LOGINاقترب وجهه منها حتى كادت أنفاسه الحارقة تلامس بشرتها المرتجفة، فأغمضت عينيها لا إراديًا، بينما شفتاها تهتزّان من الخوف الذي تسلل إلى أعماقها. ابتسم ابتسامة شيطانية، وهمس بصوت خفيض لكنه زلزل كيانها: - عقابك هذه المرة لن يكون كالسابق، سترين الجحيم بعينه يا نازلي... تجمد الدم في عروقها، وشعرت أن الخوف لم يعد يصف حالتها، بل تخطّته إلى حدود الذعر الحقيقي. لم تدرك كيف تحرر فكها من بين أصابعه، لكنها استغلت الفرصة لتدفعه بكل ما أوتيت من قوة، قبل أن تنطلق هاربة من المكتب بأقصى سرعة. كانت تركض كمن فقدت عقلها، ضحكة هستيرية تفلت منها بينما الدموع تترقرق في عينيها. إحساسها بالهرب المذعور أضحكها، لكن زئيره الغاضب الذي دوّى خلفها كزئير أسد هائج جعل الرعب ينهش قلبها. بأنفاس متلاحقة، اندفعت إلى غرفتهما، ومن هناك إلى الحمام. أمسكَت بمقبض الباب ودارته بأصابع مرتعشة حتى أغلقته بإحكام، ثم نظرت حولها بجنون، باحثة عن أي شيء يسدّ الباب. كان هناك دولاب متوسط الحجم، سحبته بكل ما أوتيت من قوة وجرّته أمام الباب، حتى أصبح حاجزًا بينها وبينه. جلست فوقه، صدرها يعلو ويهبط بعنف، وراحت تفرك أصابعها بتوتر، قبل أن تبدأ بقضم أظافرها، بينما أذناها تترقبان كل حركة تصدر من الخارج. هل سينجح في كسر الباب؟
View Moreأعزائي القراء، لقد قمتُ بعملية تنقيح شاملة للرواية وحذفتُ الأجزاء التي لم تكن تخدم المسار الدرامي القوي الذي أطمح إليه. آمل أن يعجبكم التغيير
الفصل الأول: زلزالٌ تحتَ أضواءِ الكريستال!! *** ما كُنتُ أَعلَمُ أَنَّ الحُزنَ يَطرُقُني في لَيلَةِ العُرسِ وَالأَنوارُ تَشتَعِلُ رَأَيتُ وَجهاً ظَنَنتُ القَلبَ وَدَّعَهُ فَإِذا بِهِ في صَميمِ الروحِ يَتَّصِلُ ... كان الحفل يعج بالحضور، وضجيج الضحكات المتكلفة يختلط بأصوات الموسيقى الصاخبة في سيمفونية مبعثرة تملأ الأجواء وتكاد تصم الآذان. الأضواء المتلألئة المنبعثة من الثريات الكريستالية الضخمة المعلقة في السقف كانت تنعكس بحدة على الجدران المذهبة، فتبث في المكان بريقاً يخطف الأنظار ويمنح الوجوه هالة من البهجة الزائفة التي لا تصل إلى القلوب. كانت رائحة العطور الفاخرة الثقيلة تمتزج بعبق آلاف الورود الطبيعية المنتشرة في كل زاوية من زوايا القاعة الفارهة، لدرجة أنها شعرت بضيق في صدرها؛ وكأن تلك الروائح تآمرت لتخنق أنفاسها المتهدجة وتزيد من وطأة المكان عليها. المكان كان ينبض بحياة صاخبة، لكنه بالنسبة لـ "نازلي" لم يكن سوى ضوضاء لا معنى لها، وفراغاً موحشاً مغلفاً بالزينة. وقفت في زاوية بعيدة وشبه معتمة، خلف عمود من الرخام، تحاول بكل قوتها التواري عن الأنظار، رغم أن حضورها كان طاغياً كشمس لا يمكن تجاهلها مهما حاولت الغيوم حجبها. فستانها الأصفر الفاتح كان يعانق جسدها برقة متناهية، ينحني عند أسفل ركبتيها وكأنه صُمم خصيصاً ليبرز أنوثتها دون تكلف أو ابتذال، وقد زُينت حوافه بورود بنفسجية دقيقة مشغولة يدوياً كأنها تهمس بأسرار ربيع أبدي لا يذبل. أما حذاؤها ذو الكعب العالي، فقد زادها طولاً وهيبة، لكنها لم تكن بحاجة لتلك القشرة الخارجية؛ فوقفتها وحدها، بشموخها المكسور الذي تحاول ترميمه، كانت كفيلة بجذب الأبصار وجعل الرؤوس تلتفت نحوها بتساؤل وإعجاب. رفعت يدها لترتب خصلات شعرها الأشقر الطويل الذي جمعته في كعكة عشوائية، بدت وكأنها لم تبذل جهداً في تصفيفها، ومع ذلك كانت تلك الخصلات المتمردة التي انسدلت على وجنتيها تلمع تحت الأضواء الباهرة بسحر إضافي يمنح وجهها لمسة من البراءة والتمرد في آن واحد. لكن، خلف هذا القناع من الجمال الباذخ، كانت نظراتها تعكس اضطراباً دفيناً، وتوتراً حاداً لم يستطع أرقى مظهر إخفاءه عن عين خبيرة. لم تكن تعلم أن القدر، في هذه الليلة بالذات، يخبئ لها صاعقة ستقلب عالمها الذي حاولت بناءه لبنة لبنة بعد الانهيار؛ ستفتحه على جراح ظنت أنها اندملت. كانت غارقة في محيط أفكارها المظلمة، تحاول تشتيت نفسها بمراقبة تفاصيل القاعة، وتعد حبات الكريستال المتدلية من الثريا المعلقة فوق في السقف العاجي والذي اتخذ من ناب الفيل لونا ليكسوا بشرته لتتجاهل الضجيج الذي يفتك بهدوئها، لكنها شعرت فجأة بقشعريرة باردة تسري في عمودها الفقري، إحساس غريب ومبهم لم تفهم سببه، وكأن الهواء من حولها أصبح ثقيلاً بشكل مفاجئ، أو كأن هالة شخص ما قد اخترقت حيزها الشخصي. انتفضت قليلاً كمن استيقظ من كابوس، ورفعت رأسها ببطء شديد، بينما اتسعت عيناها السماويتان باندهاش وهي تتطلع حولها، تبحث عن مصدر هذا الشعور الذي استنهض كل حواسها في لحظة. أخذت تمسح القاعة بنظرات حذرة؛ معظم الوجوه كانت مألوفة.. أصدقاء الطفولة الذين فرقتهم السنين، وصديقات المراهقة اللواتي غرقن في المظاهر الاجتماعية الجوفاء، وبالطبع... لم يغب عن المشهد بنات عمها وعماتها اللواتي تجمعن في زاوية كخلية نحل، يتهامسن بأخبارهن السخيفة وينشرن شائعاتهن كأنهن مراسلات حرب في قلب المعركة، يتربصن بأي زلة لتكون وليمة لحديثهن. شعرت برغبة عارمة في التقدم نحوهن وفضح ريائهن، لكنها هذه الليلة لم تكن تملك ذرة من الطاقة لخوض معارك تافهة مع عقول أصغر من أن تُعاتب. لكن، فجأة، توقف كل شيء. الزمن، الحركة، وحتى أنفاسها التي تجمدت في حنجرتها. ما أوقف نبضها لم يكن همس العمات المزعج، بل كان هو... "قيس". خفق قلبها بقوة جنونية، وكأن يداً خفية امتدت إلى صدرها وانتزعت الهواء من رئتيها دفعة واحدة. انقبضت معدتها بعنف، وسرت برودة ثلجية في أطرافها جعلتها تتجمد في مكانها كتمثال رخامي. كان يقف هناك، في وسط القاعة تماماً، محاطاً بهالة من الحضور الطاغي الذي يفرض احترامه وقوته. طويل القامة كما اعتادت رؤيته في أحلامها وكوابيسها، عريض المنكبين ببدلته السوداء الأنيقة التي فُصلت عليه بإتقان، وسيمًا بطريقة مؤلمة وكأن السنوات الثلاث التي مرت منذ رحيله لم تترك عليه أثراً سوى مزيداً من الجاذبية القاسية والنضج الذي زاد ملامحه حدة وغموضاً. "قيس...!" مر اسمه في ذهنها كصعقة كهربائية، كأنها نطقت به دون أن تدرك، لتهتز له أركان روحها. ثلاث سنوات كاملة من الغياب والقطيعة، ثلاث سنوات لم تسمع فيها عنه خبراً، وكأنه قد مُحي من سجل الوجود بقرار ملكي. كيف يعقل أن يتواجد هنا؟ كيف لم تتوقع حضوره في زفاف يخص العائلة التي كان هو صديقها المقرب وذراعها اليمنى؟ ازدردت ريقها بصعوبة، تحاول كبح الغصة التي خنقت حنجرتها. هل استغرق الأمر منه ثلاث سنوات فقط ليعود وكأن شيئاً لم يكن؟ كيف تجرأت العائلة على دعوته بعد كل الجراح والمذابح العاطفية التي خلفها في روحها؟ لكنها سرعان ما شعرت بمرارة الحقيقة؛ من هي الآن في ميزان هذه العائلة ليعطيها أحد رأياً في من يُدعى ومن يُستبعد؟ فهي "الغريبة" التي كانت ولا تزال غريبة عن هذه العائلة فمن الطبيعي دعوته فهي مدعوة مثله وليس من حقها طرد قيس أو إبقائه ". لكن الصدمة الحقيقية، التي كانت بمثابة طعنة مسمومة في الظهر، تمثلت في تلك المرأة التي كانت تقف بجانبه كظله. شابة فاتنة، تضج بالأنوثة الجريئة، ذات شعر قصير تتطاير خصلاته الغجرية التي تميل إلى الحمرة النارية المستفزة. فكرت "نازلي" بحقد اشتعل فجأة كعود ثقاب في كومة قش: "لا شك أنها صبغته، فلا يعقل أن يكون هذا اللون طبيعياً!"، بينما كانت تراقب بذهول تلك "الأفعى" وهي تضع يدها بجرأة وقحة على صدره، وتمرر أصابعها على ياقة سترة بدبكة مدروسة، وكأنها تعلن ملكيتها المطلقة له أمام الملأ. كادت "نازلي" أن تصرخ بأعلى صوتها، مخترقة جدار الصمت المفروض عليها: "أيتها اللعينة، أزيلي يدكِ قبل أن أبترها لكِ! ذاك اللعين لي أنا، ملكي أنا، فأنا هي زوجته التي شاركته الأنفاس يوماً!"، لكنها سرعان ما استفاقت على واقعها المرير؛ هي لم تعد زوجته. تذكرت بمرارة أن عقد الزواج قد مُزق، وأنها أصبحت غريبة عنه، لكن هذا لم يمنع شعور القهر والغيرة من نهش قلبها كوحش جائع. "كم أحبك وكم أكرهك في نفس الوقت يا حبيبي يا قيس !" تنهدت بعمق وهي تتابع التحديق بصدمة لم تكن بسبب جمال المرأة، بل بسبب النبرة الحميمية والتي رغم عدم سماعها لكلامهما إلى أنها أدركت أن هناك علاقة ما تربطهما اضف إلى هذا النظرات المتبادلة بينهما والتي كانت تلك المرأة تنظر إليه بإعجاب مكشوف، وبعينين واسعتين تلمعان بالحب والانبهار الذي تتقنه النساء حين يقعن في فخ رجل مثل قيس، وكانت تقف قريبة منه.. أقرب مما يسمح به الأدب، وكأنها قطعة منه. من تكون؟ هل هي خطيبته الجديدة؟ أم زوجته التي تزوجها في السر؟ الطلاق لم يتم عامه الثالث بعد، كيف استطاع تجاوز ذكراها بهذه السرعة المذهلة؟ هل هي مجرد صديقة عابرة أم عشيقة سابقة ! وتمتمت بمرارة شديدة لذغت لسانها : ولما لا يكون لديه عشيقة فرجل غنيا مثله لن يكتفي بامرأة واحدة لكن اللعين كيف استطاع ذلك كيف قدر على الخيانة أو ربما هي شقيقة صديقة؟ لكن الطريقة التي تتشبث بها بذراعه، وتميل برأسها نحو كتفه، كانت تقول كل شيء وتغني عن ألف سؤال. ضحكت نازلي في سرها بمرارة تشبه طعم العلقم، حاولت إقناع نفسها بأنها لا تكترث، وبأنها تجاوزته، لكن الحقيقة كانت أقسى؛ طعم الدم المالح على شفتيها التي عضت عليها بقوة جعلتها تدرك أن الجرح لم يلتئم، بل كان يختبئ تحت الجلد بانتظار هذه اللحظة لينفجر. "بالطبع يمكنه!" همست لنفسها بحرقة، "لم يصدق متى تخلص مني ومن قيود زواجنا حتى يهرع لأحضان أخرى! اللعنة عليه! الوغد الحقير، سأقتله، سأمزق هذا البرود الذي يرتديه بأسناني!" وعضّت على شفتيها أكثر حتى كادت تنزف، محاولة كبح العاصفة التي اجتاحت كيانها. كانت قد أتت إلى هذه الحفلة وهي تحمل بصيصاً من الأمل الساذج، ظنت لوهلة أن الزمن قد يلين القلوب، أن الجراح قد تهدأ، أن ما بينهما من حب قديم قد يجد طريقاً للسلام أو حتى لوداع لائق. لكنها كانت مخطئة.. مخطئة حد السذاجة والغباء. كيف تجرأت على التفكير بذلك؟ تشنجت أصابعها حول كأس العصير الذي تحمله حتى ابيضت مفاصلها، وشعرت بذبذبات قلبها تتصاعد بلا هوادة كطبل حرب. أجبرت نفسها على التماسك، على ابتلاع الغصة والدموع، وتمتمت بتحذير شديد اللهجة لنفسها: "نازلي، لا تبكي! لا تمنحيه هذا الانتصار! لقد قضيتِ شهوراً طويلة تحاولين نسيانه وجمع شتات نفسك، فلا تنهاري الآن أمام هؤلاء الشامتين!" لكن جسدها لم يكن مطيعاً؛ هربت دمعة ساخنة خائنة من عينيها، سالت على خدها كشرارة نار، فأسرعت بمسحها بيد مرتعشة قبل أن يلاحظها أحد من الفضوليين. لكن... ذلك الرجل كان يراقبها بدقة الصقر. لقد رآها. التقت عيناها السماويتان المليئتان بالانكسار بزرقة عينيه الحالكة والغامضة. في تلك اللحظة، شعرت وكأن القاعة قد أُفرغت من حضورها، ولم يبقَ سوى قطبين يتجاذبان ويتنافران في آن واحد. لم يرمش قيس، ولم يشح بنظره عنها، بل ثبت عينيه عليها بتحدٍ صريح، وابتسم ابتسامة ساخرة لم تصل لعينيه، بل كانت تفيض بالشماتة والانتصار، وكأن عينيه تقولان: "إنها تغار... هذا جيد. فلتتجرعي من ذات الكأس التي سقيتني إياها لسنوات، لتجربي ألم الغيرة الذي كان يحرقني!" في الحقيقة، لم يكن قيس ينوي الحضور أبداً، بل كان يكره هذه الاجتماعات، لكن حين علم من صديقه أن "نازلي" ستكون هناك، تملكته رغبة وحشية في رؤيتها، في معرفة ما فعله الزمن بها وهل كسرها الغياب كما فعل به، لكن الصدمة كانت أنها ازدادت جمالاً ونضجاً وفتنة، مما أشعل نار غضبه المكبوت أكثر. استجمع قواه ليغرس نصله في قلبها بطريقة أخرى؛ استدار فجأة نحو تلك المرأة الغجرية، وأمسك بيدها بحميمية مبالغ فيها، وانحنى يهمس في أذنها بشيء جعلها تنفجر بضحكة رقيقة وتتشبث بذراعه أكثر، ثم أعاد نظره نحو نازلي ليرى أثر فعلته. رفعت نازلي ذقنها ببطء، وابتسمت ابتسامة هادئة، باردة، ومحملة بكل معاني الكبرياء والتحدي، وكأنها تقول له دون كلمات: "أنا لم أعد لك، ولم أعد تلك الطفلة التي تكسرها نظراتك. لقد متّ بالنسبة لي." ورغم أن قلبها كان يتمزق، إلا أنها ثبتت في مكانها، تاركة إياه يواجه عاصفته الخاصة تحت قناع من الجمود، بينما بقيا كلاهما يغرقان في ماضٍ يرفض أن يموت. .... بعد هذا التعديل الجذري ، ما هو انطباعكم الأول عن لقاء قيس ونازلي تحت أضواء الكريستال؟ أريد أن أسمع توقعاتكم!"الفصل الثالث والثلاثون بعد المئة: خطوة ناقصة.. والقبضة الغادرة***تَهَاوَى عَرْشُ مَنْ بَغَوْا وَانْقَشَعَتْ صِفَاتُ ... وَفِي جَوْفِ الظَّلَامِ لِلْحَقِّ رَايَاتُ إِذَا زَأَرَ التِّمْسَاحُ غَضَبًا لِعِرْضِهِ ... تَسَاقَطَتْ حُصُونٌ وَتَلَاشَتْ حَيَاةُ وَلَكِنَّ غَدْرَ الْأَفْعَى فِي الْغَيْبِ كَامِنٌ ... وَفِي آخِرِ الْأَنْفَاسِ لِلْمَوْتِ وَثَبَاتُ...حين تصل المأساة إلى ذروتها، يصبح الزمن مجرد وهم، وتتحول اللحظات إلى دهور تمشي على جثث الأماني. هنا يصبح "التمساح" ، ذلك الرجل الذي بُني من فولاذ عسكري ومنطق مافياوي لا يرحم، في مواجهة الاختبار الأكبر في تاريخه. لم تكن المعركة يوماً ضد الرصاص أو القنابل، بل كانت دائماً ضد تلك "اللحظة" التي يلين فيها القلب في المكان الخاطئ. إنها اللحظة التي تتداخل فيها خطوط النجاة مع خيوط الفخ، حيث تتحول "نازلي" من بوصلة للروح إلى "ثغرة" في درع التمساح . هنا، في هذا المستودع الموحش الذي تفوح منه رائحة البارود والندم، تُكتب صفحة جديدة من الغدر، حيث تسبق مخالب الذئاب لمسة المحبين، وتتحول "الخطوة الأخيرة" إلى مسافة لا نهائية من الرعبدام الصمتُ الثقيل داخ
الفصل الثاني والثلاثون بعد المئة: مرايا الخديعة.. وانقشاع الضباب***ظَنُّوا السِّهَامَ بِمَنْ بَغَوْا قَدْ صَابَتِ ... وَالنَّارُ تَحْتَ رَمَادِهِمْ تَقْتَاتُ مَا كَانَ خَطْفاً بَلْ شِبَاكاً فُصِّلَتْ ... لِيَسُوقَ فِيهَا حَتْفَهُ الشَّمَاتُ إِيفَانُ يَحْصُدُ مَا بَذَرْتَ بِأَرْضِهِمْ ... وَالْيَوْمَ تُغْلَقُ بِالدِّمَاءِ صِفَاتُ...في دهاليز الصراع المظلم بين عائلات المافيا، لا تبدو الأشياءُ دائماً على حقيقتها؛ فالنصرُ الذي يحتفل به عدوّك قد لا يكون سوى قاع الحفرةِ التي حفرتَها له بيدك، والضحيةُ المقيدة بالسلاسل قد تكون هي الصياد الفعلي الذي يمسك بطرف الحبل. وعندما تلاقت العقولُ الحاذقة في غرف العمليات السرية، تحولت الخيانة إلى سلاح مرتد، وانقشع الضبابُ الليلة عن أكبر مناورة استخباراتية شهدها تاريخ هذا الصراع المرير.ارتدت عقارب الساعة إلى الوراء عدة أيام، وتحديداً إلى تلك الليلة الصاخبة التي أقام فيها قيس حفلته الكبرى لتصفية الحسابات؛ حيث لم يكن صخب الموسيقى أو بريق الكؤوس سوى ستارة مسرحية مضللة، يخفي خلفها "التمساح" عيونه الثاقبة التي ترى كل شيء. كان قيس يعلم يقيناً، ومنذ اللحظة
الفصل الحادي والثلاثون بعد المئة: زئير الفتيل.. وعويل السلاسل***غَدَرُوا بِعَهْدِ الأَقْرَبِينَ وَأَشْعَلُوا ... نَاراً تَسِيلُ قَسَاوَةً وَهَوَانَا ظَنُّوا الذِّئَابَ تَخَافُ زَأْرَ ثِعَالِبٍ ... وَنَسُوا بِأَنَّ لَنَا الحِمَى مِيدَانَا سَنَعُودُ كَالأَعْصَارِ نَقْطَعُ كَفَّ مَنْ ... خَطَّ الخِيَانَةَ أَوْ أَرَادَ أَذَانَا...في تِلك الليلة الشتائية الممطرة التي تحالفت فيها الظُلمة مع المطر الساقط من السماء كالسياط، لم يكن الحصن الحجري وحده مَن يستعد للجحيم، بل كانت خيوط اللعبة بأكملها تُساق نحو مستودع الموت المهجور عند أطراف المدينة المنسية. هناك، حيث تلاشت الإنسانية وتحولت ضمائر الرجال إلى مسالخ للبشر، كان الفتيل يشتعل ببطء، بانتظار الانفجار الكبير الذي سيحرق الأخضر واليابس ويُعيد ترتيب خريطة الدماء بين العائلات.أعاد "دون بوينتا" الهاتف إلى جيبه بقسوة، ليرتسم على وجهه العجوز المليء بالتجاعيد المشوهة نصرٌ زائف ونشوة قذرة. التفت ببطء نحو كاثيا المقيدة إلى الكرسي الحديدي البارد، وتحرك نحوها بخطوات ثقيلة يتردد صدى عصاه المرصعة بالشر فوق الأرضية الخرسانية القذرة، وكأنه ملك الموت ال
الفصل الثلاثون بعد المئة: شراع المأزق.. وزئير الفتيل***سَعَى نَحْوَ الحِمَى وَالقَلْبُ دَامِي ... وَبَيْنَ يَدَيْهِ مَوْتٌ أَوْ خِيَانَةْ تَسِيلُ الرُّوحُ فِي كَفِّ المَنَايَا ... وَيَغْدُو الحُبُّ قَيْداً لِلأَمَانَةْ فَإِمَّا أَنْ يَبِيعَ خَلِيلَ عُمْرٍ ... وَإِمَّا أَنْ يَرَى كَاثْيَا جُمَانَةْ ...لم يكن الحريق الهائل الذي التهم جدران القصر القديم، محولاً أعمدته الرخامية إلى رماد أسود تذروه الرياح، مجرد نيران عابرة تأكل الحجر السقيم أو عقاباً إلهياً حلّ بالمكان، بل كان غطاءً دخانياً أسود كثيفاً صُمم بعناية في غرف العمليات المظلمة. كانت عائلة "بوينتا" الماكرة قد نسجت خيوط هذه المؤامرة بدقة متناهية، محولةً النيران إلى ستارة مسرحية لتنفيذ ضربتها الأكثر خسة وغدراً في تاريخ صراع العائلات الطويل والمرير. في تلك الليلة الظلماء التي انعدم فيها ضوء القمر، لم يكن الرصاص المندفع من الفوهات المجهزة بكاتمات الصوت هو السلاح الأقوى لكسر العظام وتفتيت الإرادات، بل كان الاختيار؛ ذلك الخنجر المسموم الصدئ الذي غُرِز بقسوة في صدر "سام"، ليضعه في برزخ ضيق ومظلم، تتأرجح فيه روحه المعذبة بين ولائه ال
Ratings
reviewsMore