في
الصف الدراسي العراقي تتكوّن ذاكرة شعرية مشتركة تلمّ بأسماء محددة وأبيات لا تُنسى؛ أذكر أن انطباعي الأول عن الشعر كان عبر مزيج من القديم والحديث الذي تُدرّسه المناهج. من الجمعة المدرسية إلى
كتب اللغة العربية كانت تُعرض لنا قصائد المُتنبي على نحو متكرر، خاصة الأبيات المعروفة مثل 'إذا غامرتَ في شرفٍ مروم' كنموذج للفخر والبلاغة. تُدرّس هذه الأبيات لأنّها تُعلّم الأطفال قوة الصورة واللغة الكلاسيكية، وتربطهم بتاريخ الأدب العربي في العراق، حيث يُنظر إلى المتنبي كنقطة مرجعية لا غنى عنها.
إلى جانب الكلاسيك، كان لحركة التجديد مكان واضح في الكتب: من أسماء الشعراء العراقيين الحديثين يُذكر
بدر شاكر السياب و'أنشودة المطر' كعمل محوري للشعر الحر والرمزية، وتُقتطف منه دروس عن التفاعل بين الإنسان والطبيعة والسياسة. كذلك تُدرّس نصوص لل
نازك الملائكة لكن عادة كمقاطع تبرز دورها في إدخال بحور جديدة والتجريب بأساليب خالية من التفعيلات التقليدية، لتعليم الطلبة كيف يمكن للغة أن تتعدى القوالب المألوفة.
لا أستطيع أن أنسى القصائد الوطنية والاجتماعية التي يلقيها الطلاب في المناسبات: نصوص لمحمد مهدي ال
جواهري وعبد الوهاب البياتي تُستخدم كثيرًا لترسيخ الحسّ الوطني والالتزام الاجتماعي، لكن المناهج غالبًا تختار مقتطفات تبرز اللغة القوية والرسالة المباشرة بدلًا من دواوين كاملة. كذلك تبقى بعض نصوص أبو نواس والبحتري في المنهاج كأمثلة على تنوّع الأغراض الشعرية بين الغزل والمدح والرثاء.
في التجربة الشخصية، ما أحببته كان التوازن بين تعليم مهارات البلاغة وفهم السياقات التاريخية والسياسية التي
نمت فيها هذه النصوص؛ لذلك أعتقد أن أهم القصائد التي تُدرّس ليست فقط لأنّها جميلة بل لأنها أدوات لتعلم اللغة، والتاريخ، والحسّ الجماعي. بالنسبة لي، كل زيارة لبيت شعري قديمة أو حديثة هي لقاء مع بلد يتكلم عن نفسه، وهذا يجعل الحصص الأدبية ممتعة وملهمة.