Compartilhar

لا عائد من نهاية الضباب الأبيض
لا عائد من نهاية الضباب الأبيض
Autor: كعكة القلقاس

الفصل 1

Autor: كعكة القلقاس
كان أرغد في الصورة يرتدي بدلة أنيقة تليق به تمامًا، بوسامة تكاد تشبه وسامة رجال الأساطير، أما هي فكانت ترتدي فستان زفاف لا يُقدّر بثمن، وتبتسم برقة آسرة.

تمتمت لنفسها: "ثلاث سنوات..."، ومرّرت أطراف أصابعها برفق على إطار الصورة، ثم قالت: "وأخيرًا... كل شيء سينتهي."

قبل ثلاث سنوات، أثارت الزيجة بين عائلتي الفياض والسالمي ضجة عالمية، وكانت أختها التوأم، بشرى السالمي، هي الكنة التي اختارتها عائلة الفياض بنفسها.

لكن في الليلة السابقة للزفاف، تركت بشرى رسالة وهربت:

]أبي، أمي، لا أريد أن أُقيَّد بزواج عائلي، لكنني أعرف أن هذه مسؤوليتي. امنحاني ثلاث سنوات أبحث فيها عن حريتي، وبعد ثلاث سنوات سأعود.[

ومن أجل الحفاظ على التعاون بين العائلتين، لم يجد والدا بشرى بدًا من إعادة ابنتهما التوأم الصغرى في تلك الليلة نفسها، تلك التي كانا قد تركاها منذ طفولتها في الريف.

وهكذا، أصبحت يمنى، التي نشأت في الريف ولم تكن مؤهلة حتى لحضور تجمعات العائلة، عروسًا بديلة تحمل اسم بشرى.

في الليلة السابقة للزفاف، حذّرتها والدتها ببرود: "التي يحبها أرغد ليست أختك، بل تلك الطالبة الفقيرة التي كانت عائلته ترعاها. حياتك بعد الزواج منه لن تكون سهلة، لكن ما عليك سوى أن تلتزمي حدودك، وأن تصمدي ثلاث سنوات بهوية أختك."

كانت يمنى تذكر أنها في ذلك الوقت لم تفعل سوى أن هزّت رأسها بطاعة.

بالطبع كانت تعرف من هو أرغد، وجه دائم في مجلات المال والأعمال، وأشهر أبناء نخبة العاصمة، والرجل الذي كانت تتهافت عليه بنات العائلات الثرية.

وكانت قد سمعت أيضًا بقصته مع شذى النجار.

كانت شذى طالبة فقيرة تكفلت عائلة الفياض بدعمها، والتحقت بجامعة مرموقة بفضل المنح الدراسية. أما أرغد، فقد أحبها حبًا عميقًا، وأصرّ على البقاء معها رغم اعتراض عائلته. لكن شذى كانت باردة الطبع، عزيزة النفس، ولم ترد علاقة لا يباركها أحد، فاختارت أن تنفصل عنه وتسافر إلى الخارج.

فرحت عائلة الفياض بذلك فرحًا شديدًا، وسارعت إلى ترتيب زواج عائلي لأرغد.

كانت الحياة بعد الزواج أشد صعوبة مما تخيلت.

كان مكتب أرغد مليئًا بصور شذى، وكان يسافر سرًا إلى باريس مرة كل أسبوع ليراها. أما يمنى، زوجته، فلم تكن تملك حتى حق دخول غرفة النوم الرئيسية، ولم يكن أمامها إلا أن تنام في غرفة الضيوف عند نهاية الممر.

عاشت يمنى بحذر شديد، وبذلت كل جهدها كي تؤدي دور بشرى كما ينبغي. ومن أجل ألا يتأثر التعاون بين العائلتين، طوال هذه السنوات الثلاث، كانت تغدق على أرغد من العناية واللطف حتى كاد الأمر يبلغ حد الجنون.

كان يعمل إلى وقت متأخر، فتبقي مصباح المدخل مضاءً طوال الليل بانتظاره؛ وكانت معدته ضعيفة، فتستيقظ كل يوم في الخامسة صباحًا لتعد له حساء أرز خفيفًا يريح معدته؛ وكان يحب الهدوء، فحوّلت نفسها إلى أهدأ وجود في هذا البيت.

ومع مرور الوقت، بدأت الأقاويل تنتشر في الأوساط بأن السيدة بشرى تعشق السيد أرغد بجنون، حتى إن نظرته إليها بدت وكأنها طرأ عليها تغير خفي.

اختفت صور شذى من المكتب، وتوقفت رحلاته الأسبوعية إلى باريس، وبدأ يتذكر عيد ميلادها، ويعود إلى البيت مبكرًا عندما تمرض بالزكام، بل إنه... صار يشاركها الفراش.

كادت يمنى تظن أن في هذا الزواج القائم على البديل قد وُلد شيء من المشاعر الحقيقية.

إلى أن عادت شذى قبل ثلاثة أشهر.

وعاد كل شيء إلى نقطة البداية.

استحوذت شذى مرة أخرى على قلب أرغد بالكامل. بدأ يقضي الليالي خارج البيت، وعاد المكتب يمتلئ بصورها من جديد. صار الجميع يسخرون من يمنى ويرونها أضحوكة، لكنها لم تفعل سوى أن تبتسم بهدوء، لا تصرخ ولا تثير المتاعب.

لأنها لم تكن قد أحبت أرغد قط.

أما سبب بقائها إلى جانبه، فلم يكن سوى المال والحرية اللذين وعدها بهما والداها. صحيح أن حبه لها كان سيجعل أيامها أسهل، لكنه إن لم يحبها، فهي لا تعبأ بذلك.

لم يكن أحد يعرف أن يمنى وبشرى، رغم كونهما توأمين، قد عاشتا مصيرين مختلفين تمامًا.

حين أنجبت والدتها يمنى، أصيبت بنزيف حاد وكادت تفقد حياتها. ومنذ ذلك الحين، كانت نظرة أمها إليها دائمًا مشوبة بالكراهية. أما والدها، الذي كان يعشق زوجته إلى حد العبادة، فقد عدّها نحسًا حلّ بالعائلة.

في الخامسة من عمرها، أُرسلت إلى بيت المربية في الريف.

كانت تذكر ذلك الشتاء، تعطل موقد بيت المربية، فكانت ترتجف من شدة البرد، ومع ذلك لم تكن تملك حتى معطفًا قطنيًا سميكًا. أما بشرى، فكانت في الفيلا الدافئة، ترتدي تنورة صوفية باهظة الثمن، وينعم عليها والداها بكل الدلال والحب.

ثمانية عشر عامًا من المعاملة المختلفة كانت قد محت منذ زمن طويل أي انتظار لديها لما يسمى بعاطفة الأسرة.

والآن، لم يبق سوى شهر واحد. بعدها ستحصل على الثلاثة ملايين مقابل السنوات الثلاث التي قضتها وهي تؤدي دور بشرى، ثم تغادر هذه المدينة وتعيش حياة تخصها حقًا.

وبينما كانت تشعر بشيء من السرور، اهتز هاتفها فجأة، وظهر على الشاشة اسم المتصل.

أرغد.

أخذت نفسًا عميقًا ثم أجابت: "نعم؟"

أتى صوت أرغد باردا كالصقيع: "خلال عشرين دقيقة، أحضري بعض الفوط الصحية إلى نادي ليالي. أريدها من النوع الليلي."

أغلق الهاتف مباشرة، وبقيت يمنى ممسكة به، وقد فهمت في الحال لمن كان يطلبها.

كان أرغد يحفظ موعد الدورة الشهرية لشذى بدقة تفوق حفظه لموعد إدراج شركته في البورصة.

كان المطر يهطل بغزارة خارج النافذة. ومن فيلا عائلة الفياض إلى نادي ليالي، كانت المسافة تستغرق في الظروف العادية أربعين دقيقة على الأقل.

لكن يمنى أخذت المظلة وخرجت.

في منتصف الطريق، توقفت السيارات تمامًا بسبب الازدحام. نظرت إلى الساعة، فلم يبق سوى اثنتي عشرة دقيقة. صرّت على أسنانها، ودفعت باب السيارة، ثم اندفعت إلى المطر.

سرعان ما ابتلّت ثيابها بالكامل. كانت قدماها تنزلقان أكثر من مرة فوق الطريق المبلل بسبب حذائها ذي الكعب العالي، ثم تعثرت فجأة وسقطت بقوة في حفرة ماء، فاشتعل الألم في ركبتها.

لكنها لم تملك وقتًا للاهتمام بذلك. نهضت وواصلت الركض، حتى وصلت أخيرًا إلى النادي في الدقيقة التاسعة عشرة.

عند باب الغرفة الخاصة، كانت على وشك أن تطرق الباب، حين وصلها من الداخل صوت ضحكات عالية.

"السيد أرغد، هل جعلت زوجتك تحضر ذلك الشيء فعلًا في هذا المطر الغزير؟ الطريق من بيتكم إلى هنا يستغرق أربعين دقيقة على الأقل، أليس كذلك؟"

قال أرغد بصوت هادئ: "شذى تتألم كثيرًا. ستجد طريقة لتصل."

"صحيح. من لا يعرف أن زوجتك تحبك إلى حد الجنون؟ طوال هذه السنوات الثلاث، حتى وأنت تحمل في قلبك امرأة أخرى، بقيت إلى جانبك بلا شكوى ولا ندم."

قال أحدهم ممازحًا: "لكن، بصراحة يا سيد أرغد، امرأة جميلة تحبك إلى هذا الحد، ألم يتحرك قلبك لها ولو قليلًا خلال هذه السنوات الثلاث؟"

ساد الصمت فجأة داخل الغرفة.

حبست يمنى أنفاسها، وسمعت أرغد يصمت بضع ثوانٍ، ثم يقول: "في أي وقت، إن كان الخيار بين شذى وبينها، فسأختار شذى."

كانت كلمات قاسية بلا رحمة، لكن يمنى لم تحزن. على العكس، شعرت وكأنها تنفست الصعداء. انتظرت حتى انتهى الحديث في الداخل، ثم رفعت يدها وطرقت الباب.

وعندما دفعت الباب ودخلت، نظر إليها الجميع بصدمة.

"يا للهول، لقد وصلت في الموعد فعلًا!"

"السيدة يمنى... كيف ابتلت إلى هذه الدرجة؟"

نهض أرغد، وقد عقد حاجبيه بشدة: "كيف جعلت نفسك بهذه الحال المزرية؟"

مدّت يمنى إليه الفوط الصحية التي حرصت على حمايتها جيدًا، وقالت: "ألم تقل إنك تريدها خلال عشرين دقيقة؟ خشيت أن تكون مستعجلًا، فنزلت من السيارة وركضت."

لم تذكر أنها سقطت، ولم تقل إن الألم في ركبتها كان يجعلها ترتجف.

تغيرت نظرة أرغد قليلًا، ثم خلع سترته فجأة ولفّها حولها: "ارتديها."

ثم أشار إلى الفوط الصحية في يدها وقال: "أوصليها إلى دورة مياه النساء."

هزّت يمنى رأسها، ومضت مطيعة نحو دورة المياه.

عندما طرقت الباب، سمعت صوت شذى الخافت الواهن من الداخل: "من؟"

"أحضرت الفوط الصحية."

ساد الصمت في الداخل بضع ثوانٍ، ثم انفتح الباب مقدار شق صغير. مدت يمنى الأشياء إلى الداخل، ثم استدارت وغادرت.

بعد أن عادت إلى البيت، أخذت حمامًا ساخنًا، وكان الجرح في ركبتها يؤلمها ألمًا خافتًا مستمرًا.

وحين استلقت على السرير، فكرت في أنها ستتحرر تمامًا قريبًا، فشعرت بخفة لا تستطيع وصفها.

كانت على وشك أن تغفو، حين انفتح باب الغرفة فجأة بركلة عنيفة.

اندفع أرغد إلى الداخل، وأمسك معصمها بعنف: "انهضي!"

قبل أن تستوعب يمنى ما يحدث، كان قد جرّها من السرير بقسوة، وسحبها مترنحة حتى وصل بها إلى رأس الدرج.

"أرغد؟ ماذا تفعـ..."

قبل أن تكمل كلامها، فاجأتها قوة هائلة. ارتد جسدها إلى الخلف، واصطدمت مؤخرة رأسها بالدرج بقوة، ثم تدحرجت على السلم كله.

اجتاح الألم جسدها كله في لحظة.

بقيت ممددة عند أسفل الدرج، ورؤيتها مشوشة، بينما سال سائل دافئ من جبينها.

قالت بصعوبة وهي تحاول أن تسند جسدها: "لماذا... تعاملني هكذا؟"

وقف أرغد عند أعلى الدرج. كان الضوء خلفه يحجب ملامح وجهه، لكن صوته كان باردا إلى حد تقشعر له الأبدان:

"هل أنتِ من دفعتِ شذى؟"

رفعت يمنى رأسها بحيرة: "ماذا؟"

قال وهو ينزل الدرج خطوة بعد خطوة: "كفى تمثيلًا! طوال هذه الأشهر كنتِ تتظاهرين بالتسامح، أكنتِ تنتظرين هذا اليوم؟ هل تعرفين أنك دفعتِ شذى من حافة النافذة، وتسببتِ لها بكسور في أنحاء جسدها، وكادت تفقد حياتها؟"

قالت وهي تهز رأسها بضعف: "لم أفعل..."، لكن حركة رأسها شدّت جرحها، فداهمتها موجة من الدوار.

انحنى أرغد أمامها، وأمسك ذقنها بعنف: "يا بشرى، هل جعلك ما أظهرته لك من لطف خلال هذه السنوات تتوهمين شيئًا؟ سأقولها لك مرة أخرى: نحن مجرد زواج عائلي، ولا مشاعر بيننا."

ثم اقترب من أذنها، وقال كلمة كلمة: "الحب الذي تريدينه، لن أعطيكِ إياه أبدًا!"

اشتد الألم على يمنى حتى أظلمت الدنيا أمام عينيها، وفجأة رغبت في الضحك.

لكنها هي أصلًا... لم تفكر يومًا في أن تريد حبه.
Continue a ler este livro gratuitamente
Escaneie o código para baixar o App

Último capítulo

  • لا عائد من نهاية الضباب الأبيض   الفصل 24

    هطل الثلج في مدينة الجنوب على نحو مفاجئ.وقف أرغد عند باب النُّزل الذي تقيم فيه يمنى، وقد غطّت طبقة رقيقة من الثلج معطفه الأسود. كانت أطراف أصابعه قد احمرّت من شدة البرد، لكنه ظل يقبض بقوة على ظرف الملفات في يده.حدّق في الباب المغلق، وتحركت تفاحة حلقه، ثم رفع يده أخيرًا وطرق الباب.انفتح الباب.كانت يمنى واقفة عند المدخل، وحين رأته، لم يظهر على وجهها أدنى اضطراب، "هل هناك أمر؟"توقف نفس أرغد لحظة.كان يظن أنه حين يراها مرة أخرى، سيكون لديه الكثير مما يريد قوله. لكن عندما جاءت هذه اللحظة فعلًا، اكتشف أن حلقه كأنه مسدود بشيء ما، فلم يستطع إخراج كلمة واحدة.قال بصوت أجش، وهو يمد ظرف الملفات في يده قليلًا نحوها: "أنا... أرجو أن تلقي نظرة على هذا."نزل بصر يمنى إلى الملف، لكنها لم تأخذه: "ما هذا؟"قال أرغد، وكانت أطراف أصابعه ترتجف قليلًا: "كل ما فعلته شذى بك. عرفت للتو أنها كانت تلفق لك التهم طوال الوقت. هذه كلها أدلة."بعد أن سمعت يمنى كلامه، لم يظهر على وجهها حتى أثر دهشة. أزاحت بصرها بهدوء، وقالت: "آه. لم أعد أهتم بهذه الأشياء."هوى قلب أرغد فجأة.كان يظن أنها ستغضب، ستشعر بالظلم، بل ر

  • لا عائد من نهاية الضباب الأبيض   الفصل 23

    وقف أرغد في الحديقة، والدم يقطر من مفاصل أصابعه على الأرض، لكنه لم يكن يشعر بالألم.كانت عيناه مثبتتين بقوة على الاتجاه الذي غادرت منه يمنى، وصدره يموج بعنف وندم لم يعرفهما من قبل."السيد أرغد!" أسرع المساعد إليه، وفي يده ملف، وكان وجهه جادا: "وجدنا الأمر."سحب أرغد نظره ببطء، وجاء صوته باردا كالجليد: "ما هو؟"تردد المساعد لحظة، ثم ناوله الملف في النهاية: "هذه... كل الأشياء التي فعلتها الآنسة شذى بالسيدة يمنى خلال هذه السنوات."خطف أرغد الملف من يده، ومزقه بعنف.كان بداخله رزمة من الصور، ولقطات من كاميرات المراقبة، وملفات تسجيل صوتي. قلّب بضع صور بلا اكتراث، فتقلصت حدقتاه فجأة——في الصور، كانت شذى تقف عند مدخل الدرج، وتنتظر حتى يخلو المكان، ثم تتعمد سكب الماء على الدرج.وفي تسجيل المراقبة، كانت تستغل غفلة يمنى، وتبدل دواءها سرا بدواء مسهل.وكان هناك أيضا تسجيل صوتي:"تلك المرأة الغبية، ما إن أتظاهر بالقليل من المسكنة حتى يصدقني أرغد. تستحق كل ما أفعل بها..."اشتدت قبضة أرغد شيئا فشيئا، حتى تكومت الأوراق في راحته.صار تنفسه أثقل فأثقل، وكانت في عينيه عاصفة مرعبة.قال المساعد وهو يبتلع ر

  • لا عائد من نهاية الضباب الأبيض   الفصل 22

    لم يكن أرغد مستعدا لذلك، فتراجع مترنحا بضع خطوات، وتسرب خيط دم من زاوية فمه.وقف أكرم أمام يمنى، وكانت نظرته حادة كالسكين، وصوته يحمل تحذيرا لا يخفيه: "ابتعد عنها! إن لمستها مرة أخرى، فسأتصل بالشرطة فورا."رفع أرغد يده ومسح الدم عن زاوية فمه، ثم نظر إلى أكرم بعينين قاتمتين، قبل أن تقع نظرته من جديد على يمنى.كانت ملامحها ما تزال هادئة، كأن كل ما حدث قبل لحظات لا علاقة له بها.قال أرغد بسخرية باردة، وكانت في عينيه مشاعر معقدة تتلاطم: "إذن هكذا الأمر... تركتني بسببه؟"نهضت يمنى، ونفضت عن فستانها غبارا غير موجود، وقالت بلهجة فاترة: "أرغد، ألا تعطي نفسك أكثر من قدرها؟""رحيلي عنك لم يكن يوما بسبب أي شخص."انكمشت حدقتا أرغد فجأة، وكأن مطرقة ثقيلة ضربت صدره، حتى صار التنفس صعبا عليه: "إذن لماذا رحلت؟ ما بيننا..."قاطعته يمنى: "لا يوجد بيننا شيء." وأخيرا رفعت عينيها لتنظر إليه، وكانت نظرتها باردة كالجليد: "أرغد، هل نسيت؟ طوال هذه السنوات الثلاث، بقيت إلى جانبك من أجل المال والحرية فقط. والآن انتهت الصفقة، ولم يعد بيننا حساب."قال أرغد وهو يكاد يطحن الكلمات بين أسنانه: "لم يعد بيننا حساب؟ يمنى

  • لا عائد من نهاية الضباب الأبيض   الفصل 21

    في المساء، هطلت عاصفة مطرية فجأة.كانت يمنى في المطبخ تعد القهوة، والرعد يدوي خارج النافذة، فيما كانت قطرات المطر تضرب الزجاج بقوة متتابعة.وما إن أغلقت النافذة جيدا، حتى سمعت طرقا عاجلا على الباب.قالت وهي تفتح الباب: "من؟" كان أكرم واقفا خارج الباب، وقد ابتل جسده بالكامل، وذراعاه تحتضنان شيئا بإحكام.قالت على عجل وهي تفسح له الطريق: "ادخل بسرعة!"دخل أكرم بخطوات سريعة، ثم رفع معطفه بحذر—— كانت هناك هريرة بيضاء هزيلة منكمشة في حضنه، ترتجف من البرد.قال بصوت منخفض يحمل شيئا من الشفقة: "وجدتها عند مدخل الزقاق، كادت المياه تجرفها."أسرعت يمنى وأحضرت منشفة، ولفت بها الهريرة برفق: "امسحها أولا، سأذهب لأحضر مجفف الشعر."استدارت لتغادر، لكن أكرم أمسك معصمها فجأة.قال وهو يقطب حاجبيه، ثم مد يده يمسح قطرات المطر عن كتفها: "شعرك مبلل أيضا."كانا قريبين جدا، حتى إن يمنى استطاعت أن تشم منه رائحة المطر الخفيفة، ممزوجة بعبق صاف من خشب الصنوبر.اختل نبض قلبها للحظة، فتراجعت نصف خطوة بلا وعي.سحب أكرم يده، وسعل بخفة: "لنعتن بالقطة أولا."قالت وهي تخفض رأسها، وقد سخنت أطراف أذنيها قليلا: "أمم."جلست ي

  • لا عائد من نهاية الضباب الأبيض   الفصل 20

    وقف أرغد في أحد شوارع مدينة الجنوب، وكان نسيم البحر المحمل برطوبة مالحة يهب على وجهه.نظر إلى المدينة الغريبة والمزدهرة أمامه، وكانت عيناه قاتمتين مرهقتين.مضى شهر كامل، كاد خلاله يقلب كل زاوية في مدينة الجنوب رأسا على عقب، لكنه لم يعثر قط على أي أثر ليمنى.لم تكن المعلومة التي أرسلها مساعده تقول سوى إنها اشترت تذكرة الطائرة إلى مدينة الجنوب. لكن هذه المدينة كبيرة إلى هذا الحد، فأين اختبأت بالضبط؟فرك أرغد صدغيه، وقد امتلأت عيناه بخيوط الدم من كثرة التنقل والتعب في الأيام الماضية.رفع يده ونظر إلى ساعته، فوجد أن الوقت قد بلغ التاسعة ليلا. وبدأ المارة في الشارع يقلون شيئا فشيئا.مضى يمشي بلا هدف، وعيناه تمسحان كل شخص يمر أمامه، خوفا من أن يفوّت أدنى احتمال.وفجأة، توقفت خطواته بعنف.على مسافة غير بعيدة أمامه، كانت امرأة ترتدي فستانا أبيض تقف تحت عمود الإنارة وظهرها إليه.ذلك الظهر النحيل، وتلك الخصلات التي ارتفعت قليلا مع الهواء، كل شيء فيها كان يشبه يمنى إلى حد بعيد.انقبض قلب أرغد فجأة، وكأن الدم في عروقه غلى في لحظة.اندفع إليها بلا وعي تقريبا، وأمسك معصمها دفعة واحدة، وكان صوته أجش

  • لا عائد من نهاية الضباب الأبيض   الفصل 19

    في الجهة الأخرى، كانت يمنى واقفة عند شاطئ البحر، والنسيم المالح الرطب يلامس وجنتيها، فيحرك خصلات شعرها برفق.في البعيد، صبغ الغروب سطح البحر بلون برتقالي محمر، وكانت الأمواج تتدافع طبقة بعد طبقة نحو الرمل، ثم تنسحب ببطء.أخذت نفسًا عميقًا، وأغمضت عينيها، تستشعر هدوءًا افتقدته منذ زمن طويل."آنسة يمنى؟"جاءها صوت رجل لطيف من خلفها.التفتت يمنى، فرأت رجلًا طويل القامة، رشيق البنية، يقف غير بعيد، وفي يده كيس من المأكولات البحرية الطازجة.كان يرتدي قميصًا أبيض بسيطًا وبنطالًا مريحًا، ملامحه وسيمة هادئة، وعلى طرفي شفتيه ابتسامة خفيفة.قال وهو يقترب بضع خطوات، وصوته دافئ هادئ: "أنا أكرم الرواس، أسكن في البيت المجاور لك. سمعت أنك انتقلت اليوم، فأحضرت لك بعض المأكولات البحرية، هدية تعارف بين الجيران."ترددت يمنى لحظة، ثم ابتسمت بأدب: "شكرًا، لكن لا داعي..."مد أكرم الكيس إليها وقال بنبرة طبيعية: "لا داعي للتكلف. تشتهر مدينة الجنوب بمأكولاتها البحرية الطازجة، وبما أنك وصلت للتو، فجربي نكهة المدينة." كان موقفه لا مبالغًا في الحفاوة ولا باردًا، بل ودودًا بالقدر المناسب، بحيث يصعب رفضه.ترددت يمن

Mais capítulos
Explore e leia bons romances gratuitamente
Acesso gratuito a um vasto número de bons romances no app GoodNovel. Baixe os livros que você gosta e leia em qualquer lugar e a qualquer hora.
Leia livros gratuitamente no app
ESCANEIE O CÓDIGO PARA LER NO APP
DMCA.com Protection Status