LOGINلم يطلع الفجر بعد عندما كان كايرن واقفًا أمام منزله، يحمل حقيبة صغيرة على كتفه وينظر إلى القرية التي عاش فيها طوال حياته. كانت إيلورا هادئة بشكل غريب، وكأنها لا تعرف أن شخصًا ما على وشك أن يغادرها، أو ربما كانت تعرف، لكنها اختارت أن تصمت.
خلفه وقف داريوس، مرتديًا عباءته القديمة، وسيفه الحقيقي معلقًا عند خصره. لم يكن وجهه يحمل شيئًا من الحزن، لكن كايرن، بعد كل ما حدث في الليلة السابقة، أصبح قادرًا على ملاحظة أشياء لم يكن يلاحظها من قبل. الطريقة التي كان داريوس ينظر بها إلى الغابة، والهدوء المصطنع في صوته، واليد التي بقيت قريبة من مقبض سيفه. قال كايرن وهو ينظر إلى القرية: «هل سنعود؟» صمت داريوس للحظات، ثم أجاب: «ربما.» التفت إليه كايرن. «هذا ليس جوابًا.» ابتسم داريوس ابتسامة خفيفة وقال: «لأنني لا أملك جوابًا أفضل.» شد كايرن قبضته حول حزام حقيبته. كان يعلم أن الرحيل لم يكن اختيارًا حقيقيًا. بعد الهجوم الذي تعرضا له، وبعد ظهور الرجل صاحب العباءة السوداء، لم تعد إيلورا مكانًا آمنًا، مهما حاول داريوس إقناعه بأن الأمور لم تصل إلى أسوأ مراحلها بعد. سارا عبر الطريق الترابي المؤدي إلى أطراف القرية، وكانت الشمس قد بدأت بإرسال أول خيوط الضوء فوق الجبال. مر كايرن بجانب المكان الذي كان يتدرب فيه كل صباح، فتوقف للحظة. هناك، على الأرض، كانت آثار الضربات التي صنعها خلال أسابيع التدريب لا تزال واضحة. جذوع الأشجار التي ضربها، الحجارة التي حملها، والمساحة التي كان يكرر فيها ألف ضربة بالسيف الخشبي. قال كايرن: «كل شيء بدأ هنا.» توقف داريوس أيضًا ونظر إلى ساحة التدريب. «لا. كل شيء بدأ قبل ذلك.» استدار كايرن نحوه. «ماذا تقصد؟» لكن داريوس تابع السير دون أن يجيبه. ظل كايرن ينظر إليه لحظات، ثم لحق به. بعد عدة ساعات، أصبحت إيلورا خلفهما تمامًا. كان الطريق يمتد بين الجبال والغابات، ولم يكن هناك أي مسافر في الأفق. لأول مرة شعر كايرن بحجم العالم خارج قريته. طوال حياته كان يعتقد أن الغابة والجبال المحيطة بإيلورا هي العالم كله تقريبًا، لكنه الآن اكتشف أن تلك المنطقة لم تكن سوى جزء صغير من أرض واسعة تحكمها ممالك ومدن لم يسمع بأسماء معظمها من قبل. قال كايرن: «إلى أين نحن ذاهبان؟» «إلى مدينة.» «أي مدينة؟» نظر داريوس إليه وقال: «مدينة السيوف.» توقفت خطوات كايرن للحظة. كان قد سمع الاسم من قبل، لكن دائمًا على شكل حكايات قديمة يرويها المسافرون. مدينة ضخمة يجتمع فيها أفضل المبارزين والحدادين والتجار، وتباع فيها السيوف التي لا يستطيع عامة الناس حتى لمسها. قيل إن بعض المبارزين يستطيعون قطع صخرة بضربة واحدة، وإن هناك مدارس للسيف يتدرب فيها المقاتلون منذ طفولتهم. قال كايرن بحماس لم يستطع إخفاءه: «مدينة السيوف؟ هل سنذهب إليها حقًا؟» قال داريوس ببرود: «نعم.» «وهل سأتعلم هناك استخدام السيف الحقيقي؟» «إذا نجوت من التدريب أولًا.» اختفت ابتسامة كايرن فورًا. ضحك داريوس للمرة الأولى منذ مغادرتهما القرية. استمرا في السير حتى حل المساء، وعندها وصلا إلى منطقة صخرية مرتفعة تطل على وادٍ عميق. أشعل داريوس نارًا صغيرة، ثم جلس بجانبها بينما بقي كايرن واقفًا ينظر إلى الظلام. أخرج كايرن يده ببطء. كانت العلامة لا تزال هناك. رمز السيف المحاط بالدائرة غير المكتملة. قال: «داريوس.» «ماذا؟» «هذا الرمز... هل له علاقة بمدينة السيوف؟» رفع داريوس عينيه إليه. للمرة الأولى منذ مغادرتهما إيلورا، لم يجد جوابًا سريعًا. «لماذا تسأل؟» «لأن الرجل صاحب العباءة نظر إليه عندما ظهر.» ظل داريوس صامتًا. ثم قال: «لا تستخدم هذه العلامة أمام أحد.» «لماذا؟» «لأنك لا تعرف ماذا تعني.» «وأنت تعرف.» نظر داريوس إلى النار. «أعرف ما يكفي لأعرف أنها خطيرة.» جلس كايرن أمامه وقال: «أريد الحقيقة.» رفع داريوس نظره إليه، وبقي الاثنان صامتين للحظات. ثم قال داريوس بهدوء: «الحقيقة ليست شيئًا واحدًا يا كايرن. أحيانًا تفتح لك الحقيقة بابًا، لكنك لا تعرف ما الذي ينتظرك خلفه.» «وماذا يوجد خلف هذا الباب؟» أجاب داريوس: «أشياء كان من الأفضل أن تبقى مدفونة.» وفجأة تغيرت ملامحه. رفع رأسه نحو الجبال. كايرن لاحظ ذلك فورًا. «ماذا هناك؟» لم يجب داريوس. أطفأ النار بقدمه، ثم وقف وأمسك سيفه. «استعد.» «لماذا؟» «لأننا لسنا وحدنا.» ساد الصمت. كايرن أمسك سيفه الخشبي instinctively، لكن داريوس نظر إليه وقال: «اترك الخشب.» «ماذا؟» «هذه المرة ستقاتل بسكين.» أخرج داريوس خنجرًا صغيرًا وأعطاه له. أمسكه كايرن، وشعر بثقل مختلف تمامًا عن السيف الخشبي. وفي اللحظة نفسها، ظهر صوت بين الأشجار. خطوة. ثم أخرى. ثم عدة خطوات. رفع داريوس سيفه ببطء. ومن بين الظلام ظهرت ثلاثة ظلال تحمل السيوف. قال أحدهم: «داريوس... طال غيابك.» تجمد كايرن. أما داريوس، فلم يبدُ عليه أي خوف. لكن عينيه تغيرتا. وكأنه يعرف هؤلاء الرجال منذ زمن طويل. قال الرجل: «لقد أخبرونا أنك ستعود يومًا.» قبض داريوس على سيفه. «من أخبركم؟» ابتسم الرجل. «الرجل الذي يرتدي العباءة السوداء.» اتسعت عينا كايرن. وفي مكان بعيد، فوق قمة جبل لا يمكن رؤيتها من الوادي، كان الرجل صاحب العباءة يقف وحده ويراقب المشهد. لم يتحرك. لم يقترب. فقط قال بصوت منخفض: «الآن بدأت الرحلة حقًا.» ثم رفع عينيه نحو السماء، وكأن شيئًا آخر كان يقترب من مكان أبعد بكثير. وأضاف: «لكنهم لا يعرفون بعد... أن كايرن ليس هو الوحيد الذي بدأ الاستيقاظ.»لم يتحرك كايرن. ظل واقفًا أمام الباب الحجري، وعيناه معلقتان بالظلام خلفه، بينما كانت كلمات الرجل ذي السيف الأسود تتردد في رأسه: «المدينة استيقظت.» لم يفهم كايرن ما الذي يعنيه، لكنه شعر بشيء غريب في أعماقه، شيء يخبره بأن ما يحدث الآن لم يكن مجرد صدفة.اهتزت الأرض تحت أقدامهم اهتزازًا خفيفًا، وتساقطت ذرات الغبار من السقف، بينما ارتجفت ألسنة النار المعلقة على الجدران. رفع راين رأسه وقال بحذر: «هل شعرتم بذلك؟» لم يجبه أحد. وبعد لحظات جاء الصوت مرة أخرى، أقوى هذه المرة.دوم...اهتزت القاعة بأكملها، وشد إيريان قبضته حول سيفه، بينما تراجعت سيلان خطوة إلى الخلف. أما داريوس فظل يحدق في الأرض بصمت، وكأنه يعرف بالضبط ما الذي يحدث. لاحظ كايرن ذلك فتوجه إليه وقال: «أنت تعرف ما يحدث.»رفع داريوس عينيه إليه، لكنه لم يجب.اقترب كايرن خطوة أخرى وقال: «داريوس، أريد أن أعرف الحقيقة.»تنهد العجوز، وكأنه كان يحاول أن يجد الكلمات المناسبة، لكن الرجل ذي السيف الأسود سبقه بالكلام: «الحقيقة لن تساعدك الآن.»التفت الجميع إليه. كان لا يزال واقفًا أمام السيوف الثمانية، إلا أن شيئًا واحدًا تغير؛ يده أصبحت فوق مقب
«عاد الطفل.» ترددت الكلمات داخل القاعة الحجرية، ثم عادت إليها السكون من جديد. أما تحت مدينة السيوف، فلم يكن السكون موجودًا. كان كايرن لا يزال واقفًا أمام الرجل ذي السيف الأسود، ويده مرفوعة أمامه، بينما كانت الدائرة الرابعة التي ظهرت على جلده تزداد وضوحًا. نظر الرجل إلى العلامة طويلًا. ثم خفض سيفه. قال كايرن: «ماذا يعني هذا؟» لم يجب الرجل. «قلت إن هذا تذكّر، وليس استيقاظًا. ماذا يعني ذلك؟» رفع الرجل عينيه إليه. «يعني أن العلامة لم تبدأ العمل اليوم.» تجمد كايرن. «ماذا؟» «كانت تعمل منذ سنوات.» «هذا مستحيل.» «أنت لا تتذكر.» اقترب الرجل من أحد السيوف الحجرية الثمانية. وضع يده على سطحه. «لكن جسدك يتذكر.» نظر كايرن إلى السيف. «وهذه السيوف؟» رفع الرجل يده عن الحجر. «لا تسألني عن أشياء لا ينبغي لك أن تعرفها بعد.» غضب كايرن. «الجميع يقول لي الشيء نفسه! داريوس يقول إن الوقت لم يحن، وألدين يخفي نصف ما يعرفه، والرجل صاحب السيف الأبيض يتحدث وكأنني جزء من شيء بدأ قبل ولادتي، وأنت تقول إنني كنت أعرفك وأنا طفل!» اقترب منه. «كفى.» كان صوته يرتجف.
لم يتحرك أحد.كان الظل يقف خلف الباب، ثابتًا تمامًا، بينما انعكس ضوء خافت على طرف السيف الأسود الذي يحمله. لم يكن النصل يشبه أي سيف رآه كايرن من قبل؛ لم يكن يلمع تحت الضوء، بل بدا وكأنه يمتصه.حدق كايرن في الباب، ثم التفت إلى داريوس.«قلت إنه الشخص الذي حملني إلى إيلورا.»لم يجب داريوس.كان يحدق في السيف الأسود.أما الرجل صاحب السيف الأبيض، فتقدم خطوة إلى الأمام وقال بصوت منخفض:«لم أتخيل أنني سأراه مرة أخرى.»سأل كايرن:«ماذا تعرف عنه؟»قال الرجل:«أعرف ما يكفي لأعرف أننا لا نستطيع السماح له بالدخول.»رفع داريوس سيفه.«ألدين، خذ كايرن إلى المخرج الخلفي.»رفض كايرن فورًا.«لن أهرب.»«هذه ليست معركة تستطيع خوضها.»«وأنت؟»«أنا أعرف ما أواجهه.»اقترب كايرن منه.«لكنني لا أعرف شيئًا! كلما سألتك عن ماضيي تخبرني أن الوقت لم يحن. والآن الرجل الذي يعرف من أين أتيت يقف خلف الباب، وتريد مني أن أهرب؟»نظر داريوس إليه طويلًا.ثم قال:«لأنني أخشى أن تكون الحقيقة أسوأ مما تتوقع.»قبل أن يرد كايرن، جاء صوت من الخارج:«داريوس.»كان الصوت هادئًا.هادئًا بصورة مخيفة.«لقد أمضيت سنوات طويلة تحاول إخفاء
كان الممر ضيقًا ومظلمًا، يمتد خلف جدران المتجر كأنه جزء من مدينة أخرى لا يعرف عنها أحد. لم يكن هناك سوى ضوء خافت يتسلل من مصابيح صغيرة مثبتة على الجدران، وكلما تقدم كايرن خلف داريوس وألدين، كان يشعر بأنهم يبتعدون أكثر عن أصوات المدينة.ظل السؤال يطارده:من هو الرجل الذي يحمل السيف الأبيض؟كان داريوس يسير في المقدمة، وسيفه الحقيقي في يده، بينما كان ألدين يغلق الأبواب الحديدية الصغيرة خلفهم واحدًا تلو الآخر. لم يشرح أي منهما شيئًا، وكأنهما اتفقا ضمنيًا على أن الحديث يمكن أن ينتظر حتى يصبحوا في مكان آمن.لكن كايرن لم يعد قادرًا على الانتظار.قال:«داريوس.»«أعرف ما تريد أن تسأل عنه.»«إذن أخبرني.»«لاحقًا.»«قلت لي هذا من قبل.»توقف داريوس للحظة، ثم التفت إليه.«لأن الوقت لم يكن مناسبًا.»«والآن؟»نظر داريوس إلى الممر أمامه.«الآن أصبح الوقت مناسبًا أكثر مما أتمنى.»واصلوا السير.بعد عدة دقائق، وصلوا إلى باب حجري كبير. وضع ألدين يده على علامة منحوتة في منتصفه، فتحركت الأحجار ببطء، وانفتح الباب على قاعة واسعة تحت الأرض.كانت القاعة مليئة بالخرائط القديمة والتماثيل المكسورة والأسلحة المغطا
كان الصباح قد بدأ يزدحم في شوارع مدينة السيوف عندما خرج كايرن وداريوس من النزل. لم يتحدث أي منهما عن البيت ذي الدوائر العشر، لكن كايرن كان يشعر أن شيئًا تغير منذ أن وطئت قدماه المدينة. لم تعد الأصوات المحيطة به تبدو عادية؛ كل سيف يراه في الشوارع يذكره بالنقش الموجود فوق الباب، وكل شخص يرتدي عباءة داكنة يجعله يتساءل إن كان أحد رجال الرجل الغامض.أما داريوس، فكان أكثر حذرًا من المعتاد.لم يكن يسير في الطرق الرئيسية، بل يختار الأزقة الأقل ازدحامًا، ويلتفت بين حين وآخر خلفه دون أن يلاحظ كايرن شخصًا يتبعه.بعد مسافة طويلة، وصلا إلى متجر قديم يقع بين محل للحدادة ومخزن للأسلحة. لم يكن فوق بابه أي اسم، ولم تعرض واجهته سيوفًا أو دروعًا مثل بقية متاجر المدينة.طرق داريوس الباب ثلاث مرات.انتظر.ثم طرق مرتين.فتح الباب رجل في أواخر الخمسينيات، له لحية قصيرة وشعر رمادي، وعندما رأى داريوس لم يبدُ عليه الترحيب.قال:«ظننت أنك لن تعود أبدًا.»أجابه داريوس:«كنت أتمنى ذلك.»انتقلت عينا الرجل إلى كايرن.توقف للحظة.«إذن هذا هو.»سأل كايرن:«ما الذي تعرفه عني؟»قال داريوس:«هذا ألدين، أحد الأشخاص القلا
بقي كايرن واقفًا أمام المبنى، غير قادر على إبعاد عينيه عن الشعار المنقوش فوق الباب. عشر دوائر تحيط بسيف طويل، وفي مركزه رمز صغير يشبه العلامة التي ظهرت على كفه. لم يكن هناك أي شك في أن الأمر مرتبط به، لكن أكثر ما أثار قلقه لم يكن الرمز نفسه، بل نظرة داريوس.كان معلمه يقف أمام الباب دون أن يلمسه، وكأن مجرد الاقتراب منه أعاد إلى ذاكرته شيئًا حاول دفنه لسنوات.قال كايرن:«ما هذا المكان؟»أجاب داريوس دون أن ينظر إليه:«مكان لا ينبغي لنا أن نكون فيه.»«هذا ليس جوابًا.»«أعرف.»«إذن أخبرني الحقيقة.»استدار داريوس نحوه.«الحقيقة أنني كنت أعرف أن هذا المكان موجود، لكنني لم أتوقع أن أراه مرة أخرى.»اقترب كايرن من الباب ومد يده نحوه، لكن داريوس أمسك بمعصمه بسرعة.«لا تلمسه.»«لماذا؟»«لأن العلامة على يدك استجابت له.»نظر كايرن إلى كفه. كانت الحرارة قد بدأت تخف، لكن الرمز بقي واضحًا.«ربما هذا يعني أنني يجب أن أدخل.»شد داريوس قبضته قليلًا ثم ترك يده.«وهذا بالضبط ما أخشاه.»قبل أن يسأل كايرن المزيد، سمعا صوتًا خلفهما.«لم أتوقع أن يعود داريوس إلى هنا.»استدار الاثنان.كان رجل مسن يقف في الطرف ا