوتيت من قوة، قبل أن تنطلق هاربة من المكتب بأقصى سرعة. كانت تركض كمن فقدت عقلها، ضحكة هستيرية تفلت منها بينما الدموع تترقرق في عينيها. إحساسها بالهرب المذعور أضحكها، لكن زئيره الغاضب الذي دوّى خلفها كزئير أسد هائج جعل الرعب ينهش قلبها. بأنفاس متلاحقة، اندفعت إلى غرفتهما، ومن هناك إلى الحمام. أمسكَت بمقبض الباب ودارته بأصابع مرتعشة حتى أغلقته بإحكام، ثم نظرت حولها بجنون، باحثة عن أي شيء يسدّ الباب. كان هناك دولاب متوسط الحجم، سحبته بكل ما أوتيت من قوة وجرّته أمام الباب، حتى أصبح حاجزًا بينها وبينه. جلست فوقه، صدرها يعلو ويهبط بعنف، وراحت تفرك أصابعها بتوتر، قبل أن تبدأ بقضم أظافرها، بينما أذناها تترقبان كل حركة تصدر من الخارج. هل سينجح في كسر الباب؟
Voir plusأعزائي القراء، لقد قمتُ بعملية تنقيح شاملة للرواية وحذفتُ الأجزاء التي لم تكن تخدم المسار الدرامي القوي الذي أطمح إليه. آمل أن يعجبكم التغيير
الفصل الأول: زلزالٌ تحتَ أضواءِ الكريستال!! *** ما كُنتُ أَعلَمُ أَنَّ الحُزنَ يَطرُقُني في لَيلَةِ العُرسِ وَالأَنوارُ تَشتَعِلُ رَأَيتُ وَجهاً ظَنَنتُ القَلبَ وَدَّعَهُ فَإِذا بِهِ في صَميمِ الروحِ يَتَّصِلُ ... كان الحفل يعج بالحضور، وضجيج الضحكات المتكلفة يختلط بأصوات الموسيقى الصاخبة في سيمفونية مبعثرة تملأ الأجواء وتكاد تصم الآذان. الأضواء المتلألئة المنبعثة من الثريات الكريستالية الضخمة المعلقة في السقف كانت تنعكس بحدة على الجدران المذهبة، فتبث في المكان بريقاً يخطف الأنظار ويمنح الوجوه هالة من البهجة الزائفة التي لا تصل إلى القلوب. كانت رائحة العطور الفاخرة الثقيلة تمتزج بعبق آلاف الورود الطبيعية المنتشرة في كل زاوية من زوايا القاعة الفارهة، لدرجة أنها شعرت بضيق في صدرها؛ وكأن تلك الروائح تآمرت لتخنق أنفاسها المتهدجة وتزيد من وطأة المكان عليها. المكان كان ينبض بحياة صاخبة، لكنه بالنسبة لـ "نازلي" لم يكن سوى ضوضاء لا معنى لها، وفراغاً موحشاً مغلفاً بالزينة. وقفت في زاوية بعيدة وشبه معتمة، خلف عمود من الرخام، تحاول بكل قوتها التواري عن الأنظار، رغم أن حضورها كان طاغياً كشمس لا يمكن تجاهلها مهما حاولت الغيوم حجبها. فستانها الأصفر الفاتح كان يعانق جسدها برقة متناهية، ينحني عند أسفل ركبتيها وكأنه صُمم خصيصاً ليبرز أنوثتها دون تكلف أو ابتذال، وقد زُينت حوافه بورود بنفسجية دقيقة مشغولة يدوياً كأنها تهمس بأسرار ربيع أبدي لا يذبل. أما حذاؤها ذو الكعب العالي، فقد زادها طولاً وهيبة، لكنها لم تكن بحاجة لتلك القشرة الخارجية؛ فوقفتها وحدها، بشموخها المكسور الذي تحاول ترميمه، كانت كفيلة بجذب الأبصار وجعل الرؤوس تلتفت نحوها بتساؤل وإعجاب. رفعت يدها لترتب خصلات شعرها الأشقر الطويل الذي جمعته في كعكة عشوائية، بدت وكأنها لم تبذل جهداً في تصفيفها، ومع ذلك كانت تلك الخصلات المتمردة التي انسدلت على وجنتيها تلمع تحت الأضواء الباهرة بسحر إضافي يمنح وجهها لمسة من البراءة والتمرد في آن واحد. لكن، خلف هذا القناع من الجمال الباذخ، كانت نظراتها تعكس اضطراباً دفيناً، وتوتراً حاداً لم يستطع أرقى مظهر إخفاءه عن عين خبيرة. لم تكن تعلم أن القدر، في هذه الليلة بالذات، يخبئ لها صاعقة ستقلب عالمها الذي حاولت بناءه لبنة لبنة بعد الانهيار؛ ستفتحه على جراح ظنت أنها اندملت. كانت غارقة في محيط أفكارها المظلمة، تحاول تشتيت نفسها بمراقبة تفاصيل القاعة، وتعد حبات الكريستال المتدلية من الثريا المعلقة فوق في السقف العاجي والذي اتخذ من ناب الفيل لونا ليكسوا بشرته لتتجاهل الضجيج الذي يفتك بهدوئها، لكنها شعرت فجأة بقشعريرة باردة تسري في عمودها الفقري، إحساس غريب ومبهم لم تفهم سببه، وكأن الهواء من حولها أصبح ثقيلاً بشكل مفاجئ، أو كأن هالة شخص ما قد اخترقت حيزها الشخصي. انتفضت قليلاً كمن استيقظ من كابوس، ورفعت رأسها ببطء شديد، بينما اتسعت عيناها السماويتان باندهاش وهي تتطلع حولها، تبحث عن مصدر هذا الشعور الذي استنهض كل حواسها في لحظة. أخذت تمسح القاعة بنظرات حذرة؛ معظم الوجوه كانت مألوفة.. أصدقاء الطفولة الذين فرقتهم السنين، وصديقات المراهقة اللواتي غرقن في المظاهر الاجتماعية الجوفاء، وبالطبع... لم يغب عن المشهد بنات عمها وعماتها اللواتي تجمعن في زاوية كخلية نحل، يتهامسن بأخبارهن السخيفة وينشرن شائعاتهن كأنهن مراسلات حرب في قلب المعركة، يتربصن بأي زلة لتكون وليمة لحديثهن. شعرت برغبة عارمة في التقدم نحوهن وفضح ريائهن، لكنها هذه الليلة لم تكن تملك ذرة من الطاقة لخوض معارك تافهة مع عقول أصغر من أن تُعاتب. لكن، فجأة، توقف كل شيء. الزمن، الحركة، وحتى أنفاسها التي تجمدت في حنجرتها. ما أوقف نبضها لم يكن همس العمات المزعج، بل كان هو... "قيس". خفق قلبها بقوة جنونية، وكأن يداً خفية امتدت إلى صدرها وانتزعت الهواء من رئتيها دفعة واحدة. انقبضت معدتها بعنف، وسرت برودة ثلجية في أطرافها جعلتها تتجمد في مكانها كتمثال رخامي. كان يقف هناك، في وسط القاعة تماماً، محاطاً بهالة من الحضور الطاغي الذي يفرض احترامه وقوته. طويل القامة كما اعتادت رؤيته في أحلامها وكوابيسها، عريض المنكبين ببدلته السوداء الأنيقة التي فُصلت عليه بإتقان، وسيمًا بطريقة مؤلمة وكأن السنوات الثلاث التي مرت منذ رحيله لم تترك عليه أثراً سوى مزيداً من الجاذبية القاسية والنضج الذي زاد ملامحه حدة وغموضاً. "قيس...!" مر اسمه في ذهنها كصعقة كهربائية، كأنها نطقت به دون أن تدرك، لتهتز له أركان روحها. ثلاث سنوات كاملة من الغياب والقطيعة، ثلاث سنوات لم تسمع فيها عنه خبراً، وكأنه قد مُحي من سجل الوجود بقرار ملكي. كيف يعقل أن يتواجد هنا؟ كيف لم تتوقع حضوره في زفاف يخص العائلة التي كان هو صديقها المقرب وذراعها اليمنى؟ ازدردت ريقها بصعوبة، تحاول كبح الغصة التي خنقت حنجرتها. هل استغرق الأمر منه ثلاث سنوات فقط ليعود وكأن شيئاً لم يكن؟ كيف تجرأت العائلة على دعوته بعد كل الجراح والمذابح العاطفية التي خلفها في روحها؟ لكنها سرعان ما شعرت بمرارة الحقيقة؛ من هي الآن في ميزان هذه العائلة ليعطيها أحد رأياً في من يُدعى ومن يُستبعد؟ فهي "الغريبة" التي كانت ولا تزال غريبة عن هذه العائلة فمن الطبيعي دعوته فهي مدعوة مثله وليس من حقها طرد قيس أو إبقائه ". لكن الصدمة الحقيقية، التي كانت بمثابة طعنة مسمومة في الظهر، تمثلت في تلك المرأة التي كانت تقف بجانبه كظله. شابة فاتنة، تضج بالأنوثة الجريئة، ذات شعر قصير تتطاير خصلاته الغجرية التي تميل إلى الحمرة النارية المستفزة. فكرت "نازلي" بحقد اشتعل فجأة كعود ثقاب في كومة قش: "لا شك أنها صبغته، فلا يعقل أن يكون هذا اللون طبيعياً!"، بينما كانت تراقب بذهول تلك "الأفعى" وهي تضع يدها بجرأة وقحة على صدره، وتمرر أصابعها على ياقة سترة بدبكة مدروسة، وكأنها تعلن ملكيتها المطلقة له أمام الملأ. كادت "نازلي" أن تصرخ بأعلى صوتها، مخترقة جدار الصمت المفروض عليها: "أيتها اللعينة، أزيلي يدكِ قبل أن أبترها لكِ! ذاك اللعين لي أنا، ملكي أنا، فأنا هي زوجته التي شاركته الأنفاس يوماً!"، لكنها سرعان ما استفاقت على واقعها المرير؛ هي لم تعد زوجته. تذكرت بمرارة أن عقد الزواج قد مُزق، وأنها أصبحت غريبة عنه، لكن هذا لم يمنع شعور القهر والغيرة من نهش قلبها كوحش جائع. "كم أحبك وكم أكرهك في نفس الوقت يا حبيبي يا قيس !" تنهدت بعمق وهي تتابع التحديق بصدمة لم تكن بسبب جمال المرأة، بل بسبب النبرة الحميمية والتي رغم عدم سماعها لكلامهما إلى أنها أدركت أن هناك علاقة ما تربطهما اضف إلى هذا النظرات المتبادلة بينهما والتي كانت تلك المرأة تنظر إليه بإعجاب مكشوف، وبعينين واسعتين تلمعان بالحب والانبهار الذي تتقنه النساء حين يقعن في فخ رجل مثل قيس، وكانت تقف قريبة منه.. أقرب مما يسمح به الأدب، وكأنها قطعة منه. من تكون؟ هل هي خطيبته الجديدة؟ أم زوجته التي تزوجها في السر؟ الطلاق لم يتم عامه الثالث بعد، كيف استطاع تجاوز ذكراها بهذه السرعة المذهلة؟ هل هي مجرد صديقة عابرة أم عشيقة سابقة ! وتمتمت بمرارة شديدة لذغت لسانها : ولما لا يكون لديه عشيقة فرجل غنيا مثله لن يكتفي بامرأة واحدة لكن اللعين كيف استطاع ذلك كيف قدر على الخيانة أو ربما هي شقيقة صديقة؟ لكن الطريقة التي تتشبث بها بذراعه، وتميل برأسها نحو كتفه، كانت تقول كل شيء وتغني عن ألف سؤال. ضحكت نازلي في سرها بمرارة تشبه طعم العلقم، حاولت إقناع نفسها بأنها لا تكترث، وبأنها تجاوزته، لكن الحقيقة كانت أقسى؛ طعم الدم المالح على شفتيها التي عضت عليها بقوة جعلتها تدرك أن الجرح لم يلتئم، بل كان يختبئ تحت الجلد بانتظار هذه اللحظة لينفجر. "بالطبع يمكنه!" همست لنفسها بحرقة، "لم يصدق متى تخلص مني ومن قيود زواجنا حتى يهرع لأحضان أخرى! اللعنة عليه! الوغد الحقير، سأقتله، سأمزق هذا البرود الذي يرتديه بأسناني!" وعضّت على شفتيها أكثر حتى كادت تنزف، محاولة كبح العاصفة التي اجتاحت كيانها. كانت قد أتت إلى هذه الحفلة وهي تحمل بصيصاً من الأمل الساذج، ظنت لوهلة أن الزمن قد يلين القلوب، أن الجراح قد تهدأ، أن ما بينهما من حب قديم قد يجد طريقاً للسلام أو حتى لوداع لائق. لكنها كانت مخطئة.. مخطئة حد السذاجة والغباء. كيف تجرأت على التفكير بذلك؟ تشنجت أصابعها حول كأس العصير الذي تحمله حتى ابيضت مفاصلها، وشعرت بذبذبات قلبها تتصاعد بلا هوادة كطبل حرب. أجبرت نفسها على التماسك، على ابتلاع الغصة والدموع، وتمتمت بتحذير شديد اللهجة لنفسها: "نازلي، لا تبكي! لا تمنحيه هذا الانتصار! لقد قضيتِ شهوراً طويلة تحاولين نسيانه وجمع شتات نفسك، فلا تنهاري الآن أمام هؤلاء الشامتين!" لكن جسدها لم يكن مطيعاً؛ هربت دمعة ساخنة خائنة من عينيها، سالت على خدها كشرارة نار، فأسرعت بمسحها بيد مرتعشة قبل أن يلاحظها أحد من الفضوليين. لكن... ذلك الرجل كان يراقبها بدقة الصقر. لقد رآها. التقت عيناها السماويتان المليئتان بالانكسار بزرقة عينيه الحالكة والغامضة. في تلك اللحظة، شعرت وكأن القاعة قد أُفرغت من حضورها، ولم يبقَ سوى قطبين يتجاذبان ويتنافران في آن واحد. لم يرمش قيس، ولم يشح بنظره عنها، بل ثبت عينيه عليها بتحدٍ صريح، وابتسم ابتسامة ساخرة لم تصل لعينيه، بل كانت تفيض بالشماتة والانتصار، وكأن عينيه تقولان: "إنها تغار... هذا جيد. فلتتجرعي من ذات الكأس التي سقيتني إياها لسنوات، لتجربي ألم الغيرة الذي كان يحرقني!" في الحقيقة، لم يكن قيس ينوي الحضور أبداً، بل كان يكره هذه الاجتماعات، لكن حين علم من صديقه أن "نازلي" ستكون هناك، تملكته رغبة وحشية في رؤيتها، في معرفة ما فعله الزمن بها وهل كسرها الغياب كما فعل به، لكن الصدمة كانت أنها ازدادت جمالاً ونضجاً وفتنة، مما أشعل نار غضبه المكبوت أكثر. استجمع قواه ليغرس نصله في قلبها بطريقة أخرى؛ استدار فجأة نحو تلك المرأة الغجرية، وأمسك بيدها بحميمية مبالغ فيها، وانحنى يهمس في أذنها بشيء جعلها تنفجر بضحكة رقيقة وتتشبث بذراعه أكثر، ثم أعاد نظره نحو نازلي ليرى أثر فعلته. رفعت نازلي ذقنها ببطء، وابتسمت ابتسامة هادئة، باردة، ومحملة بكل معاني الكبرياء والتحدي، وكأنها تقول له دون كلمات: "أنا لم أعد لك، ولم أعد تلك الطفلة التي تكسرها نظراتك. لقد متّ بالنسبة لي." ورغم أن قلبها كان يتمزق، إلا أنها ثبتت في مكانها، تاركة إياه يواجه عاصفته الخاصة تحت قناع من الجمود، بينما بقيا كلاهما يغرقان في ماضٍ يرفض أن يموت. .... بعد هذا التعديل الجذري ، ما هو انطباعكم الأول عن لقاء قيس ونازلي تحت أضواء الكريستال؟ أريد أن أسمع توقعاتكم!"الفصل الخمسون بعد المئة: مَقَابِرُ الزُّجَاجْ.. وَلِقَاءُ العَمَالِقَةِ فَوْقَ المَاءْ *** فَوْقَ المِيَاهِ تَمُوتُ كُلُّ رَجَاءِ ... وَتَسِيلُ غَصَّاتٌ بِغَيْرِ شِفَاءِ عَيْنَانِ زَرْقَاوَانِ فَوْقَ عَرِيفِهَا ... تَسْتَنْجِدَانِ بِآخِرِ الأَنْوَاءِ وَالآخَرُ المَسْجُونُ خَلْفَ سَوَادِهِ ... يَبْكِي الحَيَاةَ بِدَمْعَةٍ خَرْسَاءِ حَانَ الصِّدَامُ فَمَا لِخَوْفٍ مَهْرَبٌ ... فِينِيسْيَا أَمْسَتْ مَسْرَحَ الشُّهَدَاءِ ... حين تلتقي أقدار الطغاة فوق أرض عائمة بُنيت على الأسرار والمؤامرات، تذوب الفوارق بين النصر والهزيمة لتصبح الحياة والموت مجرد ورقتين في لعبة قمار مافيوية لا ترحم. فبين جنون التملك الذي يقود سيارة "سامويل" ببطء سادي قاتل مستمتعاً بسجن فراشته خلف سواد الحرير، وبين رعب الفقد الذي يعصف بكيان "التمساح" وهو يشق عباب شوارع فينيسيا بلمح البصر متخطياً حواجز المستحيل، تتقاطع المسارات عند عتبة قصر عتيق يطفو فوق مياه إيطاليا الباردة الغامضة. هنا.. خلف الأبواب الحجرية الصماء، لم يعد الصراع صراع نفوذ أو ثأر قادم من أزقة وهران، بل تحول إلى مواجهة عارية لحبس الأنفاس، وتعرية الوج
الفصل التاسع والأربعون بعد المئة: مَتَاهَةُ الخِدَاعْ.. وَصَدْمَةُ العَاصِفَةِ الإِيطَالِيَّةْ ** يَسْتَيْقِظُ الأَسْرُ فِي عَيْنَيْكِ أَغْلَالَا ... كَأَنَّ حُلْمَكِ ضَاعَ اليَوْمَ أَوْ زَالَا تَصْحُو الصَّهْبَاءُ وَالأَقْدَارُ تَعْصِفُ بِهَا ... لِتَلْقَى جَلَّادَهَا المَجْنُونَ مَازَالَا ظَنَّتْ دِيَارَ الأَمَانِ اسْتَقْبَلَتْ دَمَهَا ... فإذا بفينيسيا تُغَرِّقُ الحلم أهوالا ... حين تتداخل خيوط اللعبة المافيوية، يصبح الاستيقاظ من سكرات الموت مجرد تذكرة عبور إلى جحيم جديد صُمم بعناية؛ فبين غفوة دافئة فرضتها العقاقير المهدئة وصحوة مريرة على واقع مشحون بالخديعة، تتلاشى الوعود وتتبدل الخرائط تحت وطأة التحكم المطلق. لم تكن الطائرة المصفحة مجرد وسيلة هرب من صخب نيويورك، بل كانت جسراً سرياً عبره "التمساح" ليحكم قفصه الحديدي حول فراشته المتمردة، وينقل الصراع من أزقة روما المنتظرة إلى معقل جديد يفيض بالتاريخ والدم والمؤامرات؛ حيث تصبح الأنفاس معدودة، واللعنات عاجزة أمام طغيان العناد المتبادل. فتحت نازلي جفنيها ببطء شديد، تشعر بثقل جبل يربض فوق وعيها المستعاد، بينما رائحة الجلد
الفصل الثامن والأربعون بعد المئة: أَثْوَابُ العُزْلَةْ.. وَإِعْلَانُ الرَّحِيلِ الـمُبَاغِتْ * ** تَمُدُّ إِلَى الصُّنْدُوقِ كَفَّاً رَعُوشَةً ... لِتَلْقَى رِدَاءً كَالفِنَاءِ مُفَصَّلَا طَوِيلٌ وَمَسْتُورٌ يَغُصُّ بِهِ الـمَدَى ... كَأَنَّ السَّوَادَ العَتْمَ فِيهِ تَكَلَّلَا يَقُولُ طَغَاةُ الـمَكْرِ حَانَ رَحِيلُنَا ... وَإِنَّ سَمَاءَ الأَسْرِ لَنْ تَتَبَدَّلَا ... حين تتحول الثياب في قاموس الهوس إلى زنازين متنقلة تصنعها أصابع الجلاد بعناية، يفقد النسيج الفاخر بريقه ليصبح غلافاً يخنق ما تبقى من كبرياء الفريسة خلف الأبواب الصامتة. فبين جدران قصر "دواكيلا" الموحش، تكتشف الفراشة المحاصرة "كاثيا" أن قيدها الجديد لم يكن حريرياً فحسب، بل كان ثوباً من عتمة واحتشام مبالغ فيه، صُمم خصيصاً ليطمس ملامح وجودها ويحجبها عن أعين العالم الذي يغار منه سامويل. لكن الأنفاس لا تكاد تستوعب صدمة الشروط العارية، حتى تدق طبول المغادرة المباغتة في ليل نيويورك العاصف، معلنةً انقشاع العاصفة الطبية وجاهزية الطائرات المصفحة لرحيل يعود بالجميع نحو الديار التي شهدت بداية الكابوس ونهايته. في القصر، و
الفصل السابع والأربعون بعد المئة: عُرِيُّ الـحَقَائِقْ.. وَمَخَاضُ الشُّرُوطِ الأَخِيرَةْ***خَرَجَتْ تَسِيرُ إِلَى الـهَلَاكِ بِعِزَّةٍ ... كَالمَهْرِ يُسَاقُ لِلذَّبْحِ وَالمُدْيَا تُرَى تَبْغِي الخَلَاصَ مِنَ العُيُونِ وَمَكْرِهَا ... وَالـمَكْرُ خَلْفَ فِرَاشِ السَّادَةِ دُبِّرَا وَفِي الـمَشَافِي تَرْنِيمَةٌ قُدْسِيَّةٌ ... فِيهَا الأُخُوَّةُ بَعْدَ الـمَوْتِ تُبْتَكَر...حين تنقشع مساحيق الخداع النفسي وتتحطم الدروع الواهية خلف الحصون الصامتة، يجد المرء نفسه عارياً تماماً أمام شروطه المصيرية التي لا تقبل القسمة على اثنين. فبين جدران القصر المعتم بظلال الهوس، بلغت حرب الأعصاب ذروتها الخانقة؛ حيث لم يعد أمام الفراشة المحاصرة "كاثيا" سوى التخلي عن مهلتها الأخيرة، والتقدم بخطى مرتجفة لتواجه جلادها المتربص ببرود فوق فراش السيطرة المطلقة. وفي ذات الوقت، تشهد أروقة الجناح الطبي بنيويورك مخاضاً من نوع آخر، حيث تذوب قسوة "التمساح" أمام دفء الأخوة المستجدة، لتتحول المحاكمة الشرسة إلى عهد أمان يربط بين دماء الجزائر بلد المليون شهيد وبين أرض الزيتون والتين الجريحة، إيذاناً ببدء فصول جديدة
الفصل السادس والأربعون بعد المئة: مَوَازِينُ النُّفُوسْ.. وَانْكِسَارُ المَرَايَا المَصْقُولَةْ***طَبِيبٌ بَكَى فِي مَهْدِهِ الأَصْلَ حَسْرَةً ... وَظَنَّ عُيُونَ الصَّهْبِ تَرْمِيهِ بِالعَمَى وَمَا عَلِمَ المِسْكِينُ أَنَّ دُمُوعَهَا ... عَقِيدَةُ شَوْقٍ قَدْ جَرَتْ فِي الشَّرَايِنَا وَفِي القَ
الفصل الخامس والأربعون بعد المئة: تَرْجَمَةُ التَّمَرُّدْ.. وَسُؤَالُ العَقِيدَةِ الـمَحْظُورْ***شَفَتَاكِ صَاعِقَةٌ وَلَفْظُكِ مِقْصَلَةْ ... وَعَلَى ضِفَافِ الـمَوْتِ تَبْدَأُ مَسْأَلَةْ تَسْتَنْطِقِينَ الحَقَّ فِي مَهْدِ العِدَا ... وَالبَحْرُ فِي عَيْنَيْكِ يَحْمِلُ قُنْبُلَةْ مَا هَمَّهَا طِ
الفصل الحادي والأربعون بعد المئة: قُيُودٌ مِنْ مَخْمَلٍ أَسْوَدْ.. وَانْكِسَارُ سُلْطَانِ الهَوَسْ***حَنَتِ الرِّقَابُ لِسَطْوَةِ السَّجَّانِ ... وَتَمَرَّدَتْ عَيْنَاكِ فِي عِصْيَانِ أَطْلَقْتَ رَصَاصَ النَّفْيِ كَيْ تَأْسِرَهَا ... فَإِذَا بِكَ المَأْسُورُ فِي الأَكْفَانِ ظَنَّ الطَّغِيُّ بِأَن
الفصل الثامن والثلاثون بعد المئة: تراتيل فوق السحاب.. وقيد من حرير ونار***خَطَفْتُكِ وَالْمَنَايَا حَوْلَ جَفْنِي ... وَطِرْنَا فِي جَحِيمٍ مِنْ غَمَامِ فَلاَ أَرْضٌ تَرُدُّ لَنَا صَنِيعاً ... وَلاَ أَفْقٌ يُبَشِّرُ بِالسَّلاَمِ سَأَجْعَلُ مِنْ حِصَارِي لَكِ مَهْداً ... وَإِنْ كَانَ الْهَوَى عَي
Notes
commentairesPlus