ما تبقي من ليلي

ما تبقي من ليلي

last updateLast Updated : 2026-06-05
By:  PepoOngoing
Language: Arab
goodnovel16goodnovel
Not enough ratings
114Chapters
3.8Kviews
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

ليلى، شابة إستثنائية تؤمن أن سلامها الداخلي هو حصنها الحصين. بذكاء وقاد وشجاعة فطرية، تنتقل ليلى إلى شقة جديدة في مبنى يلفه الغموض، لتجد نفسها في مواجهة ظواهر غريبة تبدأ بالظهور خلف أبواب الشقة (407). ​بين دفاتر قديمة تحمل رموزاً غامضة، وظلال تتجسد في عتمة الليل، ورسائل تهمس بأسرار الماضي؛ تكتشف ليلى أن "الزائر" ليس مجرد طيف عابر، بل هو خيط يقودها إلى حقيقة أعظم مما تتخيل. هل يكفي إيمانها وذكاؤها لفك شفرة السر القديم؟ أم أن المبنى يخفي من الأسرار ما لا يطيقه بشر؟ ​انضموا إلى ليلى في رحلة مليئة بالتشويق، حيث الإيمان هو الضوء، والشجاعة هي السلاح، والحقيقة أبعد بكثير مما تراه الأعين.

View More

Chapter 1

الفصل الأول الظرف الغامض

كانت الشمس تغرب بهدوء مهيب، والضوء الذهبي يتشبث بأطراف البنايات العتيقة كأنه يرفض الرحيل ويخشى ما قد يأتي به الليل من أسرار. في تلك اللحظة الفارقة، وقفت ليلى أمام مدخل العمارة الجديدة، ورفعت رأسها لتتأمل تلك الشرفات المتراصة التي نال منها الزمن. المكان كان غريباً؛ ليس مرعباً بالمعنى التقليدي، لكنه لم يكن مريحاً كذلك، كان يحمل هيبة صامتة توحي بأن خلف كل نافذة مغلقة قصة لم تُروَ بعد.

​في يدها كانت تحمل حقيبة صغيرة تضم شتات حياتها، وفي كفها الآخر تضغط على مفتاح الشقة رقم 407. نظرت إلى المفتاح اللامع لحظة، وكأنها تسأل نفسها في حوار داخلي مرير: "أنا فعلاً جاهزة أبدأ من هنا؟" أخذت نفساً خفيفاً، وقررت أن تخطو خطوتها الأولى نحو المجهول الذي ينتظرها خلف الأبواب الموصدة.

​قبل أن تضع قدمها على أول درجة، انفتح الباب الصغير المجاور للمدخل بصرير خافت، وخرج منه رجل مسن، اشتعل رأسه شيباً وعيناه تحملان نظرة غريبة.. نظرة غير مفهومة، تائهة بين الترحيب والتحذير الشديد.

"أنتي الساكنة الجديدة؟ شقة 407؟"

صوته كان عادياً، لكن نبرته لم تكن كذلك؛ كان يسأل وهو يعرف الإجابة مسبقاً، أو ربما كان خائفاً من تلك الإجابة. ابتسمت ليلى ابتسامة بسيطة تحاول بها كسر الجمود: "أيوه.. أنا ليلى."

​سكت الرجل لحظة، وكأن الاسم وقع على مسامعه كصدى قديم يحاول نسيانه، ثم قال بوقار حذر: "أنا حامد . حارس العمارة." ساد سكون ثقيل بينهما، سكون طال لدرجة جعلت ليلى تشعر بالريبة وتراقب حركة يديه المرتجفتين. ثم كسر منصور الصمت وهو ينظر للأرض وكأنه يخشى مواجهة عينيها: "الشقة دي.. مقفولة بقالها سنين طويلة يا بنتي."

ليلى لم تعلّق، لكن حواسها كلها ركزت مع كل حرف ينطقه. كمل حامد بصوت أوطى، كأنه يهمس بسر خطير لا يجب أن يسمعه غيرهما: "لو احتجتي حاجة أنا موجود.. بس نصيحة من راجل في مقام والدك، بلاش السهر لوحدك كتير جوه الشقة دي."

رفعت ليلى حاجبها باستغراب خفيف وسألته بوضوح: "ليه يا عم منصور؟"

بص بعيداً عنها وهو يتمتم بكلمات بدت كأنها تعويذة قديمة: "البيت قديم.. والحيطان هنا لها ودان.. ساعات بتسمع أخف الخطوات وتنقلها."

الجملة كانت غريبة لدرجة أن ليلى لم تعرف بماذا ترد، فاكتفت بابتسامة خفيفة وقالت: "متشكرة يا عم حامد ." وسابته وطلعت السلم وهي تشعر بنظراته تلاحق ظهرها حتى اختفت في الظلام.

​السلم الرخامي كان هادئاً بشكل مبالغ فيه، لدرجة أن كل خطوة كانت تصدر صوتاً واضحاً زيادة عن الطبيعي، وكأن البناية كلها تصغي لوصولها وتعد خطواتها. وقفت ليلى أخيراً أمام باب الشقة رقم 407. المفتاح كان في يدها، لكنها لم تضعه فوراً؛ حست بحاجة غريبة تمنعها، مش خوف، بس إحساس إن في حاجة مستنياها جوه خلف الخشب القديم الذي بدأ يتقشر.

​غمضت عينيها لحظة، وفجأة.. سافر بها خيالها لزمان. عادت طفلة تقف أمام باب المدرسة في يومها الأول، خائفة من الدخول، ومتمسكة بيد والدها بقوة. تذكرت صوته الحنون وهو يطمئنها ويغرس في قلبها اليقين: "ما تخافيش يا ليلى.. انتي أقوى مما تتخيلي، والقلوب المؤمنة لا تعرف الوحشة.. القوة بتبدأ من جوه يا بنتي."

فتحت عينيها بسرعة، وقالت لنفسها بصوت واطئ وحازم وهي تستعيد ثباتها: "أنا مش طفلة."

وضعت المفتاح في القفل، ودار الترس بصرير يعلن انتهاء سنوات الصمت الطويلة.

​أول ما دخلت، استقبلتها رائحة قديمة.. لم تكن سيئة، لكنها كانت ثقيلة، كأن المكان أغلق على نفسه لدهر ورفض أن يتنفس. دخلت برجلها اليمين، وقالت بهدوء: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.." الإحساس كان مزيجاً غريباً بين راحة خفيفة ووحدة ثقيلة جداً. بدأت توزع أغراضها في الغرف التي كانت تبدو واسعة بشكل موحش، وأول حاجة طلعتها كانت "المصحف" المذهب؛ وضعته بعناية فائقة بجوار الشباك الكبير، كأنها تطمن نفسها وتعلن للمكان: "أنا مش لوحدي، الله معي."

​وهي بتحرك الدولاب الضخم في زاوية الغرفة لتوفر مساحة لسريرها، تعثرت قدمها بشيء صلب ومختبئ بعناية تحت القاعدة الخشبية. انحنت لتنظر، مسحت طبقة الغبار الكثيفة بإيدها، فظهر طرف ورقة صفراء سميكة مائلة للقدم. سحبتها ببطء شديد، وخرج معها ما أطلقت عليه ليلى في سرها "الظرف الغامض".

​كان الظرف الغامض ثقيلاً نوعاً ما، ومقفولاً بختم من الشمع الأحمر القاني الذي بدا كجرح قديم لم يلتئم أبداً. قلبه دق أسرع وهي تقلبه في يدها؛ لا يوجد اسم مرسل ولا مستلم، لكن في جملة واحدة مكتوبة بخط يد مرتجف وأنيق في آن واحد: "إلى من يسكن خلفي.. الحقيقة لا تختفي بالنسيان.. بس بتستنى اللي يملك الشجاعة عشان يدور عليها في الظلال المنسية."

​وقفت ليلى ساكتة تماماً، وصدرها يعلو ويهبط. الجملة كانت بسيطة، لكنها تغلغلت داخلها بطريقة غريبة، كأنها رسالة مشفرة موجهة لها هي بالذات، وكأن الظرف الغامض كان ينتظرها هي دون غيرها. فجأة.. حست بهوا بارد مريب عدّى جنب رقبتها، رغم أن كل النوافذ كانت مغلقة. جسمها كله تشنج من البرودة المفاجئة التي لسعت جلدها. وقبل ما تتحرك، سمعت صوتاً.. واطئاً جداً، قريباً بشكل يثير الرعب، همس أنثوي رخيم اخترق صمت الغرفة وأذنيها:

"بصي وراكي.."

​تجمدت ليلى في مكانها، لم تلتفت فوراً، فقلبها أصبح صوته عالي في أذنيها كطبل حرب. "ده مش حقيقي.. ده مجرد تعب وخيالات من الانتقال"، قالتها لنفسها بسرعة وهي تغمض عينيها بقوة، بس الصوت رجع تاني، والمرة دي كان أقرب بكتير، وحسّت بنفحة هواء باردة فعلاً على رقبتها جعلت شعر جسدها يقف فزعاً:

"اللعبة لسه ما بدأتش يا ليلى.. والحقيقة لها ثمن باهظ.. وانتي أول المدعوين."

​لفت بسرعة بحدة وهي تفتح عينيها، لكن.. مفيش حد. ولا أي حاجة! الغرفة كانت خالية تماماً من أي وجود بشري، إلا من ظلال الأثاث التي كانت تبدو في ضوء القمر المتسلل من الشباك وكأنها تتطاول وتتحرك ببطء خلفها. وقفت ليلى مكانها تحاول استيعاب ما جرى بذكائها المعهود، ثم تحركت نحو المطبخ بهدوء مصطنع، صنعت لنفسها كوباً من الشاي الساخن لعل حرارته تدفئ ذلك الرعب الذي تسلل لأطرافها. ورغم أن يديها كانت ثابتة وهي تمسك الكوب، إلا أن عالمها الداخلي كان مليئًا بالتساؤلات.

​رجعت وجلست أمام الظرف الغامض مرة أخرى، ارتشفت من الشاي وسألت نفسها بذهول: "لعبة؟ مين بيلعب؟ وليه أنا؟ وإيه اللي جوه الظرف ده يقدر يغير حياتي؟" قامت ووقفت عند الشباك، نظرت للشارع بالخارج؛ كان الناس يمشون بصورة عادية، والسيارات تمر، والمدينة تضج بالحياة، لكنها لم تكن تشعر بمثل هذا الاعتياد داخل جدران الشقة 407. حطت الظرف الغامض جنب المصحف، وبصت لهم سوا، وبهدوء وثبات قررت في سرها: "أنا مش همشي."

​سكتت لحظة وكأنها تتحدى ذلك المجهول الذي بدأ يطرق أبواب حياتها: "أياً كان اللي بيحصل.. أنا هفهمه، والحقيقة اللي مستنية في الظل أنا اللي هطلعها للنور."

الليل خيم بالكامل، والشقة أصبحت هادية جداً.. زيادة عن اللازم، صمت يمكنك أن تسمع فيه أنفاس الجدران. ليلى كانت واقفة في منتصف الصالة، حاسّة إن في حاجة بدأت فعلاً، مش مجرد انتقال لشقة جديدة، بل بداية لدوامة كبرى من الغموض والخطر، رحلة.. مش هتعرف ترجع منها بسهولة، والزائر الأخير قد أعلن عن وصوله بوضوح.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
114 Chapters
الفصل الثاني ضجيج الصمت
​استيقظت ليلى في صباحها الأول على سيمفونية المطر الرتيبة؛ حبات الماء كانت تضرب زجاج الشباك بانتظام وهدوء، لكنه كان هدوءاً مستفزاً، كأن السماء تحاول إرسال شفرة مجهولة لم تستطع فك رموزها بعد. برغم أن صوت المطر عادة ما يبعث السكينة في القلوب، إلا أن ليلى لم تكن مرتاحة؛ كانت تشعر بوزن ثقيل يجثم على صدرها منذ لحظة فتح عينيها، كأن الهواء في الشقة أصبح أكثر كثافة. استلقت للحظة تراقب سقف الغرفة الشاحب، وأول ما قفز إلى مخيلتها كان "الظرف الغامض"، وذلك الهمس الأنثوي الذي اخترق سكون ليلتها بالأمس. أغمضت عينيها مرة أخرى، وهي تحاول جاهدة إقناع نفسها بعبارة واحدة: "يمكن كنت بحلم.. أكيد كل ده كان مجرد كابوس بسبب إرهاق النقل." ​لكن الإحساس البارد الذي كان لا يزال يسكن أطرافها، واليقظة الغريبة في حواسها، كانا يصرخان بالعكس. قامت من السرير ببطء، ووقفت لثوانٍ وهي تراقب اهتزاز الستائر الخفيف، ثم اتجهت فوراً نحو باب الشقة لتفقد إجراءاتها الأمنية. ليلى لم تكن فتاة عادية تعتمد على الصدف، بل كان ذكاؤها الفطري يدفعها دائماً لتأمين خطواتها؛ لذا كانت قد وضعت "فخاخاً" بسيطة قبل أن تغط في النوم: خيط رفيع جداً تح
last updateLast Updated : 2026-03-17
Read more
الفصل الثالث شظايا الحقيقة
كان قلب ليلى يدق بسرعة جنونية، نبضات قوية ومزعجة لدرجة أنها شعرت بها تُقرع في أذنيها كطبول حرب لا تهدأ، وكأن جسدها يحذرها من خطوة قد لا تعود منها أبداً. رغم ذلك الثوران الذي كاد يقتلع صدرها، حاولت التماسك بكل قوتها؛ أخذت نفسًا عميقًا وبطيئًا، وهي تردد في داخلها بصرامة تحاول بها إسكات رعشة أطرافها التي كادت تفضح ضعفها أمام هذا الصمت المريب: "الخوف مش هيساعدني… الخوف عدو العقل، وأنا محتاجة عقلي دلوقتي أكتر من أي وقت فات." ​وقفت أمام باب الشقة 408 الموارب، وعيناها مثبتتان بحدة على الستارة التي كانت تتحرك ببطء مريب خلف الزجاج؛ حركة ناعمة وانسيابية رغم أن الهواء في الممر كان ساكنًا تماماً، ولا توجد حتى نسمة ريح واحدة تفسر ذلك التمايل المتناغم مع سكون الموت في المكان. بلعت ريقها وهي تسأل نفسها بصوت مخنوق يكاد لا يسمع من فرط التوتر: "في حد جوه… ولا في حاجة تانية أنا مش فاهماها؟" ​في تلك اللحظة القاسية، مرّ صوت أمها الحنون في عقلها كطوق نجاة يرفرف حول روحها ليمنحها الثبات: "خلي عقلك سابق خوفك يا ليلى… اللي بيخاف من ضله بيفضل طول عمره في الضلمة، والحقيقة دايمًا بتستخبى ورا أكتر حاجة بنخاف
last updateLast Updated : 2026-03-17
Read more
الفصل الرابع مفتاح الخطيئة
وقفت ليلى في منتصف الغرفة، والمفتاح ما زال بين أصابعها، ينبض بحرارة غريبة كأنه كائن حي يتنفس داخل كفها. لم تسحبه… لم تُسقطه… فقط تركته هناك، كأنها تخشى أن تفقد هذا الخيط الوحيد الذي يربطها بشيء بدأت تشعر أنه أعمق من مجرد خوف عابر. الصوت الذي سمعته خلفها لم يكن صادمًا كما توقعت؛ الغريب أنه لم يفاجئها، وكأن جزءًا منها كان يعرف أنه سيظهر… أو ربما كان ينتظره منذ اللحظة التي وطأت فيها قدماها هذه العمارة الملعونة برائحة المسك والغموض. ​لفّت ببطء، دون استعجال، وكأنها تتحرك في حلم ثقيل داخل مياه راكدة. في الركن المظلم، وقف الرجل المقنع كما هو، ساكنًا بلا حركة تُذكر، كأنه جزء من الجدار، أو ظل انفصل عن صاحبه وقرر أن يعيش وحده في هذا الفراغ الموحش. عيناه فقط كانتا واضحتين؛ بريق فضي بارد يشبه انعكاس الضوء على شظايا زجاج مكسور وسط ليلة شتوية مظلمة. نظرت إليه ليلى طويلًا، دون أن تتراجع خطوة واحدة، كانت عيناها تتحدى ذلك السكون المريب الذي يحيط به. ​"إنت مين؟" قالتها بصوت منخفض، لكنه يحمل ثباتاً أدهشها هي شخصياً، ثباتاً استمدته من شعورها بأنها لم تعد تلك الساكنة الجديدة الغريبة. ​لم يرد الرجل فورًا
last updateLast Updated : 2026-03-14
Read more
الفصل الخامس مرآة الزمن
لم تستغرق ليلى وقتًا طويلًا في التفكير؛ كانت تشعر أن الوقوف على الأعتاب هو الموت بحد ذاته. الصوت الذي خرج من خلف الباب كان واضحًا كأنه يخرج من حنجرتها هي، صدى مألوف لدرجة مرعبة، لكن رغم ذلك، لم تتراجع خطوة واحدة. كانت هناك لحظة صمت قصيرة بين نبضتين متلاحقتين، لحظة قررت فيها بقلب ميت أن التردد لن يفيدها هذه المرة، وأن الحقيقة مهما كانت قاسية، فهي أرحم من هذا الجهل القاتل. ​أدخلت المفتاح في القفل، وشعرت برعشة خفيفة تسري من المعدن البارد إلى ذراعها. صوت احتكاك المفتاح بمسننات القفل بدا أعلى مما ينبغي، كأنه يتردد في مكان أوسع بكثير من ذلك الممر الضيق والموحش، كأن العمارة كلها تصغي لهذه اللحظة. لفت المفتاح ببطء شديد، وكل جزء داخلها كان يتابع الحركة بتركيز حاد، كأن العملية تحدث في تجاويف قلبها لا في خشب الباب. ​"طَق…" ​انفتح القفل، وصدر صوت معدني أعلن عن انكسار القيد الأخير. توقفت يد ليلى للحظة على المقبض المعدني البارد، لم يكن خوفاً بالمعنى التقليدي، بل كان إحساساً غريباً بالرهبة، بأنها على وشك عبور خط فاصل.. ليس مجرد باب خشبي، بل بوابة بين عالمين. ​ثم دفعت الباب. لم يُصدر الباب أي
last updateLast Updated : 2026-03-14
Read more
الفصل السادس وجهان لعملة واحده
احست ليلي بأرجلها تسمرت وكأنها اسمنت أو أن الأرضية النظيفة بشكل مبالغ فيه قد تحولت إلى صمغ يشدها نحو الأسفل. كان الظل يقترب من فتحة الباب الموارب ببطء يثير الجنون، ومع كل حركة خفيفة، كان الهواء في الشقة "الدافئة" يزداد برودة، برودة لا تشبه شتاء الخارج، بل برودة تنبع من الداخل، من أعماق الذكريات التي حاولت ليلى وأدها لسنوات. انفتح الباب بالكامل أخيراً، وخرجت "هي" إلى ضوء الصالة الخافت. ​توقف الزمن. سكنت الرياح التي كانت تعوي في الخارج، وحتى صوت دقات قلب ليلى بدا وكأنه صمت احتراماً لهذه اللحظة الفارقة. كانت تقف أمامها.. نسخة طبق الأصل منها، بذات الملامح، وذات العيون الواسعة المليئة بالحيرة، لكن الفارق كان في "النظرة". ليلى التي تقف أمام الباب كانت ترتجف، يملأها الرعب والتساؤل، أما "ليلى" الأخرى، فكانت هادئة ببرود مرعب، كأنها تمثال رخامي منحوت ببراعة ليحاكي البشر. ​"إنتي... إنتي إزاي؟" خرجت الكلمات من ليلى بصعوبة، كأن حنجرتها قد جفت تماماً. ​ابتسمت النسخة الأخرى ابتسامة باهتة، لم تصل إلى عينيها الفضيتين التي تشبه بريق شظايا المراية المكسورة. "السؤال مش إزاي يا ليلى.. السؤال هو: إنتي
last updateLast Updated : 2026-03-14
Read more
الفصل السابع حبر الذاكرة الغريب
لم تختفِ تلك الصورة البشوشة فوراً من مخيلة ليلى؛ الخطوط التي بدأت تتكون على الحائط في الشقة الموازية، شكل الباب الجديد الذي كان يبرز من العدم.. كل ذلك ظل محفوراً في ذهنها كوشم بارد، حتى وهي تتحرك الآن خارج ذلك القبو اللعين. لم تنتظر لترى اكتمال المشهد، ولم تحاول لمسه؛ كان هناك إحساس داخلي، هادئ لكنه حاسم كشفرة حادة، يخبرها أن الخطوة القادمة ليست هناك.. ليس الآن على الأقل. ​خرجت إلى الممر المظلم، وأغلقت الباب خلفها بهدوء حذر، وكأنها تؤجل مواجهة حتمية لن تستطيع الهروب منها طويلاً. وقفت لحظة في سكون الممر، لكنه لم يكن نفس السكون الموحش الذي شعرت به أول مرة؛ المكان بدأ يصبح مألوفاً بشكل مقلق، كأن جدران العمارة بدأت تتعرف على رائحتها وتعتاد وقع أقدامها. ​"وده أخطر..." همست بها لنفسها وهي تشعر بقشعريرة باردة. أن تألف الخطر يعني أنك بدأت تفقد حذرك. ​تحركت بسرعة ناحية شقتها في الطابق الرابع. دخلت، وأغلقت الباب بالمزلاج الحديدي، واتكأت عليه لحظة وهي تأخذ نفساً عميقاً يحمل بقايا رائحة المسك العتيقة. كان الإحساس داخلها متداخلاً؛ توتر ينهش أعصابها، فضول يحترق في عقلها، وحاجة ثالثة بدأت تكبر
last updateLast Updated : 2026-03-14
Read more
الفصل الثامن فجوه في جدار اليقين
كانت الخطوة التي اتخذتها ليلى ناحية المطبخ محسوبة بدقة؛ لم تكن بطيئة زيادة عن اللزوم لتظهر ضعفها، ولا سريعة بشكل متهور قد يوقعها في فخ مجهول. لكن الصمت الذي خيّم على الشقة بعد ذلك الصوت الوحيد كان مقلقاً أكثر من الضجيج نفسه. وقفت عند مدخل المطبخ، واستندت بكتفها على الإطار الخشبي وهي تتفحص المكان بعينين صقريتين. ​كل شيء كان في مكانه الظاهري؛ الحوض المعدني اللامع، دولاب المطبخ الخشبي، اللمبة الصفراء الخافتة التي تتدلى من السقف وتلقي ظلالاً مهزوزة على الأرضية. نفس التفاصيل التي تراها كل يوم وتلمسها كل صباح. لكن الإحساس... لم يكن هو نفسه. كان هناك "ثقل" في الهواء، كأن ذرات الأوكسجين قد استُبدلت بمادة أخرى أكثر كثافة وبرودة. ​دخلت خطوة واحدة، ثم توقفت. حركت عينيها ببطء على كل ركن، حتى استقرت نظراتها على الحوض. الحنفية كانت مفتوحة بشكل طفيف، ونقطة مياه وحيدة كانت تنزلق ببطء قاتل. "تك..." ثم سكون مطبق. "تك..." ضيقت ليلى عينيها وهي تشعر ببرودة تسري في أطراف أصابعها. "أنا ما سبتهاش مفتوحة..." همست لنفسها بيقين. قربت خطوة أخرى، والصوت أصبح أوضح، يدق في رأسها كأنه طبول حرب بعيدة. وفجأ
last updateLast Updated : 2026-03-14
Read more
الفصل التاسع شتات الحقيقة الاولي
​لم تتحرك ليلى؛ تحجرت في مكانها بينما كان الظل أمامها يزحف ببطء مريب على الأرضية، يتمدد في اتجاهها كأنه كيان حيّ يمتص الضوء، وليس مجرد انعكاس لنور المصباح الضعيف. ومع كل ثانية تمر، كانت تشعر أن المسافة بينهما تتلاشى، ليس لأنه يقترب بسرعة، بل لأنه موجود بالفعل أقرب مما يجب.. كأنه يتسرب تحت جلدها. ​الهواء صار أثقل، يحمل برودة لا تنتمي للشتاء، برودة تخترق المسام وتستقر في النخاع. حاولت ليلى أن تخطو خطوة واحدة للوراء، لكن رجليها لم تستجيبا فوراً؛ لم يكن شللاً ناتجاً عن الخوف، بل كانت "مقاومة" من المكان نفسه، كأن أرضية المطبخ ترفض أن تتركها تبتعد عن المواجهة. ​ثم جاء الصوت مرة أخرى، أوضح وأعمق، يتردد في أركان عقلها قبل أذنيها: "إنتي فاكرة إنك لسه بتدوري؟" ​خفق قلبها بعنف، لكنها ردت بثبات أدهشها هي شخصياً: "أنا مش بدور... أنا برجع." ​ساد صمت ثقيل بعد جملتها، صمت مختلف، فيه نوع من الاعتراف الخفيّ بقوتها. توقف الظل تماماً عن الزحف، وكأنه يقيمها، يزن مقدار صدقها في تلك اللحظة. "كويس..." قال الصوت ببطء ممزوج ببرود قاتل، "على الأقل فاكرة جزء." ​ضيقت ليلى عينيها، وشدت قبضتها على حافة الر
last updateLast Updated : 2026-03-14
Read more
الفصل العاشر شقاق الاختيار الاخير
الهدوء كان أول ما لاحظته ليلى حين استعادت وعيها بمحيطها؛ لم يكن هدوءاً طبيعياً، ولا ذلك السكون المعتاد الذي يعقب العواصف، بل كان هدوءاً "كاملاً" ومريباً، كأن كل ما حدث منذ دقائق—الظل، الأصوات، والكلمات المسموعة —قد مُسح ببراعة من نسيج الواقع. وقفت في منتصف المطبخ، وعيناها تدوران ببطء في أرجاء المكان؛ الحوض في مكانه، الدولاب الخشبي مستقر، والحائط عاد أملساً كما كان.. مفيش أبواب، مفيش خطوط، ولا أثر لأي دليل يثبت أن جنوناً قد مر من هنا. ​أخذت نفساً عميقاً، وهمست بصوت واهن: "كأن مفيش حاجة حصلت..." لكنها لم تصدق نفسها. الإحساس داخلها كان يصرخ باليقين: كل شيء لا يزال هنا، لكنه اختار أن يستتر خلف قناع المألوف. ​خرجت من المطبخ بخطوات أهدأ، لم تكن حذرة فحسب، بل كانت خطوات مدروسة كمن يمشي فوق حقل ألغام غير مرئي. نظرت للكنبة؛ كان الدفتر مغلقاً في مكانه، كأنه لم يتحرك قط. اقتربت منه ببطء، وقفت أمامه لحظة، ثم التقطته وفتحته. كانت الصفحات عادية، الرسومات الهندسية عادت لسكونها الأول، واختفت الجمل الجديدة والصفحات الغامضة. ​"ما تثقيش في أول حاجة تفتكريها..." همست بالجملة وهي ترفع عينيها لتتأمل ا
last updateLast Updated : 2026-03-14
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status