Se connecterلم تُنجب يومًا... هكذا كانت تظن. حتى جاءت طفلة تحمل وجه الأسئلة كلها، وتناديها بأكثر كلمة تخشاها: أمي وهذه الكلمة ستكشف لها حياة كاملة سُرقت منها.
Voir plusكانت سرين تقود ببطء وهي تشعر أن هذا اليوم استنزف آخر ما فيها. شاشة الهاتف على المقعد المجاور ما زالت تضيء كل بضع ثوانٍ برسائل من العمل، لكنّها لم تمد يدها إليه. لم تعد تملك رغبة في الرد على أحد، ولا حتى في قراءة ما يريدونه منها. كل ما كانت تريده أن تصل إلى بيتها، تخلع كعبيها العالي، وتدخل إلى ذلك الصمت الذي اعتادت أن تعتبره النعمة الوحيدة الصادقة في حياتها.
عندما توقفت أمام المنزل، بقيت للحظة ممسكة بالمقود. سكون الشارع في هذا الوقت كان كثيفًا، والهواء خلف الزجاج بدا باردًا على نحو غير مريح. أغمضت عينيها لثانيتين، ثم فتحت الباب ونزلت. لفحتها برودة الليل فورًا. أغلقت السيارة، سحبت حقيبتها على كتفها، وبدأت تمشي نحو الباب وهي تفتش عن المفاتيح في داخل الحقيبة من دون أن تنظر. حفظت هذا الطريق عن ظهر قلب. ثلاث خطوات على الرخام، انعطافة صغيرة قرب الأصيص الحجري، ثم درجتان قصيرتان تؤديان إلى المدخل. لم تكن بحاجة إلى أن ترفع رأسها حتى. لكنها رفعت رأسها. وتوقفت. في البداية ظنّت أن هناك كيسًا صغيرًا أو صندوقًا موضوعًا قرب الباب. شيئًا تركه أحد العاملين أو أحد الجيران بالخطأ. كان الظل صغيرًا ساكنًا، لكنه لم يكن جامدًا بالكامل. وعندما دققت أكثر، شعرت بشيء بارد ينساب من عنقها إلى ظهرها. لم يكن صندوقًا. كانت طفلة. طفلة صغيرة تقف وحدها أمام باب منزلها. تجمدت قدماها في مكانهما. للحظة لم تعرف إن كانت تتقدم أم تعود إلى الخلف. كل ما استطاعت فعله هو التحديق. كان شعر الطفلة أسود طويلًا، غير مرتب تمامًا، وينزل على كتفيها كستارة ناعمة. ترتدي فستانًا باهت اللون فوقه سترة خفيفة لا تكفي هذا البرد. يداها الصغيرتان متشابكتان أمامها، وعيناها معلقتان بسرين كأنها كانت تنتظرها منذ ساعات. عقدت سرين حاجبيها ورفعت صوتها بحذر غريزي. "من أنتِ؟" لم تهرب الطفلة. لم ترتبك. لم تنظر خلفها بحثًا عن أحد. فقط بقيت تحدق بها، ثم تحركت شفتاها ببطء، وخرج صوتها صغيرًا، واضحًا، ومروّعًا في بساطته. "أمي... لماذا تركتِني؟" انقبض قلب سرين بقوة حتى شعرت أن الهواء اختفى من حولها. حدقت فيها بلا فهم، وكأن أذنها التقطت جملة بلغة لا تعرفها لكنها فهمت وقعها الكارثي. "ماذا؟" تقدمت الطفلة خطوة واحدة فقط، وكررت السؤال كأنها لا ترى فيه أي غرابة. "لماذا تركتِني؟" شعرت سرين أن أصابعها فقدت قوتها. كادت الحقيبة تنزلق من يدها. هزت رأسها بسرعة وهي تتراجع نصف خطوة. "لا... أنتِ مخطئة. أنا لست أمك." لم يظهر على وجه الطفلة أي ارتباك. لا دهشة، لا شك، لا حتى خوف من التكذيب. كان ذلك أسوأ ما في الأمر. لو بكت، لو تلعثمت، لو قالت إنها أخطأت في العنوان، لربما انتهى كل شيء في لحظته. لكنها لم تفعل. ظلت تنظر إليها بثبات مقلق ثم قالت بهدوء حاسم: "أنتِ أمي." تلفتت سرين حولها في حركة سريعة حادة. الشارع خالٍ. البيوت المقابلة مظلمة. لا سيارة متوقفة بشكل يثير الشك. لا أحد يراقب. لا كاميرا خفية. لا مزحة سمجة من أحد. أعادت نظرها إلى الطفلة، هذه المرة بتمعن. صغيرة جدًا على أن تكون جزءًا من لعبة ثقيلة كهذه. وشاح باهت، ركبتان مغبرتان قليلًا، أطراف أصابع محمرة من البرد، عينان واسعتان محملتان بشيء أكبر من عمرها. قالت سرين بصوت أشد قسوة مما أرادت: "أين أهلك؟" صمتت الطفلة. "من أحضرك إلى هنا؟" "جئت إليكِ." تصلبت ملامح سرين أكثر. "كيف؟ مع من؟" هزت الطفلة كتفيها كأن السؤال لا يهم. ثم كررت بنبرة أهدأ، وكأنها تتحدث عن حقيقة لا تحتاج شرحًا: "جئت إليكِ." شعرت سرين بالانزعاج يتحول إلى شيء أقرب إلى الخوف. تقدمت خطوة بطيئة، مراقبة كل تفصيلة في هذا الوجه الصغير. لم يكن مألوفًا لها. هي متأكدة. لو رأت هذه الطفلة من قبل لتذكرتها. أو هكذا حاولت إقناع نفسها. "ما اسمك؟" "سديم." تردد الاسم داخلها بشكل غريب، كأنّه ارتطم بشيء قديم في الذاكرة ثم اختفى قبل أن تمسكه. ضاقت عيناها، لكنها تماسكت. "حسنًا يا سديم. يبدو أنك أخطأتِ في العنوان أو في الشخص. سأطلب الشرطة لتأخذك إلى أهلك." ما إن نطقت بكلمة "الشرطة" حتى تبدل وجه الطفلة. لم تبكِ، لكن الخوف لمع فجأة في عينيها، خالصًا وصادقًا إلى حد أزعج سرين أكثر. "لا... أرجوكِ." توقفت سرين. "لماذا؟" ابتلعت سديم ريقها، ثم قالت بصوت كأنّه يخرج من مكان عميق فيها: "لأنهم سيأخذونني بعيدًا عنكِ مرة أخرى." شعرت سرين بوخزة حادة أسفل ضلوعها. "مرة أخرى؟" رفعت الطفلة رأسها بالكامل. في تلك العينين شيء لم تستطع سرين أن تضع له اسمًا. لم يكن مجرد حزن. كان يشبه ذكرى جرح قديم لم يلتئم. انحنت سرين قليلًا حتى صار وجهها أقرب إلى وجهها، وقالت ببطء واضح، كما لو كانت تخاطب طفلة ضائعة في مركز تجاري: "استمعي إليّ جيدًا. أنا لا أعرفكِ. ولم أنجب طفلًا في حياتي. لا يمكن أن أكون أمك. هل فهمتِ؟" نظرت إليها سديم طويلاً، ثم رفعت يدها الصغيرة وأمسكت طرف معطفها بخفة مرتجفة. "لكنني أعرفكِ." تجمدت سرين للحظة قبل أن تسحب طرف المعطف ببطء من بين أصابعها. لم يكن في لمسة الطفلة عنف أو تمسك مزعج. كان فيها شيء أسوأ بكثير. ثقة جريحة. أخرجت هاتفها من الحقيبة بعصبية، وضغطت الشاشة، لكن أصابعها لم تكن ثابتة كما يجب. لوهلة لم تستطع حتى إدخال كلمة المرور. شعرت بعيني الطفلة عليها طوال الوقت. "أمي... ألم تشتاقي إليّ؟" رفعت سرين رأسها بحدة. الكلمة اخترقت صدرها هذه المرة على نحو مختلف. لم تكن سؤالاً فقط. كانت اتهامًا وحنينًا ووجعًا متراكمًا في جملة واحدة. شعرت فجأة بصورة خاطفة تلمع في رأسها من دون مقدمات: ضوء أبيض قوي، ستارة تتحرك قرب نافذة، وصوت بكاء بعيد جدًا. اختفت الصورة قبل أن تفهمها، لكنها تركت وراءها ارتجافة باردة في ذراعيها. وضعت يدها الحرة على الباب خلفها لتستند إليه. هذا جنون. إرهاق. ضغط عمل. أي شيء إلا ما يخطر الآن بعقلها. هي لم تتزوج أصلًا. لم تحمل. لم تنجب. هذه ليست أمورًا يمكن أن تُنسى أو يختلط فيها الوهم بالحقيقة. "من قال لكِ إنني أمك؟" سألتها بصوت خرج مكسورًا رغم محاولتها أن يبقى ثابتًا. خفضت الطفلة رأسها قليلاً، ثم أعادت النظر إليها. "لا أحد." ساد الصمت بينهما. "أنا أعرف." في اللحظة نفسها سقطت المفاتيح من يد سرين وارتطمت بالأرض بصوت معدني حاد مزق سكون الشارع. انحنت تلقائيًا لتلتقطها، لكنها لم ترفع عينيها عن الطفلة. كانت سديم ما تزال واقفة في مكانها، لا تقترب ولا تبتعد، كأنها تعرف أن كل خطوة زائدة قد تكسر شيئًا هشًا بينهما. تذكرت سرين فجأة أنها تقف أمام بيتها ليلًا مع طفلة مجهولة لا تعرف من أين جاءت ولا كيف وصلت. حاولت أن تستعيد عقلها العملي، ذلك الجزء البارد المنظم منها الذي ينقذها دائمًا من الانفعال. "اسمعي." اعتدلت واقفة. "سأدخل بك إلى الداخل فقط لأن الجو بارد. وسأتصل بالشرطة أو بخدمة حماية الطفل أو بأي جهة مختصة. هذا كل شيء. هل هذا واضح؟" لم تجب سديم. لكنها رفعت عينيها إلى الباب، ثم عادت إلى سرين بنظرة خافتة جعلتها تبدو أصغر من لحظات سابقة. كأنها لم تكن تنتظر أكثر من هذه الخطوة. أدخلت سرين المفتاح في القفل وهي تشعر بأن أصابعها أثقل من المعتاد. عندما فتح الباب، اندفأ الضوء الداخلي إلى الخارج وشق العتمة المحيطة بهما. دخلت أولاً، ثم التفتت لترى إن كانت الطفلة ستتردد. لم تتردد. دخلت بهدوء، كما لو أنها تعرف هذا البيت. أغلقت سرين الباب بسرعة أكبر مما ينبغي، ثم وقفت مقابله للحظة، متنبهة لكل شيء. الردهة الواسعة، المرآة الطويلة قرب الجدار، المزهرية الزجاجية على الطاولة الجانبية، السجادة الرمادية الممتدة حتى الصالة. كل شيء في مكانه. كل شيء مألوف. لكن وجود هذه الطفلة في قلب هذا الترتيب الدقيق جعل المنزل كله يبدو غريبًا فجأة. نزعت سديم سترتها الخفيفة ببطء وهي تحدق في الصالة كأنها تراها للمرة الأولى، لكنها لا تبدو خائفة منها. "اجلسي هنا." أشارت سرين إلى الأريكة البعيدة قليلًا عن المدخل. جلست الطفلة من دون اعتراض، ووضعت يديها في حجرها. لم تعبث بشيء، لم تطرح أسئلة، لم تبدُ حتى مبهورة بالمكان. كانت هادئة بطريقة أزعجت سرين أكثر من أي بكاء محتمل. وضعت حقيبتها على الطاولة، واتجهت مباشرة إلى المطبخ المفتوح. ملأت كوبًا بالماء وعادت به إليها. "اشربي." أخذته سديم بكلتا يديها وشربت ببطء. كانت ترتجف قليلاً الآن بعد أن دخلت الدفء، وشيء ما في هذا الارتجاف هزّ قلب سرين رغمًا عنها. "كم عمركِ؟" "ثمانية." "ومتى خرجتِ من بيتك؟" هزت كتفيها. "لا أعرف." ضغطت سرين شفتيها. "من يعيش معكِ؟" ترددت الطفلة هذه المرة. "خالتي... أحيانًا." "ما اسمها؟" "هالة." الاسم لا يعني لها شيئًا. كانت مستعدة لهذا. كل معلومة ستقود إلى حل بسيط، عقلاني، ومن ثم سينتهي هذا الكابوس. طفلة ضائعة، امرأة اسمها هالة، اتصال، سيارة شرطة، توقيع، ونهاية. هذا هو السيناريو الوحيد المنطقي. "وما اسم والدك؟" انخفضت عينا سديم إلى الكوب بين يديها. "لا أعرف." شعرت سرين بشيء يضيق في صدرها، لكنها تجاهلته. لا مجال للعاطفة الآن. "كيف وصلتِ إلى هنا؟" رفعت الطفلة نظرها إليها من جديد. "كنت أعرف الطريق." "كيف تعرفين الطريق إلى بيتي؟" صمتت. "سديم." أطبقت الطفلة شفتيها ثم قالت بصوت منخفض: "كنت أعرف أنك هنا." كانت الإجابات الغامضة تستنزف أعصابها. سحبت هاتفها مجددًا وبدأت تبحث عن رقم الشرطة، لكنها توقفت عندما سمعت الطفلة تهمس بشيء. "لا تحبين الزهور الصفراء." رفعت سرين عينيها بسرعة. "ماذا؟" نظرت سديم إلى المزهرية الموضوعة على الطاولة الجانبية قرب المدخل، ثم عادت إليها. "كنتِ تكرهينها وتقولين إنها تشبه الأشياء التي تذبل بسرعة." تجمدت سرين للحظة. هذه جملة... ليست مألوفة تمامًا، لكنها ليست بعيدة أيضًا. شيء يشبه نبرة كانت تخصها فعلًا. هل قالت يومًا شيئًا كهذا؟ ربما. الناس يكررون أفكارًا متشابهة طوال الوقت. قد تكون مصادفة. مجرد مصادفة. "من قال لك هذا؟" "أنتِ." "أنا لا أعرفك." "لكنني أعرفك." ارتفعت دقات قلبها مجددًا. كرهت هذه الجملة. كرهت الطريقة التي تقولها بها الطفلة بلا ارتباك، كما لو أن الحقيقة كلها تقف إلى جانبها. ابتعدت سرين بضع خطوات نحو المطبخ، فقط لتأخذ مسافة. فتحت الثلاجة من دون حاجة فعلية، ثم أغلقتها. التفتت مرة أخرى. "هل أخبرتك تلك المرأة... هالة... أن تأتي إليّ؟" هزت سديم رأسها نفيًا. "هل هربتِ من البيت؟" صمت. "سديم، أحتاج أن أعرف." "لم أهرب." رفعت الطفلة رأسها. "رجعت." ارتجفت يد سرين على حافة الرخام. "رجعتِ إلى أين؟" "إليكِ." خطر لها لجزء من الثانية أن تلتقط هاتفها وتتصل بديمة، صديقتها الوحيدة التي قد تأتي في هذا الوقت من دون أسئلة كثيرة. لكنها كرهت الفكرة فورًا. كيف ستشرح ما يحدث؟ كيف ستقول بصوت عالٍ إن طفلة مجهولة دخلت بيتها وتصر على أنها أمها؟ مجرد سماع الجملة سيجعلها تبدو فاقدة للتوازن. اقتربت من الأريكة وجلست على المقعد المقابل، محافظة على مسافة واضحة. "اسمعي يا سديم. سأطرح عليك أسئلة، وأريد أجوبة واضحة. هل هذا مفهوم؟" أومأت الطفلة. "أين بيتك؟" "لا أعرف العنوان." "في أي منطقة؟" هزت كتفيها. "في أي مدرسة تدرسين؟" صمتت ثانية أطول. "لا أذهب كثيرًا." "لماذا؟" "لأنهم كانوا يخافون أن يسألني أحد." تجمدت سرين بالكامل. "من هم؟" لكن سديم شددت قبضتها على الكوب ولم تجب. كان وجهها الصغير قد انطفأ فجأة، كأن السؤال لمس بابًا لا تريد فتحه. رأت سرين الأثر الباهت لكدمة قديمة قرب معصمها الأيسر، بالكاد تُرى تحت الإضاءة. أحست بانقباض حاد في معدتها. "هل أحد يؤذيكِ؟" رفعت الطفلة رأسها بسرعة كأنها فوجئت بالسؤال نفسه أكثر من مضمونه. "لا." كذبتها واضحة. أو ربما لم تكن كذبة كاملة، بل ذلك النوع من الإنكار الذي يتعلمه الأطفال حين يعتادون الخوف. نهضت سرين بلا وعي واتجهت نحو خزانة جانبية، أخرجت بطانية خفيفة، ثم توقفت للحظة قبل أن تعود بها. مدت يدها لتضعها على كتفي سديم، فتصلب جسد الطفلة في البداية، ثم استرخى تدريجيًا تحت الدفء. كانت حركة بسيطة، لكنها أطلقت داخل سرين شعورًا غريبًا يشبه الألم. "هل أنتِ جائعة؟" أومأت الطفلة بخجل. ذهبت سرين إلى المطبخ وأحضرت لها شطيرة وبعض الفاكهة. جلست تراقبها وهي تأكل بصمت، ببطء، كما لو كانت تحاول ألّا تبدو شرهة رغم الجوع. كان في تصرفاتها تهذيب غير متوقع، لكنه ممزوج بتحفز صامت. وكأنها اعتادت أن تُراقب في كل حركة. "منذ متى وأنتِ تعرفين أنني..." لم تستطع إكمال الكلمة. ابتلعت سديم لقمتها وقالت: "منذ وقت طويل." "كيف؟" "كنت أراك." "أين؟" رفعت الطفلة عينيها مباشرة إلى عينيها. "في الصور." شعرت سرين بقشعريرة تزحف على ذراعيها. "أي صور؟" "صور قديمة." "عند من؟" سكتت الطفلة. "سديم." "عندها." "هالة؟" هزت رأسها بتردد. بدأت أجزاء مبعثرة تتشكل، لكنها كانت ما تزال ضبابية. امرأة اسمها هالة تحتفظ بصور لسرين. طفلة ترى الصور وتعتقد أن صاحبتها أمها. هذا ممكن. غريب، لكنه ممكن. لكن كيف وصلت الصور إلى تلك المرأة؟ ولماذا قالت لها إن سرين أمها؟ ولماذا تبدو سديم واثقة إلى هذا الحد بدل أن تكون مجرد طفلة خدعتها قصة؟ رفعت سرين هاتفها أخيرًا. "أعطني رقم هالة." خفضت سديم بصرها. "لا أعرف." "أي رقم آخر؟ اسم عائلة؟ شيء؟" هزت رأسها. تسلل الغضب إلى صوتها رغماً عنها. "هذا غير منطقي. لا يمكنك أن تأتي إلى بيت شخص غريب ليلاً وتقولي له إنه أمك ثم لا تعرفين شيئًا." لم تبكِ الطفلة، لكن عينيها لمعتا بسرعة. وضعت الشطيرة جانبًا وقالت بصوت صغير: "أنا لست مخطئة." أغمضت سرين عينيها لثانية. عندما فتحتهما، كان عليها أن تختار بين أمرين كلاهما سيئ: إبلاغ الشرطة فورًا، أو انتظار قليلًا حتى تحصل على خيط أوضح. شيء فيها كان يريد الحل الرسمي السريع. شيء آخر، غامض وغير منطقي، كان يريد أن يسمع الطفلة أكثر. رن هاتفها فجأة فارتجف جسدها. نظرت إلى الشاشة. والدتها: نوال. ظلت تحدق بالاسم لثانيتين ثم ضغطت الإجابة. "نعم؟" جاءها صوت نوال مرتبًا كعادته، لكنه بدا مائلًا للقلق. "وصلتِ البيت؟ اتصلت بك منذ ساعة ولم تردي." نظرت سرين إلى سديم الجالسة على الأريكة، تغطيها البطانية حتى ركبتيها، وتشرب الماء بهدوء. "وصلت." "صوتك متوتر. ما الأمر؟" ترددت سرين. لم تعرف لماذا خطرت لها رغبة مفاجئة في اختبار شيء ما. شيء لا معنى له، لكنه التصق بها منذ رأت الطفلة. "أمي..." قالت ببطء. "هل تعرفين أحدًا اسمه سديم؟" ساد صمت قصير في الطرف الآخر. قصير جدًا. لكنه كان موجودًا. انتبهت سرين إليه فورًا. "سديم؟ لا. لماذا؟" كان رد نوال طبيعيًا تقريبًا، إلا أن تلك الوقفة الصغيرة قبل الإجابة لم تمر عليها. "لا شيء. فقط اسم مرّ أمامي." "في هذا الوقت؟" "أجل." "سرين، هل أنت بخير؟" نظرت إلى الطفلة مرة أخرى. كانت سديم تحدق بها الآن، وكأنها تعرف مع من تتحدث رغم أنها لم تسمع الاسم. "أنا بخير." "أنتِ متأكدة؟" "أجل." همت نوال أن تقول شيئًا آخر ثم تراجعت. "حسنًا. اتصلي بي صباحًا." أغلقت سرين المكالمة ببطء. بقي الهاتف بين يديها للحظة أطول من اللازم. رفعت نظرها فرأت أن سديم لم تأكل ما بقي من الشطيرة. كانت تحدق فيها فقط. "من كانت؟" "أمي." خفضت الطفلة عينيها. ثم قالت من دون أن تنظر إليها: "هي لا تحبني." شعرت سرين وكأن أحدًا ضغط على صدرها من الداخل. "ماذا قلتِ؟" رفعت سديم وجهها أخيرًا. كانت عيناها ثابتتين على نحو أربكها من جديد. "هي لا تحبني." ترددت لحظة، ثم أضافت بصوت أخفض: "كانت تقول إنني سبب كل شيء." قفز عقل سرين إلى والدتها فورًا رغم عبث الفكرة. لا، هذا لا يمكن. الطفلة تتكلم عن هالة، أو عن امرأة أخرى، أو عن لا أحد. لكنها قالت الجملة بطريقة جعلت أنفاس سرين تضطرب. "من هي؟" "التي أخذتني." تصلبت سرين. "من أخذك؟" بدت على الطفلة حيرة قصيرة، كأنها لا تعرف كيف تشرح ما تعرفه. "حين كنت صغيرة جدًا. قالت إنك لا تريدينني." لم تنتبه سرين إلا بعد ثوانٍ أنها وقفت من مكانها. الدم يضج في رأسها. الكلمات دخلت إليها كالسكاكين. لا، هذا كثير. كثير جدًا على أن يكون عبثًا أو سوء فهم. "من قالت هذا؟ هالة؟" هزت سديم رأسها. "امرأة أخرى." "من هي؟" صمتت الطفلة طويلاً. بدت كأنها تقاوم شيئًا ما، أو تخاف الاسم نفسه. ثم همست: "كانت تأتي أحيانًا." "اسمها." لم تجب. اقتربت سرين منها خطوة واحدة. "سديم، انظري إليّ." رفعت الطفلة عينيها ببطء. "ما اسمها؟" ابتلعت الطفلة ريقها، وانكمشت أصابعها على البطانية. كانت على وشك أن تقول شيئًا. رأت سرين ذلك بوضوح. على وشك أن تفتح الباب الذي تنتظره. لكن قبل أن تنطق، دوى جرس الباب فجأة في أرجاء المنزل. قفزت سديم مكانها. وتجمدت سرين. في هذا الوقت؟ نظرتا الاثنتان نحو الباب. عاد الجرس يرن مرة ثانية، أطول هذه المرة. تبعته طرقة قوية، ثم صوت رجل وصل مكتومًا عبر الخشب السميك، لكنه واضح بما يكفي ليبعث الرعب في جسد الصغيرة. "افتحي الباب. أعرف أنها هنا." رفعت سديم عينيها إلى سرين، ووجهها شاحب تمامًا. "لا تفتحي." لكن اليد على الباب طرقت مجددًا، أعنف من قبل. "افتحي الباب يا سرين... قبل أن أفتحه أنا."تجمدت سرين تمامًا عند السؤال.هل نظرتِ إلى رقبتها؟خرجت الكلمات من فم نوال هادئة أكثر مما يجب، كأنها لا تسأل عن شيء طارئ، بل عن بند كانت تتوقع حدوثه ضمن تسلسل تعرفه جيدًا. لم تجب سرين فورًا. لم تستطع. لأن الجواب لم يعد مجرد نعم أو لا. الجواب صار يعني أن نوال كانت تعرف. تعرف بشأن العلامة، وبشأن الطفلة، وبشأن ما يمكن أن تراه سرين فيها إن اقتربت بما يكفي.نظرت إلى سديم.كانت الصغيرة تحدق بالهاتف كأنها تحاول أن ترى المرأة في الجهة الأخرى من الصوت. لم يكن في وجهها خوف الآن بقدر ما كان فيه ترقب مؤلم، كأنها تنتظر أن يُقال عنها شيء حاسم للمرة الأولى في حياتها."أنتِ كنتِ تعلمين." قالتها سرين أخيرًا، بصوت هادئ على نحو خطير.سكتت نوال ثانية قصيرة، ثم قالت:"أجبتُ عن سؤالك من دون أن أجيب."ضحكت سرين ضحكة قصيرة، خشنة."بل اعترفتِ من دون أن تقصدي.""أنا لم أقصد شيئًا.""لكنني فهمت كل شيء الذي حاولتِ إخفاءه.""لا، يا سرين. لو كنتِ فهمتِ كل شيء، لما كنتِ ما تزالين هناك."ثبتت يد سرين على الهاتف."هناك؟""في البيت."شعرت بشيء بارد يمر في ظهرها."كيف عرفتِ أنني عدتُ إلى البيت؟"هذه المرة لم تجب نوال ف
ظلت الكلمة الأخيرة معلقة بينهما كأن البيت كله سمعها وامتنع عن التنفس بعدها.مثل طفل.لم تتحرك سرين فورًا. لم تصرخ. لم تنكر. فقط بقيت تحدق في سديم، وكأنها لو رمشت ستتبدد الجملة، أو ستتحول إلى شيء أقل خطورة. لكن الصغيرة لم تسحبها، ولم تبدُ نادمة على قولها. بل بالعكس، كان في عينيها خوف من أنها قالت قليلًا لا كثيرًا.أخفضت سرين بصرها ببطء إلى الصورة الممزقة على الطاولة، ثم إلى قطعة القماش، ثم إلى المفتاح الصغير، ثم عادت إلى وجه سديم. كل شيء في داخلها كان يطالبها بأن تتراجع، أن توقف هذا الطريق هنا، أن تؤجل، أن تنتظر نوال، أو الشرطة، أو فارس، أو أي شخص يستطيع حمل جزء من هذا الثقل معها. لكنها عرفت في تلك اللحظة أن أحدًا لن يحمل عنها شيئًا. لا نوال، لأنها جزء من الجرح. ولا الشرطة، لأن لديها أوراقًا لا قلبًا. ولا الرجل الذي يطرق الأبواب ويدفع الباب الأبيض في كوابيسها، لأنها لا تعرف حتى من يكون بعد.قالت أخيرًا، بصوت خرج أخفض من المعتاد:"كيف كان يبدو الطفل؟"ظلت سديم صامتة لثوانٍ، ثم هزت رأسها ببطء."لا أراه واضحًا.""لكن قلتِ إنني كنت أحمله.""نعم.""هل رأيتِ وجهي؟"أومأت."وكنتِ تبكين؟"أومأ
توقفت السيارة في منتصف الشارع لثانيتين بدتا أطول من الطريق كله. أبواق السيارات خلفها انفجرت دفعة واحدة، لكن سرين لم تستوعبها فورًا. كانت يداها مثبتتين على المقود، وعيناها مفتوحتين على اتساعهما، تنظر إلى الإشارة أمامها ولا تراها حقًا. ما كانت تراه لم يكن الشارع. كان بابًا أبيض يُدفع بعنف، ويد رجل تندفع إلى الداخل، وعلى إصبعه خاتم فضي لمحت بريقه كأنه خرج من ذاكرة لم تُدفن جيدًا."سرين."جاءها صوت سديم من الخلف، صغيرًا، لكنه اخترق الضجيج.أخذت نفسًا حادًا، ثم عادت إليها الأصوات دفعة واحدة: الأبواق، محرك السيارة، أنفاسها، وضربات قلبها التي صارت مؤلمة داخل صدرها. رفعت قدمها عن الفرامل ببطء، وأكملت السير حتى أول جانب آمن للطريق. أوقفت السيارة هناك، ثم وضعت رأسها للحظة على المقود وأغمضت عينيها."هل رأيتِه؟"سؤال سديم جاء هذه المرة أوضح.رفعت رأسها ببطء، ونظرت إلى المرآة. كانت الصغيرة مشدودة الحزام، يدها على المقعد، وعيناها عليها مباشرة."ماذا؟""الشخص."ظلّت تنظر إليها لثانية."لا أعرف من كان."لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا على الأقل: هذا لم يعد مجرد خوف عام أو صور مشوشة. صارت الذكريات—أو الك
بقيت الصورة معلقة على شاشة هاتفها حتى شعرت سرين أن أصابعها فقدت حرارتها.لم يكن هناك مجال للشك في ما تراه. كانت هي. وجهها الشاحب، شعرها المبعثر على الوسادة البيضاء، الذراعان المرتخيتان، والرجل الذي لا يظهر منه شيء في الإطار سوى طرف يد تحاول تعديل القماش حول الرضيع. وذاك القماش... قطعة من الشال نفسه.رفعت بصرها ببطء عن الهاتف.كانت سديم ما تزال واقفة عند باب السيارة، تنظر إليها.لم ترَ الصورة، لكن شيئًا في وجه سرين أخبرها أن العالم تبدل مرة أخرى."ماذا حدث؟"خرج صوت الطفلة خافتًا، لكنّه وصل كأنه طُرح من مكان أقرب من المسافة بينهما.أغلقت سرين الشاشة فورًا، لا لأنها أرادت إخفاء الحقيقة عنها، بل لأنها لم تستطع بعد احتمال النظر إلى الصورة ثانية. لم تكن جاهزة للاعتراف بأي شيء، حتى داخل رأسها. كل ما كانت تعرفه أن هناك رضيعًا في حضنها يومًا ما، في غرفة مستشفى، وشالها يلفه، ووالدتها تحتفظ بهذه الصورة منذ زمن لا تعرفه... ولم تقل كلمة."اركبي."قالتها بسرعة أكثر من اللازم.نظرت إليها سديم لثانية، ثم ركبت من دون اعتراض. أغلقت الباب الخلفي، مشت إلى مقعدها، جلست، وأبقت الهاتف في حضنها دون أن تشغل