هوس التمساح

هوس التمساح

last updateDernière mise à jour : 2026-03-31
Par:  MajdoulineMis à jour à l'instant
Langue: Arab
goodnovel18goodnovel
10
11 Notes. 11 commentaires
6Chapitres
47Vues
Lire
Ajouter dans ma bibliothèque

Share:  

Report
Overview
Catalog
Scanner le code pour lire sur l'application

اقترب وجهه منها حتى كادت أنفاسه الحارقة تلامس بشرتها المرتجفة، فأغمضت عينيها لا إراديًا، بينما شفتاها تهتزّان من الخوف الذي تسلل إلى أعماقها. ابتسم ابتسامة شيطانية، وهمس بصوت خفيض لكنه زلزل كيانها: - عقابك هذه المرة لن يكون كالسابق، سترين الجحيم بعينه يا نازلي... تجمد الدم في عروقها، وشعرت أن الخوف لم يعد يصف حالتها، بل تخطّته إلى حدود الذعر الحقيقي. لم تدرك كيف تحرر فكها من بين أصابعه، لكنها استغلت الفرصة لتدفعه بكل ما أوتيت من قوة، قبل أن تنطلق هاربة من المكتب بأقصى سرعة. كانت تركض كمن فقدت عقلها، ضحكة هستيرية تفلت منها بينما الدموع تترقرق في عينيها. إحساسها بالهرب المذعور أضحكها، لكن زئيره الغاضب الذي دوّى خلفها كزئير أسد هائج جعل الرعب ينهش قلبها. بأنفاس متلاحقة، اندفعت إلى غرفتهما، ومن هناك إلى الحمام. أمسكَت بمقبض الباب ودارته بأصابع مرتعشة حتى أغلقته بإحكام، ثم نظرت حولها بجنون، باحثة عن أي شيء يسدّ الباب. كان هناك دولاب متوسط الحجم، سحبته بكل ما أوتيت من قوة وجرّته أمام الباب، حتى أصبح حاجزًا بينها وبينه. جلست فوقه، صدرها يعلو ويهبط بعنف، وراحت تفرك أصابعها بتوتر، قبل أن تبدأ بقضم أظافرها، بينما أذناها تترقبان كل حركة تصدر من الخارج. هل سينجح في كسر الباب؟

Voir plus

Chapitre 1

الفصل الأول: قرار بلا عودة

الفصل الأول: قرار بلا عودة

-

--

الحفل يعج بالحضور، أصوات الضحكات والموسيقى تتداخل في سيمفونية صاخبة تملأ الأجواء، الأضواء المتلألئة تنعكس على الثريات الكريستالية المعلقة، فتبث في المكان بريقًا يخطف الأنظار. رائحة العطور الفاخرة تمتزج بعبق الورود المنتشرة في كل زاوية، تكاد تخنق أنفاسها. المكان ينبض بالحياة، لكنه بالنسبة لها كان مجرد ضوضاء لا معنى لها.

وقفت في زاوية بعيدة، تحاول التواري عن الأنظار رغم أن حضورها كان طاغيًا دون أن تبذل أي جهد.

فستانها الأصفر الفاتح يعانق جسدها برقة، ينحني عند أسفل ركبتيها وكأنه يحرص على إبراز أنوثتها دون تكلف. زُيِّنت حوافه بورود بنفسجية كأنها تهمس بأسرار ربيع أبدي. أما حذاؤها ذو الكعب العالي فكان يضفي عليها مزيدًا من الطول والهيبة، لكنها لم تكن بحاجة إلى ذلك؛ وقفتها وحدها كانت كفيلة بأن تلفت الانتباه.

انسدل شعرها الأشقر الطويل في كعكة عشوائية ، وكأنها لم تكترث كثيرًا لتصفيفه والتي تلمع تحت الأضواء الباهرة الجميلة ، ومع ذلك، بدت الخصلات المتمردة التي انسدلت على وجنتيها كأنها اختارت بعناية أن تمنحها سحرًا إضافيًا. لكن، رغم كل هذا، كانت نظراتها تعكس شيئًا آخر... انزعاجًا دفينًا، توترًا لم يستطع مظهرها الأنيق إخفاءه.

لم تكن تعلم أن القدر يخبئ لها مفاجأة ستقلب عالمها رأسًا على عقب...

كانت غارقة في أفكارها، تحاول تشتيت نفسها بأي شيء كي تتجاهل الضجيج المحيط بها. لكنها شعرت فجأة بقشعريرة تسري في جسدها، إحساس غريب لم تفهم سببه، وكأن شيئًا ما على وشك الحدوث. انتفضت قليلًا، رفعت رأسها ببطء، واتسعت عيناها باندهاش وهي تتطلع حولها، تبحث بعينيها عن مصدر هذا الشعور المبهم.

القاعة واسعة، أنيقة، مضاءة بأنوار دافئة تنعكس على وجوه الحاضرين، تبرز تفاصيل المكان الفاخر بكل زخارفه الراقية. الجميع مستمتع، يضحكون، يرقصون، يتحدثون بسعادة وكأن لا شيء في العالم يهمهم سوى هذه اللحظة.

أخذت تمسح القاعة بنظراتها، معظم الوجوه مألوفة... أصدقاء الطفولة، صديقات المراهقة، وأيضًا... بنات عمها وعماتها، كالعادة، تجمعن في زاوية وبدأن بثّ أخبارهن السخيفة، يتهامسن عن آخر المستجدات وكأنهن مراسلات حرب. شعرت برغبة عارمة في التدخل وفضح بعضهن، لكنها لم تكن تملك الطاقة لذلك الليلة.

لكن ما أوقف أنفاسها لم يكن حديث عماتها المزعج، بل شيء آخر... أو بالأحرى، شخص آخر.

هو...

خفق قلبها بقوة، وكأن يدًا خفية امتدت إلى صدرها وانتزعت أنفاسها دفعة واحدة. معدتها انقبضت، وبرودة غريبة سرت في أطرافها. كان يقف هناك، وسط الجميع، طويل القامة كما اعتادت رؤيته، عريض المنكبين، وسيمًا بطريقة مؤلمة، وكأن السنوات لم تترك عليه أثرًا سوى مزيد من الجاذبية.

"قيس...!"

مر اسمه في ذهنها كصاعقة، كأنها نطقت به دون أن تدرك.

ثلاث سنوات...

ثلاث سنوات كاملة لم تره فيها. لم تسمع عنه أي شيء، وكأنه محي من الوجود تمامًا. ولكن كيف يعقل أن يتواجد هنا بالذات

كيف لم تتوقع حضوره؟ كيف لم تخطر الفكرة على بالها؟

لكن... بالطبع، كيف نسيت أنه الصديق المقرب لهذه العائلة؟ لذلك، كان من الطبيعي أن يكون هنا

ازدردت ريقها بصعوبة، محاولة كبح الغصة التي خنقت أنفاسها. كم استغرق الأمر منه ليعود للظهور أمامها سنة بل ثلاث سنوات لعينة وكأن شيئًا لم يكن؟ كيف أمكنهم دعوته بعد كل ما فعله بها؟ ألم يفكر أحدهم للحظة بها، بما قد تشعر به حين تراه؟

لكن بالطبع لا تستطيع أن تلوم هذه العائلة فمن هي لتعطي رأيها في مسألة لا تخصها

لكن الصدمة لم تتوقف عند رؤيته فقط...

كانت بجانبه امرأة... شابة فاتنة ذات شعر قصير تتطاير خصلاته الغجرية والتي تميل إلى الأحمر. لا شك أنها صبغته، فلا يعقل أن يكون هذا لونه الطبيعي هذا ما خطر في بالها وهي ترى تلك الأفعى تضع يدها على صدره وكأنها تمتلكه أيتها اللعينة أزيلي يدك قبل أن أبترها انه لي كدت أن أصرخ بهذا لو لا أني تمالكت نفسي

فما صدمني أكثر لم يكن شعرها، بل نظراتها. كانت تنظر إليه بإعجاب واضح، بعينيها الواسعتين اللتين تتلألآن كأنهما مليئتان بالحب والانبهار. وقفت قريبة منه، أقرب مما ينبغي، كأنها تنتمي إليه، وكأنه... ملك لها وحدها.

من تكون؟ خطيبته؟ زوجته؟

لا، لا يمكن! الطلاق بينهما لم يُتمّ عامه الثالث بعد، كيف يمكن أن يكون قد ارتبط بهذه السرعة؟ أيعقل أن تكون مجرد صديقة؟

ولكن نظرة واحدة إلى الطريقة التي كانت تتشبث بذراعه جعلت الإجابة واضحة.

ضحكت بمرارة، محاولة إقناع نفسها بأنها لا تكترث، لكن الحقيقة كانت أقسى من أن تتجاهلها."بالطبع يمكنه! لم يصدق متى تخلص مني حتى يهرع لأحضان أخرى! اللعنة عليه!"

عضّت على شفتيها بقوة، محاولة كبح العاصفة التي اجتاحت قلبها، لكن طعم الدم المالح على لسانها كان شاهدًا على أن الجرح لم يلتئم أبدًا، وأن الماضي لم يكن يومًا مجرد ذكرى قابلة للنسيان.

كانت تأمل أن تكون هذه الحفلة فرصة للمصالحة... يا لسذاجتها! يا لغبائها! ظنت لوهلة أن الزمن قد يلين، أن الجراح قد تهدأ، أن ما بينهما قد يجد طريقًا للسلام. لكنها كانت مخطئة... مخطئة حد السذاجة.

كيف تجرأت على التفكير بذلك حتى؟

تشنجت أصابعها حول كأس العصير الذي تحمله، وشعرت بذبذبات قلبها تتصاعد بلا هوادة. أجبرت نفسها على التماسك، على ابتلاع كل تلك المشاعر التي اجتاحتها بعنف، تمتمت بتحذير شديد اللهجة لنفسها:

"نازلي، لا تبكي! لا تمنحيه هذا الانتصار!"

لقد قضيتِ شهورًا طويلة تحاولين نسيانه، فلا تنهاري الآن!

لكن جسدها لم يكن مطيعًا كما أرادت، فدمعة ساخنة خائنة أفلتت رغماً عنها، سالت على خدها في خيانة قاسية، فأسرعت بمسحها بيد مرتعشة قبل أن يلاحظها

أحد.

لكن... ذلك الرجل كان يراقبها.

رآها.

ابتسم بسخرية، عيناه المتوهجتان بالانتصار تقولان كل شيء.

"إنها تغار... هذا جيد. فلتغرِ العاهرة، لتجرب ألم الغيرة الذي كنت أعانيه طوال حياتي!"

لكنها لم تكن الوحيدة التي تراقب... لم يفتها أن تلتقط تلك النظرات القاتمة... نظراته هو.

كان يراقبها، وعيناه الفاحمتان تتابعانها بدهشة، وكأنما لم يتوقع رؤيتها هنا.

هل فوجئ برؤيتها؟ أم بشيء آخر لم تستطع تحديده؟

فالحقيقة لم يكن يخطط ابدا للحضور لكن حين علم من صديقه أنها ستأتي أراد رؤيتها ورؤية ما فعل بها الزمن وهل تغيرت لكنها ازدادت جمالا ثم ابتسم ساخرا من نفسه : بالطبع نازلي لطالما كانت امرأة جميلة بل متفجرة الجمال والزمن لم يزدها إلا جمالا أقر ذلك بكآبة

شعرت بغضبه يتسلل إليها قبل أن ينطق شفتاه بكلمة، فقد كان واضحًا في الطريقة التي كان يتفحص بها فستانها المكشوف نسبيًا عند الأكتاف. نظراته كادت تحرقها.

"يبدو أنني لا زلت أحرقك، أليس كذلك يا قيس؟"

هتفت في عقلها بسخرية مريرة، لكن شيئًا آخر اعتصر قلبها...

حتى بعد كل هذه السنوات، لا يزال يغار!

---

تلاقت نظرهما، فاصطدمت عيناها السماوية بزرقة عينيه الحالكة. للحظة، شعرت وكأن الزمن توقف، وكأن كل الضجيج حولها تلاشى، ولم يبقَ في هذا العالم سوى هي وهو... وصمتهما الثقيل.

قيس لم يرمش، لم يشح بنظره بعيدًا، بل ثبت عينيه عليها بتحدٍّ واضح. لم تكن نظراته دافئة ولا مشتاقة، لم يكن فيها حنين لحب قديم أو حتى ندَم على ما مضى... بل كان فيها شيء آخر تمامًا.

غضب

غضب حاد، متوحش، مكبوت، وكأنه كان يشتعل بداخله منذ زمن طويل ولم يجد الفرصة لينفجر. لكن ما جعل قلبها يضطرب فعلًا لم يكن غضبه، بل طريقته في النظر إليها... وكأنها لا تزال تخصّه.

كأنها لا تزال ملكًا له.

قبضت أصابعها على الكأس في يدها، حتى كادت تحطّمه. لا! لا يمكن أن تسمح له بذلك. لن تدعه يشعر لثانية واحدة بأنه لا يزال يسيطر عليها.

رفعت ذقنها ببطء، وابتسمت... ابتسامة ناعمة، هادئة، لكنها كانت محمّلة بكل معاني التحدي

و

كأنها تقول له دون كلمات: "أنا لم أعد لك. ولم أعد أكترث."

رأت كيف شدّ فكه بقوة، كيف تقلّصت أصابعه حتى كادت عروقه تنفجر، كيف اشتدت نظراته كأنه يكافح رغبة في التقدم نحوها... لكنه لم يفعل.

بل استدار فجأة... وأمسك بيد تلك المرأة ذات الشعر الأحمر الغجري ، ثم انحنى قليلًا وهمس لها بشيء جعلها تضحك برقة، وتتشبث بذراعه أكثر.

لم تتغير تعابير وجه نازلي، لم تهتز ابتسامتها، لكنها شعرت بشيء غريب... شيء أشبه بوخزة باردة في قلبها، لم تكن ألمًا تمامًا، بل كانت أقرب إلى انقباض مفاجئ، خاطف، لكنها تجاهلته مؤقتا وإن لم تكن تستطيع تجاهله لوقت طويل

رفعت كأسها بهدوء، رشفت منه القليل، ثم أعادت تركيزها على الرجل الذي كان يجلس أمامها، نزار، الذي كان يتابع المشهد بينهما بصمت، ملامحه تحمل مزيجًا من التسلية والاهتمام.

"أتودين الرحيل؟" سألها بصوت منخفض، وكأنه يعلم أن وجودها في هذا المكان بات خانقًا.

لكنها هزت رأسها ببطء، وعادت تبتسم، بملامح لم تكن تعكس شيئًا سوى الثقة الباردة: "ولما أرحل؟ أنا مستمتعة جدًا"

كان على وشك الرد، لكن صوتًا آخر قاطع حديثهما...

"هذا مثير للاهتمام."

تجمدت للحظة، قبل أن ترفع عينيها نحو صاحب الصوت... لتجده واقفًا أمامها، طويلًا، شامخًا، بملامحه التي لم تتغير أبدًا رغم مرور الزمن، لكن هناك شيئًا جديدًا فيها... شيئًا قاتمًا، غامضًا، يوحي بالخطر.

قيس.

كان قد ترك المرأة ذات الشعر الأحمر في مكانها، وأتى مباشرة إليها، وكأنه لم يعد يستطيع تجاهل وجودها.

وقف قريبًا جدًا، أقرب مما ينبغي، حتى كاد الهواء بينهما يشتعل من التوتر. نظر أولًا إلى سامر، كأنما يقيّمه بنظرة واحدة، ثم عاد إليها، نبرته تحمل شيئًا ساخرًا عندما قال: "إذن، نازلي، أنتِ مستمتعة؟"

لم ترد فورًا، بل رفعت حاجبها ببطء، وكأنها تستغرب سؤاله. ثم ابتسمت مجددًا، ابتسامة لم تصل إلى عينيها، قبل أن تهمس بصوت ناعم، لكنه كان حادًا كالسكين:

"جدا."

لمعت عينا قيس لوهلة، لكنه لم يبدُ غاضبًا... ليس تمامًا على الأقل. بل كان أشبه بمن يختبر صبره، من يراقب فريسته وهي تحاول الهروب، لكنه يعلم أنها ستقع في قبضته عاجلًا أم آجلًا.

مال قليلًا نحوها، حتى كاد صوته يلامس أذنها حين قال بنبرة خافتة، لكنها مشبعة بالتحذير: "حسنًا، فلنرَ إلى أي مدى سيستمر هذا الاستمتاع، زوجتي.

-زوجتك استدارت له مصدومة رغم علمها المسبق باستحالة هذا الأمر أعني كيف تكون زوجته وهو بنفسه من قد طلقها قبل سنوات وأن ذلك غير صحيح إلى أنها أحبت دفعه إلى ذلك المدى لتعرف نواياه : أنسيت أننا مطلقان أم ماذا!!

ضحك قيس بمرارة شديدة وقال: بالطبع لا ومن ينسى لكني أحببت أن أذكرك أنك ملكي بزواج أو بغيره

ارتجت قبضاها وكادت أن تنقض على وجهه لتبرحه ضربا جاعلة وجهه الوسيم خريطة لغضبها

لكنها تماسكت بصعوبة بالغة قائلةً : قيس احترم نفسك واذهب لزوجتك تلك بالمناسبة أهنئك على حسن ذوقك تبدو جميلة جدّاً فدعني أنا بسلام

ارتجفت أصابعها فوق الكأس لثانية، لكن تعابيرها لم تتغير. لم تسمح لنفسها بأن تُظهر أي ضعف أمامه، خاصةً الآن، خاصةً وهو ينظر إليها بتلك الطريقة التي تشبه التهديد المغلف بالهدوء.

نزار شقيق صديقتها والذي يكبرها بسنة واحدة ويبدو انه واقع بحبها يعرف قيس حق المعرفة الذي كان يراقب بصمت، أدرك أن التوتر بينهما تجاوز كل الحدود. وضع كوعه على الطاولة واتكأ براحته على يده، قبل أن يبتسم ببطء: "هذا مثير فعلًا. لكن، ألا ترى أنك تقف بطريقة غير لائقة، قيس؟ أعتقد أن نازلي وأنا كنا في منتصف حديث مهم."

تحولت نظرة قيس إليه ببطء، وكأن صبره بدأ ينفد. للحظة، بدا كأنه سيتجاهله تمامًا، لكن بدلًا من ذلك، ابتسم... ابتسامة خالية من أي دفء.

"حديث مهم؟" كرر الكلمات وكأنها مزحة، قبل أن يضيف ببرود قاتل: "وأنا أعتقد أن نازلي لديها التزامات أخرى... معي."امتدت يده فجأة، لكنه لم يلمسها. فقط أبعد الكأس من أمامها بحركة هادئة، كما لو كان يؤكد سيطرته، وكأنه يذكرها بأنها ليست حرة كما تحاول أن تبدو.

لكنها لم تنحنِ. لم تتراجع.

بدلًا من ذلك، وضعت كفها على الطاولة، وأسندت ذقنها إليها، ناظرةً إليه ببرود مماثل: "وهل تتوقع أن أترك طاولتي وأتبعك كالخادمة، فقط لأنك قررت ذلك؟"

لمعت عيناه، وهذه المرة، كان هناك شيء خطير في نظراته، شيء لم تكن تريد مواجهته هنا، أمام الجميع.

لكنه لم يرد فورًا. فقط تراجع خطوة إلى الخلف، وكأنما يترك لها مساحة لتقرر... أو على الأقل، هذا ما أرادها أن تظنه.

ثم قال بصوت خفيض، بالكاد يُسمع، لكنه حمل معه الوعد والتهديد معًا:

"أوه، نازلي... ستتبعينني، لكن ليس لأنني قررت. ستفعلين... لأنك لا تملكين خيارًا آخر."

ساد صمت ثقيل بعد كلماته، كأن المكان كله احتبس أنفاسه، منتظرًا ردة فعلها. كانت نازلي تدرك جيدًا أن قيس لا يلقي التهديدات عبثًا، وأنه يعني كل حرف يقوله... لكن ذلك لم يكن كافيًا ليجعلها تتراجع. ليس اليوم. ليس بعد كل ما حدث.

نفضت خصلة شعر وقعت على كتفها، ثم استقامت في جلستها، تقابل عينيه دون خوف، بل بابتسامة صغيرة مستفزة، وهي تقول ببطء:

"لدي دائمًا خيار، قيس. حتى لو كنت تظن العكس."

كلماتها لم تمر مرور الكرام، فقد بدا التغيير واضحًا في ملامحه، كأنها ضغطت على وتر حساس لم يكن عليها لمسه. ثوانٍ مرت، ثم فجأة، تحرك.

مد يده إلى معصمها، لكنها توقعت ذلك. سحبت يدها في اللحظة الأخيرة، ونهضت من مقعدها بنفس هدوئه، وهي تضيف بابتسامة متزنة:

"إذا كنت انتهيت من استعراض قوتك، فأنا سأكمل حديثي مع صديقي"

كان تحديًا صريحًا، وكأنها تختبر حدود صبره... لكن، ما لم تكن تدركه، هو أنها قد دفعت به إلى حافة خطيرة جدًا.لم يكن الغضب ظاهرًا على وجهه، بل العكس تمامًا-كان هادئًا إلى حد مرعب. ابتسامته لم تختفِ، لكن عينيه أصبحتا أعمق، مظلمتين كأمواج بحر هائج.

وفي جزء من الثانية، تحرك.

لم يمنحها الفرصة للهروب هذه المرة. قبض على معصمها بإحكام، ليس بنية الإيذاء ، بل بإصرار لا جدال فيه، قبل أن يجرها نحوه بخطوة واحدة.

اقترب منها حتى لم يعد بينهما سوى أنفاسهما المتلاحمة، ثم همس بصوت منخفض، لكنه كان مليئًا بالسلطة واليقين:

"أنتِ لا تفهمين، نازلي... أنا لا أستعرض قوتي، أنا فقط أذكّرك بمن تكونين."

رعشة غير مرئية سرت في عمودها الفقري، لكنها لم تستسلم. لم تترك لعينيه أن تكسراها.

لكن، رغم كل تماسكها، كانت تعلم...

قيس لم يكن يكأنها

لحظة الصمت بينهما كانت تحمل ثقلًا لا يُحتمل، كما لو أن الزمن نفسه توقف يترقب نتيجة هذا الصدام.

كانت نازلي قريبة جدًا منه، أقرب مما ينبغي، لكنها لم تتراجع. رغم إحكام قبضته على معصمها، ظلت عيناها متشبثتين بعينيه، متحدية، عنيدة، ترفض أن تكون مجرد قطعة أخرى في لعبته.

"ومن أكون إذن، قيس؟" نطقتها ببطء، وكأنها تلقي عليه التحدي مباشرة.

مرر نظراته على ملامحها الجميلة فعلا هي أجمل امرأة في الكون جمالها يسلب العقول ويدمي الأبصار، كأنما يحاول أن يستوعب جنونها، جرأتها، عنادها المستفز. ثم فجأة، انحنى قليلًا حتى أصبحت أنفاسه تلامس وجنتها، وهمس بصوت منخفض لكنه عميق، نافذ إلى أعماقها:

"أنتِ زوجتي، وهذا وحده يكفي ليجعل خياراتك محدودة بل هي معدومة."

ورغم عنها وجدت نفسها تصحح له: طليقتك قيس أنا طليقتك ولست زوجة لا تنس هذا!!

رد ببرود ولا زال يجرها خلفه : لا يهم الصفة ما دمت لي!!

اهتزت أنفاسها لوهلة، لكنها تماسكت، بل أطلقت ضحكة قصيرة، ساخرة، قبل أن ترد بسلاسة:

"لك؟ هل هذه حقيقة أم مجرد كذبة تكررها حتى تصدقها؟"

شيء ما في ملامحه تغير عند سماع كلماتها. لم يكن الغضب هذه المرة، بل شيء أعمق، أكثر خطورة، كأنها

اقتربت من منطقة محظورة لم يكن عليها تجاوزها.

وفجأة، ترك معصمها، فقط ليضع يده أسفل ذقنها، يرفع وجهها قليلًا نحوه، يجبرها على مواجهته بالكامل.

"أنتِ لي، نعم نازلي، سواء قبلتِ بذلك أم لا. لا يهمني كم ستقاومين، في النهاية..." توقف للحظة، ثم أكمل بصوت أكثر انخفاضًا، لكن بحدة تكاد تجرحها: "ستدركين أنكِ لم تملكي خيارًا منذ البداية."

كانت كلماته كصفعة غير مرئية، لكنها لم تردّ فورًا. فقط حدقت به، بذاك الغموض الذي أحاط بها، بتلك السلطة التي يدّعيها، ثم همست:

"سنرى، قيس..."

ثم، قبل أن يمنحها الفرصة لفعل أي شيء آخر، وجد نفسه يمسك بها مرة أخرى، لكن هذه المرة... لم يكن هناك مجال للهروب كانت تتحرك بعشوائية بين يديه، تتخبط كأنها نعجة تُساق للذبح، تحاول الإفلات من قبضته التي كانت أقوى من إرادتها المرتجفة. كانت كلماته كسياط تلهب قلبها، لكنها رفضت أن تُظهر ضعفها، فصرخت بغضب، بينما تحاول دفعه بعيدًا عنها:

"اتركني! ليس لك أي حق في ذلك! لم أعد زوجتك قانونيًا، لذا ابتعد عني... دعني أعيش حياتي!"

لكن صرختها لم تثر فيه إلا الضحك، ضحكة مستفزة، متعجرفة، كانت غايتها الواضحة أن تثير غضبها أكثر، أن يشاهدها تشتعل كجمرة بين يديه. انحنى قليلًا، حتى صار صوته قريبًا من أذنها، هامسًا بسخرية قاتلة:

"أدعكِ؟ هل رأيتِ أحدًا من قبل يترك أسيرته الحبيبة تهرب؟"

زاد من إحكام قبضته على معصمها عندما لاحظ محاولتها الأخرى للتراجع، مكملاً بصوت أكثر قسوة، نبرته تحمل خليطًا من الغضب والتهكم:

"ولكنكِ هربتِ مني... طوال ثلاث سنوات هربتِ، وعدتِ إلى منزل أبيكِ كطفلة صغيرة، غبية، ساذجة... تظنين أن أحدًا سيحميكِ مني؟ في الواقع، نازلي، أنا من تركتكِ تهربين ذلك اليوم ."

تجمدت للحظة، نظراتها اتسعت بانفعال، كأنها تحاول استيعاب كلماته، لكنه لم يمنحها الفرصة لذلك، بل أكمل

ببطء، وكأن كل حرف يخرج من فمه كان كالسم يتغلغل داخلها:

"لم أكن أنوي البحث عنكِ، لم أشأ ذلك، لم يكن لدي الوقت لاهتمام كهذا. عملي ذلك العمل الذي تخافين منه أجبرني على البقاء بعيدًا عنكِ طيلة هذه السنوات، وهذا هو الشيء الوحيد الذي حال دون أن أعيدكِ رغماً عنكِ لأكسر عنقك يا فتاتي البلهاء الصغيرة .."

ارتجفت وشعرت برغبة في الهرب إذن هو يعترف بالحقيقة فهو مجرم لكن حتى مع علمها بهذا هي،لا تستطيع إلا أن تدافع عن نفسها بقوة وكأن القطة الشرسة التي في داخلها قد انتفضت فقالت

، وكأن المسافة بينهما لم تعد موجودة، نظرته كانت ثاقبة، تمتلكها، تطوقها بسلاسل لا مرئية، قبل أن يهمس ببطء، كأنه يطبع كلماته في روحها:

"ولكن الآن... لا شيء سيمنعني من استرداد ما هو لي وحقي ."

شعرت بقلبها يسقط في قاع معدتها، بالخوف يمتزج بالغضب، باليأس يتصارع مع رفضها المطلق. لكنها لم تكن نازلي التي عرفها سابقًا، لم تكن تلك الطفلة التي تركها خلفه. ورغم كل شيء، رغم رعشة أصابعها، رغم القيود التي لم تستطع كسرها، رفعت عينيها نحوه بثبات، وردّت بجمود:

"أنا لست لك، قيس... ولن أكون أبدًا."

كان هذا وعدًا... لكنها لم تكن تعلم بعد إن كان وعدها سيصمد، أم أن سجن قيس كان أقوى مما تخيلت

نظر إليها بصمت، عيناه الزرقاوان تتأملان تمردها كما لو كانا يتحديانه. للحظة، لم يقل شيئًا، فقط حدّق فيها، في عينيها المشتعلتين بالغضب، في شفتيها المرتجفتين رغم تظاهرها بالصلابة. ثم، وبكل هدوء قاتل، رفع يده وأبعد خصلة من شعرها كانت قد انسدلت على وجهها، قبل أن يهمس بصوت خافت، لكنه مشحون بخطر خفي:

"ليس بعد، نازلي... ليس بعد."

قبل أن تستطيع الرد، وجدت نفسها تُسحب نحوه بعنف، حتى اصطدمت بصدره الصلب، كأن الجدران تحكمت بحركتها، تحاصرها بين ذراعيه دون أن تمنحها فرصة للهروب. حاولت أن تتراجع، أن تقاوم، لكن قبضته كانت محكمة، كأنها قيد لا يمكن كسره.

"أطلق سراحي، قيس!" صاحت بغضب، وعيناها تتوهجان كالنار، لكن صوته أتاها هادئًا، مستفزًا:

"أطلق سراحكِ؟ وأضيّع عليكِ فرصة الاعتراف بالحقيقة؟"

تجمدت للحظة، ارتبكت، لكن نظراته لم تمنحها فرصة للتظاهر بعدم الفهم.

"أي حقيقة؟" تلعثمت، لكنه اقترب أكثر، أنفاسه تلامس بشرتها، وكلماته تتسلل إلى عقلها كسم زعاف:

"أنكِ لي، شئتِ أم أبيتِ. أن هذه السنوات الثلاث لم تمحُني منكِ، ولم تمحُكِ مني."

أطبقت أصابعها على كفيه في محاولة لتخليص نفسها، لكنها لم تفلح. لم يكن يمسك بها فحسب، كان يسيطر على كل ذرة فيها، على أنفاسها، على نبضها المرتجف.

حاولت أن تصرخ، أن تقاوم، لكنه سبقها، همس بصوت خافت لكنه مزلزل:

"أكملي كذبتكِ، قوليها مرة أخرى، أنكِ لم تعودي لي، أنني لم أعد أحرك شيئًا داخلكِ... لكن تذكري، نازلي، عيناكِ تخونانكِ دائمًا."

حاولت أن تزيح عينيها عنه، أن تهرب من عمق نظرته، لكنها كانت عالقة، مجبرة على مواجهة الحقيقة التي لم تكن مستعدة للاعتراف بها.

لكنها رفضت، بلعت ضعفها، واستجمعت ما تبقى من شجاعتها، ثم همست، بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا:

"أنا لم أعد لكَ، ولن أكون أبدًا."

هذه المرة، لم يبتسم، لم يسخر. فقط، صمت، وفي عينيه لمع بريق خطير، بريق لا يبشر بالخير.

ثم، فجأة، أطلق سراحها، لكن ليس قبل أن يمرر أصابعه ببطء على ذراعها، لمساته كالنار التي تترك أثرها حتى بعد زوالها.

تراجعت، كأنها خرجت لتوها من قفص خانق، لكن قلبها ظل ينبض بجنون، وكأن جسدها لم يستوعب حريته بعد.

أما هو، فظل يراقبها، كأن ما حدث للتو لم يكن سوى بداية لعبة طويلة، لعبة هو فقط من يعرف قواعدها.

ثم ابتسم أخيرًا، ابتسامة تحمل أكثر مما قد تحتمل، وقال بصوت خافت، لكنه حمل وعدًا قاتلًا:

"سنرى، نازلي... سنرى."

عادت إلى القاعة بخطوات متعثرة، يكسو وجهها شحوب لم تستطع إخفاءه، وشعرت بأن العيون من حولها تراقبها، تلاحظ ارتباكها، تتساءل بصمت عما حدث لها. لم تعد قادرة على البقاء هنا، فكل شيء من حولها بدا ضبابيًا، والضجيج بات طنينًا مؤلمًا في رأسها.

وضعت يدها على جبينها، محاولة تهدئة الصداع الذي بدأ يلتهم عقلها كوحش جائع. لم يعد بإمكانها احتمال المزيد، فقررت أن تتصل بأخيها جواد ليأتي ويعيدها إلى المنزل قبل أن تنهار تمامًا. تحسست هاتفها داخل حقيبتها بسرعة، وعيناها تبحثان عن زاوية هادئة بعيدًا عن الأضواء والعيون المتطفلة.

لكن، قبل أن تتمكن حتى من كتابة الرقم، أحست بظل ثقيل يحجب عنها الضوء. تجمدت أصابعها فوق الشاشة، ورفعت رأسها ببطء، لتجد أمامها وجهًا مألوفًا، مألوفًا حدّ الألم.

زاكي.صديق،طفولتها وأيضا ابن عمتها

كان يقف فوق رأسها، ينظر إليها نظرة ثابتة، غامضة، كأن عينيه تخترقانها، تفتشان في داخلها عن إجابة لسؤال لم ينطقه بعد. لم تقل شيئًا، ولم يفعل هو، فقط ظل يراقبها بصمت جعل قلبها يضطرب أكثر.

ابتلعت ريقها بصعوبة، أدركت أنه رأى حالتها، أن نظراته لم تكن عابرة، بل كانت تحمل معنى أعمق، معنى لم تكن مستعدة لمواجهته الآن.

تفاجأت برؤيته، بل صُدمت حتى كادت تتراجع خطوة للوراء، وكأن الزمن أعادها إلى لحظة لم تكن مستعدة لاسترجاعها. رمشت مرتين، تحاول استيعاب الأمر، قبل أن تتسلل الدهشة إلى ملامحها وهي تهمس باسمه:

- "زكريا؟! مستحيل...! عاش من شافك! لكن... ماذا تفعل هنا؟"

كان صوتها يحمل مزيجًا من المفاجأة والتساؤل، وكأن وجوده في هذا المكان ضرب من الخيال. لكنه، على عكسها، بدا هادئًا تمامًا، وكأنه كان يتوقع رد فعلها. رفع حاجبه بخفة وقال بنبرة ساخرة:

- "أنسيتِ أن وليد صديقي المقرب؟ لقد دعاني لحضور زفافه، فكيف لي أن أرفض؟ مع العلم أنني وصلت اليوم فقط، ولا أخفيكِ أنني متعب جدًا."

راقبت تعابيره لحظة، وكأنها تحاول التأكد مما إذا كان يخفي خلفها شيئًا آخر، ثم ضحكت ضحكة قصيرة، خفيفة، محاولة كسر الجدية التي طغت على الموقف. رفعت يدها برفق ووضعتها على كتفه قائلة بمودة:

- "مسكين! لكن لا تقلق، فبمجرد انتهاء الحفل، ستذهب إلى المنزل مباشرةً وترتاح."

ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة، لكنها لم تصل لعينيه. لم يعلّق على كلماتها، وكأن صمته يحمل أكثر مما قد تقوله الكلمات. لحظة عابرة، لكنها حملت بين طياتها سنوات من الذكريات غير المنسية بعد صمت قصير، تأمل فيها زكريا بعمق، وكأنه يحاول قراءة شيء ما خلف تلك الملامح التي لم يرها منذ زمن. ثم قال بنبرة هادئة، لكنها تحمل اهتمامًا صادقًا:

- "وأنتِ؟ كيف حالكِ، نازلي؟ هل أنتِ بخير؟ ماذا عن عمي وخالتي؟ وجواد... هل ما زال ذلك المشاغب يصنع المقالب لكِ؟"

كلماته أعادت لها ذكرى السنوات الماضية، وجواد الذي لم يتغير قط، كان دومًا الشقي الذي يزرع الفوضى في حياتها. لم تستطع منع نفسها، انفجرت ضاحكة، ضحكة عالية لم تستطع كبحها، كانت خفيفة، مرحة، وصادقة... لكنها لم تمر مرور الكرام.

جذبت ضحكتها بعض الأنظار القريبة، مما جعلها تُخفض رأسها قليلًا محاولة تهدئة نفسها. لم تكن تعلم أن هناك من استمع لصوتها... ولم يكن أي شخص.

في تلك اللحظة، كان قيس قد دخل القاعة، متجهًا نحو الداخل بخطوات واثقة، لكن ما أوقفه فجأة هو ذلك الصوت، صوتها... ضحكتها. كان الأمر كالسهم الذي أصاب صدره، لكنه لم يكن سهم شوق أو حنين، بل سهم غضب جامح.

التفت بسرعة نحو مصدر الصوت، وعيناه التقطتا المشهد أمامه: نازلي تضحك بحرية، بطريقة لم يرها بها من قبل، وأولئك الرجال... كيف يجرؤون؟ كيف ينظرون

إليها بتلك العيون الوقحة؟ شهوانية، جائعة، وكأنهم يفترسونها بنظراتهم!

شعر بنار الغضب تشتعل في داخله، قبضته تشددت حتى كاد يسمع صوت عظامه تطرق ببعضها البعض، نظرته أصبحت سوداء حالكة، وقلبه ينبض بجنون، تمتم بين أسنانه بصوت منخفض لكنه يحمل نذير شؤم:

- "هناك عدد من الرؤوس ستطير الليلة يا نازلي... وأنتِ السبب."

كانت كلماته أشبه بوعد مخيف، وعد أن هذه الليلة لن تمر بسلام.

كانت تضحك بقوة دون أن تشعر إلا بقرصة مفاجئة جعلتها تتأوه بصوت خافت، وحين استدارت لترى الفاعل، وجدت أمامها قيس يحدّق بها بحدة، نظراته كانت أشبه بنصل حاد يضغط على عنقها، مما جعلها تبتلع ريقها بخوف قبل أن تستدير بسرعة، متظاهرة بتجاهله، بينما زاكي تابع حديثه غير مدركٍ للغضب المتصاعد خلفها.

بدأ ابن عمها يسرد بعض المواقف الطريفة، لكنها لم تكن تستمع له بتركيز، عقلها كان مشوشًا، مشغولًا بالشخص الذي يقف خلفها تمامًا، إلا أن زاكي قطع شرودها بقوله فجأة وبكل صراحة:

- "أتعلمين؟ بدوتِ جميلة عندما ضحكتِ، وأكاد أجزم أن العريس نفسه كان سيترك عروسه ويتزوجكِ لو سمعكِ!"

تفاجأت بجرأته، لكنها حاولت مجاملته بمزاح خفيف قائلة بابتسامة:

- "شكرًا على الإطراء، زاكي، لكنني لست مجنونة لأخطف عريس صديقتي!"

ضحك وهو يومئ برأسه، ثم سألها بجدية غير متوقعة:

- "على ذكر العريس، ألا زلتِ لم تتزوجي بعد؟"

أطلقت ضحكة قصيرة هذه المرة، مع حرصها على خفض صوتها قليلًا:

- "لا، لقد تزوجت وطلقت ولكن لو وجدتُ شابًا وسيما مرة أخرى مثلك، فلن أمانع."

رمقها بمكر قائلًا:

- "نازلي، أتحاولين مغازلتي؟"

قهقهت وهي تلوّح بيدها بلا مبالاة:

- "لا، كنتُ أمزح فقط. أين أنا وأين الزواج؟ تجربة واحدة كما تعلم تكفيني وتزيد!"

أومأ زاكي متفهمًا، ثم قال بنبرة مفاجئة وحاسمة:

- "إن شاء الله تجدين... أو ربما لا تحتاجين للبحث، لأنني اليوم، بعد الحفل، سأذهب لمنزلكِ وأطلب يدكِ من والديكِ."

وكأن الأرض لم تعد موجودة تحت قدميها، تجمدت في مكانها، ظنّت لوهلة أنه يتحدث عن فتاة أخرى، فقالت بارتباك:

- "هل ستذهب اليوم لخطبتها؟ وهل الفتاة موافقة؟ انتبه كي لا تقع في الفضيحة رفع حاجبيه مستغربًا قبل أن ينفجر ضاحكًا وهو يهزّ رأسه:

- "أي فتاة يا مجنونة؟ أنا أتكلم عنكِ أنتِ، نازلي."

اتسعت عيناها في صدمة، عقلها رفض استيعاب كلماته، فقالت بتلعثم:

- "ماذا؟ ولكني مطلقة!هل تمزح معي، زاكي؟"

هز رأسه نافيًا بابتسامة جادة:

- "أنا في قمة الجدية، نازلي. بعد الحفل، سأذهب إلى منزلكِ وأطلب يدكِ من عمّي وعمتّي ثم اني كنت أفكر فيك منذ صغرنا ولو لا خطف قيس لك وسرقتك مني لكنت زوجتي أنا."

شعرت وكأن الهواء قد انقطع عنها، نظرت إليه غير مصدقة، ثم تلعثمت محاولة الهروب من هذا الموقف:

- "زاكي، هل أنت متأكد مما تقوله؟ لا تكن مندفعًا، الزواج ليس مزحة."

نظر إليها بعينين ثابتتين وهو يجيب بحزم:

- "أنا لا أمزح، نازلي. لطالما كنتُ أريدكِ، لكن الظروف لم تكن مناسبة. اليوم، لن أضيّع الفرصة"

ارتبكت أكثر، لم تعرف كيف ترد. حاولت أن تضحك وكأنها لم تأخذ الأمر بجدية، لكنها شعرت بعيون تراقبها... عيون تحترق بنيران الغضب!

استدارت ببطء، لتجد قيس واقفًا في الجهة المقابلة، ملامحه مظلمة كعاصفة على وشك الانفجار، وعيناه تضيقان بخطر واضح، بينما قبضته تعتصر كأس الشراب الذي يحمله حتى كادت تتكسر بين أصابعه.

همس بين أسنانه وهو يرمقها بنظرة باردة تحمل وعيدًا:

- "هناك عدد من الرؤوس ستطير الليلة يا نازلي... وأنتِ السبب!"

ش

عر زاكي برفضها الصامت، لكنه لم يكن مستعدًا للسماح لها بالهرب منه مجددًا. لقد تركها مرة، لكنه لن يكرر خطأه ثانية. يعرف جيدًا كم تتمسك بالمبادئ والقيم، وكيف نشأت تحت تربية عمه الجنرال الصارمة. لهذا، قرر أن يحسم الأمر بطريقة لا تترك لها مجالًا للرفض. وأمام الجميع، اتخذ قراره بإعلان زواجه منها!

جلس العريس والعروس أمام المأذون، وبدأ بقراءة الآيات القرآنية، وسط أجواء احتفالية هادئة. ولكن فجأة، وعلى حين غرة، هب زكريا واقفًا، رفع يده ليوقف المأذون، وقال بصوت ثابت أمام الجميع:

- "لحظة، شيخنا، قبل أن تتابع..."

لعنت نازلي حظها العاثر، أغمضت عينيها بيأس، وهي تدرك تمامًا ما ينوي هذا الرجل فعله. حاولت أن تستوعب، أن تجد طريقة للهروب من هذا العبث، لكن لا فائدة.

في لحظة، تجمد كل شيء. هدأت الأحاديث، توقفت الضحكات، وساد القاعة صمتوافقتِ

مشحون بالدهشة والاستغراب.

كل الأنظار التفتت إليه، لكن نازلي شعرت بها كأنها سكاكين تخترقها، تثقبها بحدة، تسحب أنفاسها وتجذبها إلى دوامة من الذهول والصدمة

هل هو جاد؟ هل ينوي حقًا المضي في هذا؟ هل فقد عقله؟!

قبضت على طرف فستانها المرتجف، محاولة استيعاب الموقف، محاولة التنفس، محاولة إيجاد أي تفسير لهذا الجنون الذي انفجر وسط الحفل دون سابق إنذار.

رأته يحدق بها بثبات، لكن خلف هدوئه، كانت هناك شرارة توتر دفينة، كأنه يعلم أنها سترفض، لكنه قرر ألا يمنحها تلك الفرصة.

همست بصوت حذر، بالكاد خرجت كلماتها المرتجفة من بين شفتيها:

- "زكريا، ما الذي تفعله؟ أرجوك... لا تفعل! ليس أمام هذا الوحش والذي من الواضح أنه سيدمرك إن قلت شيئا لا يعجبه لذا لا تتهور"

لكن زاكي لم يلتفت إليها، لم يسمعها، أو بالأحرى، رفض أن يسمعها.

الهمسات المصعوقة بدأت تتصاعد، كاللهيب يزحف ببطء ليحرق الأجواء، بينما هو ظل ثابتًا، شامخًا، صوته قوي وواضح، لا يحمل أي تردد وهو يلتفت نحوها مجددًا ليقول أمام الجميع:

- "بما أننا مجتمعون في هذه المناسبة السعيدة، وبين الأهل والأحبة، أتقدم بطلب يدكِ، يا نازلي علامة ، على سنة الله ورسوله. أتمنى أن توافق وإن وافقتِ

يا حبيبتي، فسنذهب الآن إلى منزلكِ ونقيم زفافنا!"

يا الله!

كأن أحدهم سكب دلوًا من الجليد فوق رأسها. تجمدت أنفاسها، وجفّ لسانها داخل فمها. للحظات، لم تفهم، لم تستوعب، وكأن الكلمات لم تصل إلى عقلها بعد.

أنا؟ أتزوج؟! وأمام قيس؟!

هذه ليست لعبة!

حدقت به بصدمة مزيجة بالرجاء، كادت تبكي لمجرد الفكرة. إنها كارثة! كارثة بكل المقاييس!

في داخلها، توسلت لله أن يوقف زاكي عن هذا العبث، أن يقول إنه يمزح، أن يتراجع، لكن لا... زاكي لم يكن يمزح، ولا يبدو أنه سيتراجع.

أطلقت أنفاسًا متوترة، حدقت به بعيون ثابتة قوية، محاولًا ألا تبدو مهزوزة، قبل أن تقول بنبرة جادة رغم اضطرابها:

- "زاكي، في الحقيقة لا أدري ما أقوله لكَ، لكن الزواج ليس قراري وحدي، إنه قرار أبي وأمي وعائلتي. لذلك، إن كنت تريد الزواج بي، فعليك أن تتوجه لمنزلي أولًا."

وحين رفعت عينيها والتقت بنظرة قيس الساخرة، أكملت بعناد مقصود، كأنها أرادت أن تستفزه أكثر:

- "وأنا واثقة بأن أبي لن يردّك!"

يا لي من حمقاء!

بمجرد أن نطقت بذلك، أدركت حجم الخطأ الذي ارتكبته. كادت تلعن نفسها، وهي ترى كيف اشتدت ملامح قيس بجنون، كيف قبض على يده بقوة حتى كادت عروقه تبرز، وكيف أصبح الشر المتوهج في عينيه كالنار التي تهدد باجتياح كل شيء في طريقها.

يا إلهي... ماذا فعلتُ؟! قيس سيقتلني بأبشع الطرق الآن!

ف

ي اللحظة التي قرأت فيها الرسالة، تجمدت أطرافها كليًا، شعرت بقشعريرة عنيفة تسري في جسدها، بينما اصطكت أسنانها ببعضها البعض. رسالة قصيرة، بضع كلمات فقط، لكنها كانت كافية ليُخيم الرعب على كيانها بالكامل.

"انتظرك في الحمام، لا تتأخري."

تبعها ملصق على شكل مسدس، وكأنه يوجه تهديدًا صريحًا.

شهقت بصوت خافت، وضغطت أصابعها على الهاتف حتى تبيّنت عظام مفاصلها. شعرت بأن الدنيا تضيق بها، تبتلعها كما لو أنها عالقة وسط دوامة لا نجاة منها.

"يا إلهي... ماذا أفعل الآن؟! قيس لن يسامحني، لن يغفر لي ما فعلت! لا، بل سيعاقبني، وهذا أسوأ ألف مرة!"

استدارت ببطء، متجاهلة الرعشة التي تسري في جسدها، ثم أسرعت إليه رغم أن كل خلية في جسدها كانت تصرخ بها للهرب.

---

كان قيس متكئًا على الباب، ذراعيه معقودتان فوق صدره، ملامحه تحمل برودًا قاتلًا، ونظراته... يا الله، نظراته وحدها كفيلة بأن تزلزل أقوى الرجال.

-"قيس...؟!"

حدّق بها نظرة اخترقت أعماقها، نظرة لم ترَها من قبل، حادة، مجنونة، مزيج من العتاب والغضب والامتلاك، جعلت أنفاسها تتقطع.

اقترب خطوة، صوته خافت لكنه محمل بالوعيد:

-"أوه، نازلي... أخبريني، ما الذي سأفعله بك؟ أأقتلك؟ لكن... خسارة أن يضيع هذا الجمال."

امتدت أنامله ببطء نحو وجهها، تحسس بشرتها المرتجفة بحركة مريبة، قبل أن تصرخ به وتدفعه فجأة، كادت أن تفقده توازنه لولا أنه تماسك في اللحظة الأخيرة. كانت ترتجف، لكن رغم ذلك زمجرت كلبوة جريحة:

-"ما أشد وحشيتك، قيس! حياتك كلها تدور حول القتل، أنت لست سوى طفل صغير يصرخ عندما لا يحصل على مبتغاه!"

وفي لحظة، شهقت وقد أدركت فداحة ما تفوهت به، وضعت يدها على فمها كأنها تحاول استعادة كلماتها، لكن فات الأوان.

ابتسم قيس ببطء، ابتسامة قاتمة خطيرة، ثم أخرج سلاحه، جعل فوهته تمرر برفق على خدها الشاحب وهو يتمتم بصوت خافت:

-"انتبهي، نازلي... أستطيع دق عنقك الآن، في هذه اللحظة، لذا كوني عاقلة... لا تستفزّي جنوني."

ارتجف جسدها بالكامل، شعرت بأنفاسها تضيع وسط التوتر القاتل. كادت أن تهمس برجاء، لكنه ابتعد قليلًا، مما سمح لها بالتقاط أنفاسها. وما إن استردّت القليل من قوتها حتى انفجرت غضبًا، تحدّق به بعينين متقدتين بالانفعال:

-"كيف تجرؤ على التدخل؟! أنت ستتزوج قريبًا، ألم تنسَ؟!"

لم يرمش حتى، فقط ابتسم بسخرية قاتمة وهو يقترب أكثر، مما جعلها تتراجع خطوة إلى الخلف حتى اصطدمت بالحائط البارد. شعرت بحرارته تحترق على بشرتها، وقبل أن تفتح فمها مجددًا، قبض على عنقها بلطف مخيف، قوة كفّه حول رقبتها كانت كافية لتشعر بأنها محاصرة تمامًا.

-"إذن، فعلتِ هذا لتنتقمي مني، أليس كذلك؟"

رمقته بحدة، وحاولت دفعه ثانية لكن قبضته كانت كالفولاذ. تخبطت يداها في الهواء قبل أن تستقر فوق معصميه، محاولة إبعاده، وهتفت بارتجاف واضح:

-"دعني... دعني أيها الثور الهمجي!"

لكنه لم يستجب، بل أحكم قبضته حول عنقها أكثر، كأنه يطالبها بالاستسلام التام. ارتجف صوتها، وبدأت تتنفس بصعوبة، فتوسلت بصوت مختلج:

-"أنت تعلم أن هذا غير صحيح، وتعلم جيدًا أنني تم إجباري!"

لكن صوته كان أشبه بعاصفة هوجاء وهو يصرخ بغضب:

-"أُجبِرتِ إذن؟! ورغم ذلك، كان عليك أن ترفضي!"

ضحكت بسخرية رغم وجعها، ثم همست بخشونة وهي تضيق عينيها بسخط:

-"أرفض؟ هل تسمع أذنك ما ينطق به فمك؟!"

ثم انفجرت في وجهه بصوت متهدج يحمل كل مشاعر القهر والخذلان التي اعتصرت قلبها منذ ذلك اليوم المشؤوم:

-"كيف لي أن أرفض أمام الجميع وأتسبب في فضيحة للرجل المسكين وأشوه سمعته؟ أتظن أن ذلك سهلاً؟ أتظن أنني لم أحاول الهروب؟ لم أحاول الرفض؟ لكن لم يكن هناك أي خيار! كان الأمر خارجًا عن إرادتي، ومع ذلك، تأتي الآن لتلومني وكأنني سعيت إليه برغبتي؟! أنت دائمًا تلومني! دائمًا تضعني في قفص الاتهام، وكأنني أنا المذنبة الوحيدة!"

استجمعت قواها ودفعته بكل ما أوتيت من قوة، مما جعله يترنح للخلف للحظات. رمقته بنظرة مليئة بالازدراء والغضب، ثم صرخت به بصوت ممزوج بالدموع:

-"ما أشد وقاحتك، أيها السافل الحقير! ثم ما الذي كنت تظنه؟! أن تتزوج وأبقى أنا في حدادي عليك؟!"

لمعت عينا قيس بغضب قاتم، ثم شدّها من معصمها بقوة ليحاصرها مجددًا بينه وبين الحائط.

شعرت وكأنها محاصرة داخل قفص من الفولاذ، يحيط بها بكل قسوته، يمنعها حتى من التقاط أنفاسها. حدقت في عينيه المتوهجتين بالجنون والغضب، كان قيس غاضبًا... لا، لم يكن مجرد غضب، بل كان أشبه بإعصار مدمر يوشك أن يقتلعها من جذورها.

لكنها رغم ذلك، لم تخفض عينيها، لم تتراجع، بل وقفت بثبات أمام إعصاره، وكأنها تتحداه دون أن تنطق بكلمة

تأوهت حين ضغط على معصمها أكثر، فتخبطت بيدها الأخرى محاولة تحرير نفسها، لكنها كانت أضعف من أن تردعه. عيناه كانتا تتوهجان بالغضب، بفوضى من المشاعر المتشابكة التي لم يستطع كبحها، قبل أن يهتف بصوت منخفض، لكنه محمّل بالتهديد:

"أنا لم أطلب منكِ أن تحزني عليّ، ولم أطلب منكِ البقاء في حداد، لكن أن تُلقي بنفسكِ إلى أول رجل يفتح لكِ ذراعيه؟!"

تسارعت أنفاسها، لكن رغم ذلك، رفعت رأسها بشموخ متحديةً إياه، متحديةً قبضته التي تعتصر معصمها دون رحمة:

"لم أفعل ذلك!"

زمجر وهو يشدها إليه، حتى كاد صدرها يلتصق بصدره، حتى كادت أنفاسها تختلط بأنفاسه:

"بل فعلتِ! وافقتِ على الزواج منه! كيف تجرؤين على الوقوف أمامي الآن وتدّعين أنكِ بريئة؟!"

قهقهت بمرارة، نظرتها له كانت خليطًا من الاحتقار والألم، كأنها لم تعد ترى فيه سوى رجل حطمها ثم عاد ليطالب بحقوقه فوق أنقاضها:

"أنت آخر شخص على وجه الأرض يملك الحق في محاسبتي! أنت من تخليت عني! أنت من دفعتني لهذا! والآن تأتي وتتصرف وكأنك الضحية؟"

لم يكن يعلم لماذا آلمته كلماتها أكثر من أي طعنة تلقاها في حياته. لكنه شعر بها تخترق صدره، تخترق كبرياءه، تخترق شيئًا داخله لم يكن مستعدًا للاعتراف به. كان يعلم أنه تخلى عنها، ولو كان ذلك غصبًا عنه، لكنه لم يكن يريد أن يسمعها تقولها بصوت عالٍ. لم يكن يريد أن يواجه الحقيقة التي لطالما هرب منها.

قبض على فكّها بقوة وهو يحدق فيها، عيناه مظلمتان، قسوته تضاعفت، ثم همس بخشونة وهو يزيد من ضغطه على معصمها، حتى تأوهت من الألم:

"كل كلامكِ هذا فارغ! ما دمتِ لم تمتلكي الشجاعة للرفض، فقد كان عليكِ فعل شيء ما لتبقي نفسكِ طاهرة لأجلي!"

شهقت بصدمة، وحدّقت به بعينين متسعتين، وكأنها لم تعد ترى أمامها قيس الذي عرفته يومًا، بل رجلًا غريبًا، وحشًا يتحدث وكأنها ملكٌ له، وكأن حياتها متوقفة على رضاه.

شعرت بغضب يكتسحها كما لم تشعر به من قبل، كأن نيرانًا اجتاحت كل خلية في جسدها، لم تشعر حتى عندما رفعت يدها وضربته بكل قوتها على وجهه.

صفعته.

صفعته بكل قهرها، بكل حزنها، بكل حبها الذي تحول إلى كره.

كان وقع الصفعة مدويًا في الحمام الصغير، وصدى صوتها تردد بين الجدران، حتى أن قيس نفسه لم يكن يتوقعها. للحظة، لم يكن يتوقع أن تجرؤ على رفع يدها عليه.

تراجعت إلى الخلف، وعيناها تقدحان شررًا، قبل أن تهتف بصوت أجش بالكاد خرج من حنجرتها المشدودة:

"ابتعد عني، يا قيس! الآن لم يعد لك أي حق في التدخل!"

ثم استدارت وركضت خارجة من الحمام دون أن تلتفت، تاركةً إياه خلفها، مصدومًا، مذهولًا، يحدق في انعكاسه في المرآة، وعلى خده طُبعت أصابعها، ساخنة كأنها جمر، لكنها لم تؤلمه بقدر ما آلمه ما رأى في عينيها.

رأى الكره في عينيها.

ولأول مرة في حياته، شعر بالخوف... الخوف من أن يكون قد فقدها حقًا.

رأى الكره في عينيها.

ولأول مرة في حياته، شعر بالخوف... الخوف من أن يكون قد فقدها حقًا.

ظل قيس واقفًا مكانه، وكأن قدميه التصقتا بالأرض، قبل أن يقرر أن يعمل سريعًا قبل أن تطير من يده. كان يحدّق في انعكاسه في المرآة، بينما صوت الصفعة لا يزال يتردد في رأسه.

كيف وصلت الأمور بينهما إلى هنا؟ كيف تحولت المرأة التي أحبها بجنون إلى امرأة تكرهه بهذا الشكل؟

مرر أصابعه على أثر الصفعة الحارقة، لكن قلبه كان يحترق أكثر من خده.

خرج من الحمام، عيناه تبحثان عنها بجنون، خشية أن تختفي قبل أن يتمكن من إيقافها. لمحها تسير بخطوات سريعة بين الحضور، ترفع رأسها بكرامة رغم الألم الذي كان واضحًا في عينيها. لكنه رأى يدها، تلك التي صفعته بها، ترتجف بخفة، ورأى كيف كانت تمسح دموعها بسرعة قبل أن يراها أحد.

ل

م تكد أن تنعم بلحظات الجلوس وحدها حتى كان زاكي يقف فوق رأسها طالبا منها الرقص قائلا: - هل نرقص!

وهل بقي الأمر على الرقص فقط ايها اللعين تنهدت وقالت : لنرقص هيا

أما قيس كان قد وصل للتو ورأى كيف أن زاكي يسحب نازلي للرقص فضحك بسخرية ومضى يتوعد لهما بالجنون

...

كانت الموسيقى تتصاعد في القاعة، أضواء الثريات تتلألأ كنجوم الليل، والضحكات تتعالى هنا وهناك. وسط هذا الاحتفال الصاخب، لم يكن قيس يرى سوى شيء واحد فقط... نازلي بين ذراعي رجل آخر.

تحرك جسده بلا وعي، بلا تفكير، كإعصار هائج، إلى أن وقف عند حافة ساحة الرقص. عيناه كانتا تتقدان بنيران لم يكن قادرًا على إخمادها، أنفاسه تتسارع وكأنه يخوض معركة للبقاء.

أوقف زكريا حركته عندما شعر بوجوده، والتفت إليه ببطء، نظراته مليئة بالتحدي الصامت، لكن الأهم من ذلك... كانت مليئة بالانتصار.

ذلك الانتصار الذي أشعل غضب قيس أكثر، جعله على وشك الانفجار.

أما نازلي، فقد شحب وجهها حين رأته. كأنها كانت تتوقع حدوث شيء ما، لكنها لم تتوقع أن يكون بهذه الحدة، بهذه القوة.

لم يتحدث قيس، لم يقل شيئًا. فقط مدّ يده فجأة وسحبها نحوه بعنف، دون أن يعير انتباهًا لنظرات الجميع، ودون أن يهتم لاعتراض زكريا الذي تحرك بخطوة متقدمة نحوه.

لكن قيس لم يكن في حالة تسمح له بالمفاوضة أو الشرح. قبض على معصمها بقوة وهمس في أذنها بصوت منخفض، لكنه كان يحمل كل أوامره وأحكامه المطلقة:

"لدينا حديث لم ينتهِ بعد، يا نازلي."

ارتجف جسدها بالكامل، كأن صوته اخترق روحها، جعلها تدرك حجم المصيبة التي وقعت فيها. حاولت التملص، أن تنسحب، أن تبتعد عن هذا البركان الغاضب، لذا نثرت يدها بسرعة وقوة لم تكن تتخيل وجودها داخلها، لكنها لم تستطع زحزحة قبضته ولو قليلًا.

"دعني، قيس! لستُ مضطرة للاستماع إليك!"

لكن بدلًا من أن يتركها، شدّها نحوه أكثر. حدّق في عينيها بغضب عارم، وكأنه يعاقبها بنظراته فقط. لم يكن بحاجة إلى الكلام، كانت عيناه تنطقان بكل ما لا يستطيع لسانه قوله.

زكريا لم يتأخر في التدخل، قبض على ذراع قيس بقوة، محاولًا إبعاده عنها، وقال ببرود:

"أعتقد أن عليك ترك يدي خطيبتي، الآن."

كادت نازلي أن تنهار من فرط التوتر. كانت تخشى أن ينفجر الوضع أمام الجميع. آخر ما تحتاجه هو شجار آخر يفضحها أكثر أمام هذه العائلة.

لكن قيس لم يكن شخصًا يمكن إخضاعه بسهولة. أدار رأسه ببطء نحو زكريا، نظر إلى يده الممسكة بذراعه، ثم رفع عينيه إليه. نظرة واحدة كانت كفيلة بأن تبعث في الجو توترًا قاتلًا.

همس بسخرية باردة: "زوجتك؟"

ثم فجأة، وبحركة سريعة، أبعد يد زكريا عنه بقوة جعلت الآخر يترنح قليلًا، لكنه تمالك نفسه بسرعة.

لم يكن هناك داعٍ لمزيد من الكلمات، فالتحدي كان واضحًا في العيون. معركة صامتة بين رجلين، بين نارين لا يمكن إخمادهما بسهولة.

لكن قبل أن يتطور الأمر ويتحول الزفاف إلى حلبة قتال، تدخلت نازلي بسرعة، جمعت شجاعتها وسحبت يدها من قبضة قيس، هذه المرة بكل قوتها، ثم قالت بصوت متحشرج لكنه حازم:

"كفى! لا أريد المزيد من الفوضى، قيس! ارحل... لقد انتهى كل شيء بيننا، لم يعد هناك شيء لتناقشه معي!"

كان واضحًا أنها تحاول أن تبدو قوية، لكن الجميع رأى كيف كانت ترتجف، كيف أن كلماتها كانت تحمل أكثر مما تعنيه، وكأنها تحاول إقناع نفسها قبل أن تقنعه

التوتر كان خانقًا. حتى الموسيقى لم تعد تُسمع وسط هذا الصمت المشحون. كانت نازلي تشعر بأنها على وشك الانهيار، فاستدارت سريعًا ورحلت، تاركة الجميع خلفها، تاركة قلبها ينبض بجنون وكأنها هربت من ساحة معركة.

ركضت نحو صديقاتها، كانت بحاجة للهروب، للفرار قبل أن يتمكن أي منهما من تدميرها أكثر.

"انتظرنني، سأذهب معكن!"

اندهش من من طلبها المفاجئ، لكنها لم تهتم. كان عليها أن تغادر، أن تضع حدًا لهذه المهزلة الآن... حالًا.

لكنها لم تكن تعلم أن زاكي قد نصب لها الفخ بالفعل.

عندما عادت إلى المنزل، كانت الأضواء منطفئة، دليلًا على أن الجميع قد نام. زفرت بقوة، قلبها ينبض بقلق. كيف ستواجه والديها؟ كيف سترفض هذه اللعنة التي يُراد فرضها عليها؟

جلست في الصالة، تائهة بين أفكارها، تنعي حظها العاثر. لم تشعر إلا برنين هاتفها يصدح فجأة، فانتفضت مذعورة.

فتحت الرسالة. كانت من زاكي.

"هربتِ إذن؟ لكن لا تظني أنكِ ستهربين طويلًا."

شعرت بالغرفة تدور من حولها. لا، لا يمكنها تحمل

المزيد!

وضعت يدها على رأسها، تحاول السيطرة على توترها، لكن أنفاسها كانت متقطعة، وجسدها يرتجف بعنف.

"يا الله... ارحمني من هذا الضغط... من زاكي... من قيس..."

اندفعت نحو غرفتها، الملاذ الوحيد لها في هذا المنزل، وأغلقت الباب خلفها.

كانت تعرف أن هذه ليست النهاية... بل كانت البداية فقط.

...

Déplier
Chapitre suivant
Télécharger

Latest chapter

Plus de chapitres

commentairesPlus

بدر بدر
بدر بدر
بالتوفيق و نجاحك
2026-03-31 00:44:54
0
0
ام ايهاب
ام ايهاب
ماشاءالله حلو جدا
2026-03-31 00:27:27
1
0
احمد مظفر العاملي
احمد مظفر العاملي
كاتب يتمتع بكثير من الموهبه والتفاني من اجل وطنه وقضيه العرب المركزيه اصيل بمعى الكلمه وذو منبع اصيل بارك الله بوططنا العربي الاصيل
2026-03-31 00:26:46
0
0
ام ايهاب
ام ايهاب
جميل جدا بالتوفيق
2026-03-31 00:22:52
0
0
محمود جهاد
محمود جهاد
حلو بالتوفيق
2026-03-31 00:21:19
1
0
6
الفصل الأول: قرار بلا عودة
الفصل الأول: قرار بلا عودة - -- الحفل يعج بالحضور، أصوات الضحكات والموسيقى تتداخل في سيمفونية صاخبة تملأ الأجواء، الأضواء المتلألئة تنعكس على الثريات الكريستالية المعلقة، فتبث في المكان بريقًا يخطف الأنظار. رائحة العطور الفاخرة تمتزج بعبق الورود المنتشرة في كل زاوية، تكاد تخنق أنفاسها. المكان ينبض بالحياة، لكنه بالنسبة لها كان مجرد ضوضاء لا معنى لها. وقفت في زاوية بعيدة، تحاول التواري عن الأنظار رغم أن حضورها كان طاغيًا دون أن تبذل أي جهد. فستانها الأصفر الفاتح يعانق جسدها برقة، ينحني عند أسفل ركبتيها وكأنه يحرص على إبراز أنوثتها دون تكلف. زُيِّنت حوافه بورود بنفسجية كأنها تهمس بأسرار ربيع أبدي. أما حذاؤها ذو الكعب العالي فكان يضفي عليها مزيدًا من الطول والهيبة، لكنها لم تكن بحاجة إلى ذلك؛ وقفتها وحدها كانت كفيلة بأن تلفت الانتباه. انسدل شعرها الأشقر الطويل في كعكة عشوائية ، وكأنها لم تكترث كثيرًا لتصفيفه والتي تلمع تحت الأضواء الباهرة الجميلة ، ومع ذلك، بدت الخصلات المتمردة التي انسدلت على وجنتيها كأنها اختارت بعناية أن تمنحها سحرًا إضافيًا. لكن، رغم كل هذا، كانت نظراتها تعكس
last updateDernière mise à jour : 2026-02-16
Read More
الفصل الثاني : ظل الخوف
الفصل الثاني: ظل الخوفلم تنم نازلي طوال الليل، ظل الأرق يعذبها رغم محاولاتها اليائسة للراحة. حتى مع أربع حبات من المنوّم لم تنجح في إخماد اضطرابها. كانت تعلم أن ما حدث في الحفل لن يمر بسلام، وأن قيس، بجنونه، لن يتركها دون أن يجعلها تدفع الثمن.مدّت يدها إلى هاتفها، نظرت إلى الساعة، كانت السابعة صباحًا. تأففت بانزعاج، ثم لعنت قيس، ثم زاكي، كلاهما حرماها النوم. قامت من سريرها، اغتسلت بالماء البارد على أمل أن يهدئ توترها، رتّبت غرفتها كأنها تحاول فرض بعض النظام على فوضى حياتها، ثم أدّت صلاة الفجر.لكن ما إن نزلت إلى الطابق السفلي حتى شعرت بشيء غريب. كان المنزل ساكنًا أكثر من اللازم، وكأن الصمت نفسه يحمل خطرًا غير مرئي. لم تبالِ، ظنّت أنها تتخيل بسبب التعب والأرق.قالت في نفسها: هذا غريب!! ثم تذكرت كلام والديها والذي لم تكن لتستطيع أن تركز به أمس فقد أخبراها أنهما سيذهبان لمكة لأداء مناسك العمرةالأن أدركت هذا بل واستوعبته تنهدت بأسى إذن أنا وحيدة تماماً هنا ثمتوجهت إلى المطبخ بحثًا عن كوب ماء، لكنها لم تنتبه إلى الظل الذي تحرّك خلفها إلا عندما شعرت بيدٍ تسحبها فجأة من معصمها!شهقت ب
last updateDernière mise à jour : 2026-03-30
Read More
الفصل الرابع: أول ليلة في إيطاليا!!
الفصل الرابع: أول ليلة في إيطاليا!!***تشبثت بعشقك رغم البعد، ولم أنل منك سوى الحزن والألم؟أنا التي أحببتك رغم الفقد، فلِمَ تركتني بين الناس أُذل؟ظننتك يدًا ناعمةً تربّت على خدي، لكنك صدمتني بجفائك الذي أسال المُقل...بدمعٍ انسكب على الخيط فانقطع الأمل، فأرجوك استمع لي، فلم أعُد سهلة المنال...بل هذه الدموع وجفاؤك جعل حبك أقل، في قلبي ضوءُ نجمٍ يشتعل...فاحترق بنوري ودع كبرياءك ينفعل، فبالنهاية لستَ إلا خربشات قلم أوجَل...فيا من أشعلتَ لهيب حبك بقلبي، ومثّلتَ بكرامتي، وجعلتني هنا أتمزق كالحبل...فلْتعلم أنّك كنتَ حلمًا جميلًا، بل حلمي الأفضل...فلِمَ عني ستتركني الآن وترحل؟:كانت الطائرة قد حطّت في مطار ليوناردو دافنشي، لكن نازلي لم تكن على وعيٍ تام بذلك، فقد استنفدت كل طاقتها، ولم تدرك سوى أنها أصبحت بين يديه، يُحكم قبضته عليها ويحملها بسهولة وكأنها لا تزن شيئًا.تحرك قيس بخطوات واثقة نحو السيارة الفاخرة التي كانت بانتظاره، بينما السائق يحييه بأدبٍ، متمنيًا له إقامة سعيدة في روما. لم يرد قيس سوى بإيماءةٍ قصيرة قبل أن يناوله مفاتيح السيارة، فهو لا يسمح لأحدٍ بأن يقودها غيره، فكيف
last updateDernière mise à jour : 2026-03-30
Read More
الفصل الثالث : قيد لا يُكسر
الفصل الثالث : قيد لا يُكسركانت تحاول التحرر منه رغم إدراكها استحالة ذلك، فمهما حاولت الابتعاد، لا تستطيع. قبضته كالفولاذ، قيد غير مرئي لكنه أقوى من أي سلاسل. حولها رجال مدججون بالسلاح، يقفون كزبانية الجحيم، وكأنهم يراقبون أي حركة منها ليُفجّروا رأس شقيقها. ذلك الشقيق الذي يمشي بثقة زائفة، متظاهرًا بأنه غير مكترث، بينما الحقيقة تفضحه... إنهم جميعًا رهائن لهذا الرجل المتوحشلكنها لن تستسلم بسهولة. لن تسمح له بأن يأخذها هكذا، كجارية، بلا مقاومة. إذا كان يظن أن مجرد حملها على متن هذه الطائرة البائسة قد أخضعها، فهو مخطئ تمامًا.تصاعدت نيران الغضب في داخلها، واشتعلت روحها بثورة عنيفة. الطريقة التي استدرجها بها إلى هنا، خداعه، إصراره على فرض سيطرته عليها... كلها أمور جعلت الغضب يتوهج في عروقها. كيف استطاع أن يجبرها على المجيء معه؟ والأهم... كيف كانت ساذجة كفاية لتقع في فخه وتخرج من منزلها؟لكن الأسوأ... الأسوأ هو زكريا! اللعين قتله بدم بارد شهقت بصوت مكتوم، ويدها تنقبض بقوة على طرف مقعدها لقد تسببت بمق-تله... أنا من فعلت ذلك!"حتى لو كان ينوي اغتصابي... كان يجب ألا أتصل بقيس!"يا إلهي...
last updateDernière mise à jour : 2026-03-30
Read More
الفصل الخامس : سقوط الهوية" من انت" !!
الفصل الخامس، :سقوط الهوية:" من أنت؟" *** كانت نازلي تنظر بذهول وسعادة للحديقة الجميلة والتي تبدو كأنها قطعة من الجنة نزلت إلى الأرض، تنبض بألوان الفرح والحياة ورائحة أزهارها الفاتنة. والتي قد تفتحت حديثًا، ناثرة عبيرها الفواح في الأرجاء كأنها ترسل همسات للعابرين، بكل سحر وعذوبة بينما تتراقص أوراق الأشجار مع لحن الرياح وكأنها، تهمس بأسرار عالم الغيوم الساحر. و نوافير المياه الساطعة تتلألأ تحت أشعة الشمس الذهبية البراقة والتي ترسم أقواسًا من نور على السطوح الزجاجية للبرك الصغيرة، حيث تسبح الأسماك الذهبية في تناغم ساحر. وكأن هذا المكان لم يعرف يومًا الحزن، بل كان واحة هادئة من السحر والجمال وإبداع الخالق الجبار كانت نازلي تحدق في هذا المشهد بدهشة وعقلها ينسج قوافيه الشعرية - رَقَّ النَّسِيمُ وَغَنَّى الزَّهْرُ أَلْحَانَا فَصَارَ رَوْضِي مِنَ الأَفْرَاحِ بستانا *** كَأَنَّ كُلَّ غُصُونِ الدَّوْحِ قَدْ رَقَصَتْ تَبُوحُ لِلْكَوْنِ عَنْ أَسْرَارِ دُنْيَانَا ، لم تكن تعلم أن هذه اللحظات الهانئة الهادئة ستنقلب إلى كارثة في لحظة واحدة. فجأة، سمعت صوت مكابح السيارة وهي تتوقف عند ا
last updateDernière mise à jour : 2026-03-31
Read More
الفصل السادس:"جدران بيضاء"
الفصل السادس:"جدران بيضاء"كانت نازلي مستلقية على سريرها الطبي، غارقة في أحلامها، بينما كان قيس جالسًا بجوارها، يناظرها بتركيز مخيف، وكأن عينيه تحاولان احتواءها، السيطرة عليها، وربما فهمها بطريقة لم يكن قادرًا عليها من قبل. شريط الذكريات عاد يجتاحه، يعيده إلى تلك اللحظة الأولى التي التقاها فيها، اللحظة التي غيرت مجرى حياته.استعاد صورتها وهي تقف بغضب أمام "دار السلام للنشر"، بشعرها الغجري الأشقر الفاتن الذي كان يتطاير حول وجهها كألسنة الذهب،الصفراء وعينيها الفيروزيتين الزرقاء اللتين تعكسان تمردًا صامتًا. يومها، لم يكن يدرك أنه وقع أسيرًا قبل أن يقترب منها حتى. بلا وعي، وجدت قدماه طريقهما إليها، كأنها كانت نقطة سقوطه في الجاذبية التي كانت تشده رغمًا عنه.أما هي، فقد شعرت بظلٍ يجثم فوق رأسها كالجاثوم، ليجعلها تتراجع بخطوات حذرة، مستشعرة خطرًا لا تعرف كنهه. همست بصوت خفيض، مرتجف قليلاً، وكأنها تحتمي بما تؤمن به:— "أعوذ بالله منك إن كنت تقيًا!"لمعت عيناه وهو يسمع كلماتها، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة واسعة أظهرت أسنانه البيضاء الثلجية، فبدا وكأنه ذئب وديع يخفي أنيابه. رد بصوت عميق، يح
last updateDernière mise à jour : 2026-03-31
Read More
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status