النهاية في 'فيصل الأبيض' تبقى عندي واحدة من تلك النهايات التي تشعرك بأن الكاتب أغلق بابًا ووضع مفتاحه في يد القارئ ليفتحه كما يشاء. القصة لا تعطي خاتمة مغلقة منطقياً، بل تختتم بمشهد رمزي مفتوح، حيث يتلاشى حضور فيصل أو يتحول بطريقته إلى حالة أكثر جوهرية من الوجود—حالة فكرة أو خيار اجتماعي—بدلاً من أن تختزل نهايته في حدث مادي محدد وواضح.
النقاد تناولوا هذا الختام من زوايا مختلفة، ويمكن تلخيص قراءاتهم في عدة اتجاهات رئيسية. أولهم القراءة السياسية: يرى بعضهم أن اختفاء فيصل أو تحوله الرمزي يرمز إلى مصير المشروع الوطني أو الأحلام الإصلاحية، فالنهاية تعكس هزيمة الآمال الفردية أمام قوى اجتماعية وسياسية متجذرة، أو تبرز تناقضات العقل النخبوي مع الواقع الشعبي. ثانياً هناك القراءة النفسية/الوجودية التي تقرأ النهايات كموت رمزي للذات القديمة وولادة ذات جديدة—ليس موتًا حرفيًا بقدر ما هو استسلام أو
انفصال عن قناعٍ كان يمنح الشخصية هويتها السابقة. هذه القراءة تركز على المشاهد الداخلية، الصمت، والتكرار الرمزي الذي يسبق الختام.
ثالث اتجاه نقدي يضع العمل في سياق الجمالية السردية: هذا الفريق يقدّر النهاية المفتوحة كخيار فني يعيد للقراء دور الشريك في صناعة المعنى، ويشيد بكيفية استخدام الكاتب لعناصر مثل اللون الأبيض كرمز مزدوج للنقاء والفراغ، أو للصفحة الفارغة التي تُعيد تشكيل السرد. هناك نقد معاكس لذلك أيضاً—نقاد شعروا أن النهاية تفتقر إلى زخم درامي أو عدالة سردية، وأن الغموض هنا ليس توليدًا للمعنى بقدر ما هو تهرّب من اتخاذ موقف واضح.
عند الرجوع إلى نص العمل، يبرز السبب في تعدد القراءات: الكاتب وظّف تكرارات صوتية وبصرية ومسرودًا غير موثوق به في بعض المقاطع، كما اعتمد على الاستطراد الرمزي الذي يربط بين لُبّ شخصية فيصل وأوضاع المجتمع المحيط به. لذلك استدل النقاد برسائل متضاربة داخل النص—حوارات قصيرة تنم عن سؤال أخلاقي، مشاهد تصويرية لل
فضاءات البيضاء أو الفارغة، وانقطاع سردي يقفل دون إعلان موت مباشر أو فرح نهائي. هذه الأدوات تجعل النهاية مرنة التأويل؛ فالبعض يجد فيها استجابة واقعية ومرة لمآلات التاريخ، والآخرون يفتقدون إليها تأثيرًا تكتيليًا واضحًا.
في النهاية، تبقى نهاية 'فيصل الأبيض' مساحة للنقاش أكثر من كونها حلًا نهائيًا للقصة؛ هي دعوة للمطالبة بالمعنى والمشاركة في بنائه. شخصياً أميل إلى اعتبارها نجاحًا سرديًا لأنها لا تحشر العمل في فهرس بسيط، بل تترك انطباعًا دائمًا: الشخصية لم تُغلق، بل تحولت إلى مسألة للنقاش السياسي والأخلاقي، وهذا بحد ذاته يجعل من النهاية حقلاً خصبًا للتأمل والنقاش الطويل.