لما شفت الفيلم أول مرة تساءلت إذا كان مبني على
قصة حقيقية أو على رواية — والحقيقة أنه مقتبس عن رواية بالفعل، وهي رواية شارلز مارتن بعنوان 'The Mountain Between Us' (صدرت عام 2011) والتي تُرجمت للعربية وعُرفت أيضاً بـ 'الجبل بيننا'. الفيلم السينمائي الذي عرض في 2017 من إخراج هاني أبو أسعد وبطولة
كيت وينسلت وإدريس إلبا يعتمد على نفس الفكرة الأساسية: شخصان ينجوان من تحطم طائرة ويجدان نفسيهما محاصرين في براري ومرتفعات قاسية، ومع تقدم الأحداث يتحول التركيز من البقاء على قيد الحياة إلى العلاقة المتطورة بينهما.
الرواية تمنحك مساحة أكبر للتعمق في الخلفيات النفسية للشخصيتين، وتفاصيل البقاء، والأحداث الصغيرة التي تشكل مشاعرهم تجاه بعضهم. شارلز مارتن ينحت حكاية فيها رومانسيّة ناضجة ومشاعر مؤلمة ومشاهد بقاء طويت بتأنٍ، بينما الفيلم كان مضغوطًا بطبيعته الزمنية وصوّره ميادين الطبيعة الخلّابة بطريقة تنقل الإحساس بالعزلة والخطر بسرعة أكبر. فالفيلم يركز كثيرًا على ال
كيميا بين الممثلين وعلى اللقطة البصرية والوتيرة السردية السريعة، أما الرواية فتمنحك صفحات من التأمل الداخلي والوصف والتبريرات التي تجعل القرّاء يتعلّقون بالشخصيات بطريقة أعمق.
طبيعي أن تجد اختلافات في التفاصيل بين الرواية والفيلم: بعض المشاهد البسيطة تم حذفها أو تعديلها لأسباب درامية، وبعض المشاعر الداخلية التي تكون واضحة على الورق صعب نقلها بالكامل بصريًا، فالمخرج اختار تسليط الضوء على عناصر البقاء والدراما الشخصية السريعة بدلًا من التوسع في حكايات الماضي الطويلة التي تضيفها الرواية. أداء كيت وينسلت وإدريس إلبا يعطيان العمل بعدًا إنسانيًا قويًا، والفيلم يستفيد من المناظر الطبيعية والموسيقى لخلق توتر بصري ووجداني. أما الرواية فتبقى الخيار الأمثل لمن يريد سردًا أكثر تفصيلًا وعمقًا في دواخل الشخصيات.
أنا أنصح بقراءة الرواية إذا كنت من محبي الغوص في مشاعر الشخصيات وتفاصيل البقاء، ومشاهدة الفيلم إذا كنت تبحث عن تجربة سينمائية قوية تجمع بين التوتر والرومانسية في صور ومشاهد مُقوّية. كلا العملين يكملان بعضهما بطرق جميلة: الرواية تعطيك
قصة كاملة وغنية، والفيلم يمنحك إحساسًا فوريًا وقويًا بالموقف والمشاعر عبر أداء الممثلين والبيئة البصرية. في النهاية، حكاية 'الجبل بيننا' نجحت في الوصول لقلوب كثيرين سواء على الورق أو على الشاشة، وكل نسخة لها ما يميّزها ويستحق التجربة.