كانت القاهرة في نصوصه أقرب إلى شخص حيّ؛ أحيانًا تسمع أنفاسها قبل أن ترى
شارعها. أقرأ
بهاء طاهر وأشعر أن المدينة ليست خلفية فقط، بل
كيان يتنفس ويتألم ويحتفل، من خلال حكايات صغيرة لأشخاص عاديين تترجمهم
جمل قصيرة وحسّ مفصّل. الأسلوب عنده يميل إلى التقاط اللحظات: مقهى، دكان حناء، نافذة تطل على نهر، صوت أذان اختلط بزخم بائعين. هذه التفاصيل الصغرى تتراكم حتى تبني صورة القاهرة بطريقة أكثر صدقًا من أي وصف موسوعي.
أرى في نصوصه قدرة على
الجمع بين الحميمي والسياسي؛ لا يكتفي بوصف البيوت وال
حارات، بل يربط ما يراه بما وراءه من تاريخ وتغير اجتماعي. لذلك القاهرة عنده ليست مجرد حصيلة أمكنة، بل سلسلة علاقات: جار يفتقد صديقه، بائع يراقب تحول الحي، قصر يعكس أمجاداً ماضية. أسلوبه
يفضل الإيحاء على الحصر، فيعطي القارئ فرصة ليملأ
الفراغ بذكرياته وصورته الخاصة للمدينة. النتيجة أن القارئ يشعر وكأنه يتجول في زقاقٍ يعرفه أو لم يزره من قبل، لأن الوصف يخاطب الحواس والذاكرة معًا.
لن أصفها بالوثائقية الباردة؛ بعكس ذلك، هي رواية لمدينة تشعر بها أكثر مما تُحلل. هذا يجعل كتاباته
مثيرة للقراء الذين يحبون القاهرة بمشاعرها المتباينة: الفرح، الحنين،
الغضب، التسليم. بالنسبة لي،
قراءة نص لبهاء طاهر كانت دائمًا دعوة للتأمل في أماكن تبدو مألوفة لكن تُرى بعين مختلفة؛ العين التي تراكم التاريخ والناس والروائح والصوت. أعتقد أن أي شخص يريد أن يشعر بالقاهرة الحيّة وليس فقط بأسمائها، سيجد في كتاباته مرآةً وممرًا صغيرًا يقوده إلى أزقة المدينة وأعماقها.