أمسكّتُ الكتاب وأنهيت الفقرة الأخيرة وكأنني استُحضرت إلى غرفة مضاء فيها سرّ صغير، وهو ما جعل قلبي يرفرف. الكاتب كشف أن '
قزى' لم تكن مجرد شخصية أسطورية تتناقلها الألسن في الحيّ، بل كانت قناعاً متعدّداً الطبقات لصوتٍ داخليّ وذاكرةٍ مجتمعيّة محبوسة. طوال الرواية كانت تلوح تفاصيل صغيرة: شريط موسيقى مكسور، صورة نصف محروقة، رسائل مكتوبة بخط متذبذب، وكلها كانت تلمّح إلى أن 'قزى' موجودة في زوايا النفوس لا في الخرائط. عندما كشف الراوي حقيقة أن أسماء الناس تختلف باختلاف من يريدون أن يسمعوا القصة، انكسر الصنم: 'قزى' كانت وسيلة للهروب وللإنكار، وفي الوقت نفسه كانت مفتاح لفهم الجرائم القديمة التي ترفض البلدة الاعتراف بها.
الطريقة التي انكشف بها السر كانت أقوى من السر نفسه. الكاتب استخدم تقنية السرد غير الموثوق، مزج بين يوميات أمّ، شهادة طفل، وقطعة من صحف قديمة ليفكك الصورة تدريجياً. كل فصل أزاح قشرة عن قشرة، حتى تبين أن بعض الشخصيات التي نعتقد أنها شاهدة كانت جزءاً من صناعة الأسطورة. هناك فصل مركزي يظهر فيه حرفي بسيط يعيد نسج حكايات الطفولة، ويعترف أخيراً بأنه من صنع اسم 'قزى' كحكاية محمية من العار. هذا التحول جعلني أعيد قراءة الصفحات الأولى وأرى كيف كانت الإشارات الصغيرة مُفعمة بالدلالات.
ما أحببته حقاً هو أن الكشف لم يكتفِ بتوضيح ماضي شخصي، بل فتح نقاشاً عن الذاكرة الجماعية والعدالة والقدرة على الاعتراف. الكاتب لم يفرض حكماً، بل قدّم سلسلة مرايا: هل نحتاج إلى أسطورة لنغطي ما نخجل منه؟ هل الأسطورة تبرّئ أم تكذب؟ تركتني الرواية أتساءل عن الحكايات التي نبتكرها نحن أيضاً في مجتمعاتنا لنعزل الحقيقة، وعن الثمن الذي ندفعه حين نختار الصمت. في النهاية، شعرت بأن سرّ 'قزى' كان دعوة للاقتراف بالذكريات، وليس للهرب منها، وهذا التأمل بقي معي طويلاً بعد إغلاق الغلاف.