التراث الشعري العراقي في القرن العشرين يشبه مكتبة كبيرة مليئة بالألوان المتباينة: من الطرب الكلاسيكي إلى التجريب والصراعات السياسية، كل صفحة تحكي قصة وطن وشعب.
في بداية القرن، كان للشعراء الذين ورثوا تقاليد العمود الشعري الكلاسيكية حضور قوي؛ من أبرزهم محمد مهدي الجواهري الذي بقي صوت الفخر الوطني واللغة الفصحى المتمرسة، ويُعد '
ديوان الجواهري' مرجعًا لمن يريد سماع الإيقاع الكلاسيكي العميق مع حس سياسي ووجداني قوي. إلى جانبه يبرز اسم جميل صدقي الزهاوي، الذي جمع بين الشعر والنهضة الفكرية، وكان من الأصوات الإصلاحية التي طرحت قضايا الحداثة والاجتماع بصياغة شعرية رشيقة.
مع منتصف القرن اجتاحت تيارات التجديد الساحة، وكان
بدر شاكر السياب واحدًا من رواد القصيدة الحرة والرمزية في العالم العربي، و'أنشودة المطر' تبقى علامة فارقة تُقرأ وتُدرّس لما تحمله من صور مزجت الأسطورة بالواقعية وبالمناخ العراقي الأصلي.
نازك الملائكة كانت رائدة أخرى، إذ كسرَت حدود البحر المتحرك وغنت لصيغة جديدة للشعر الأنثوي والمجتمعي، حاملةً تجربة إبداعية جريئة. عبد الوهاب البياتي وضع بصمته الخاصة عبر لغة مليئة بالغرائبية والذاكرة الشعبية والثورية، فكان صوته للاشتياق والاحتجاج معًا.
من الجيل اللاحق ظهر سعدي يوسف الذي حمل هموم المنفى والذاكرة والثقافة في قصائد متآلفة بين الحلم والمرارة، وكذلك مظفر النواب الذي اشتهر بالشعر الاحتجاجي المباشر والنبرة الحادة التي لا تهادن الطغيان. سارگون بولص مثلًا أضاف بعدًا آخر بكونه شاعراً مهجريًا ومترجمًا صاحب لغة تصويرية غنية، بينما فاضل العزاوي احتفظ بروح الحداثة الأدبية بين النثر والشعر وتجاوز القوالب التقليدية بصياغات تأملية كثيفة.
ما يجعل هذه القائمة ممتعة هو التنوع: هناك من تمسك بالوزن والقافية، وهناك من كسر القوالب ليبحث عن حرية جديدة، وهناك من جعل القصيدة سلاحًا سياسيًا أو مرآة للوجد الشخصي. لو سألتني عن نقطة بداية للقراءة فأنصح بالاطلاع على أعمال الجواهري لاحتساء الكلاسيكية، ثم القفز إلى نازك والسياب لتذوق التجديد، ثم البياتي ومظفر النواب للمعنى السياسي المضاعف. تمنيت لو استطعت سرد كل اسم وتأثيره بدقة أكبر لأن الشعر العراقي ثروة لا تنتهي، لكن هذه لمحة كافية لتبدأ رحلة قراءة ستقودك إلى نوافذ لا تخطر على بالك، وكل شاعر هنا يستحق أن يُكتشف ببطء ومع قراءة متأنية.