سرد وفاة الإمام موسى الكاظم محاط بشبكة مصادر تاريخية كلاسيكية تختلف في التفاصيل لكنها تتفق على عناصر أساسية: الحبس في بغداد والوفاة والدفن في موضع الكاظمية الذي صار لاحقًا قبرًا وجامعًا يعرفه الناس حتى اليوم.
المراجع الشيعية تضع هذه الحكاية في مركز رواياتها عن الإمامة والشهادة، وأهمُّها ما جمعته كتب الحديث والتراجم عند علماء الشيعة. على رأسها 'الكافي' للشيخ الكليني الذي يحتوي على أحاديث ونُقلٍ عن الإمام نفسه وعن معاصرين له تشير إلى محنته وسجنه، ثم تأتي أعمال مثل '
من لا يحضره الفقيه' لابن بابويه (الصدوق) و'تهذيب الأحكام' و'الاستبصار' للشيخ الطوسي التي تحوي أحاديث تاريخية وفقهية عن واقعة الحبس والوفاة. كذلك يقدّم الشيخ المفيد في 'الإرشاد' سيرة موجزة للأئمة تتضمن ظروف اعتقاله ووفاته، ويجمع المجلد الضخم 'بحار الأنوار' للعلامة المجلسي المزيد من الروايات والشواهد والتفاصيل التي تذكر تسمية الجاني – وغالبًا ما تُحمَل المسؤولية إلى الخليفة هارون الرشيد أو من يفعل بوصيته، وتؤكد أن سبب الوفاة كان السمّ.
جانب المصادر السُّنية لا يغيب عن المشهد؛ فإن المؤرخين والكتّاب المسلمين العامَّة كتبوا عن موت موسى بن
جعفر كحدث مهم في تاريخ الخلفاء والعبّاسيين. من هذه المصادر 'تاريخ الطبري' لابن جرير الطبري الذي يورد أحداثًا متعلقة بالاعتقال والصراع السياسي بين البيت العباسي وآل البيت، ويذكر وفاة موسى الكاظم أثناء سجنه في بغداد. كذلك ذكره مؤرخون مثل ابن سعد في 'الطبقات الكبرى' وبلاذري في 'أنساب الأشراف' ومن ثم ابن الأثير في 'الكامل في التاريخ' والأسماء والنوادر عند بعض الكُتّاب الجغرافيين والرحّالة الذين وثّقوا حكايات عن موضع دفنه. كثير من هذه المصادر تشير إلى أن المعتقلين من أهل البيت كانوا يُنظر إليهم باعتبارهم بؤر قلق سياسي، وتذكر أن وفاة موسى حصلت في السجن، وبعضها يذكر شبهة التسميم أو يُلمّح إلى تورط دواوين الدولة دون أن تكون رواياتها متطابقة مع صياغات الرواية الشيعية التفصيلية.
عند قراءة تلك المراجع معًا يتبين نمطان: توافق عام بين المجموعتين على الحبس والوفاة في بغداد والدفن في موضع الكاظمية، واختلاف في تفصيل الجاني والدافع والكيفية (القول بالتسميم مُسلَّط بقوة في المصادر الشيعية وبدرجة أقل أو بتشكّل مختلف في بعض المصادر السنية أو التاريخية العامة). لذلك الباحث الحديث يعتمد على مقارنة السند والنص، وينظر إلى التداخل بين رواة الشيعة والسنة في بعض حلقات السرد ليكوّن صورة نقدية أكثر توازنًا. الأثر العملي واضح: تاريخ وفاة الإمام بات حدثًا ذا وقع شعبي وديني وسياسي، وأن مزار 'الكاظمية' يعكس استمرارية هذا الذِكر عبر القرون.
صحيح أنني أميل إلى قراءة النصوص مع حس نقدي ولا أقبل الرواية الوحيدة بلا مقارنة، لكن تبقى حقيقة الحبس والوفاة في بغداد والدفن في الكاظمية نقطة اجماع تاريخية بارزة، فيما تبقى أسئلة الأسباب والتفاصيل الموضوعية محل اختلاف وتفسير حسب الموقف المنهجي للمؤرّخ.