Se connecterقضيت عمري بأكمله أحيا في ظل أختي ليلى الصاوي، تلك التي لطالما حملتها عائلة المافيا على كفوف الراحة وحاوطتها بالدلال، كأنها جوهرة نادرة. ولم تكن تعلم…أنني عُدتُ إلى الحياة مرةً أخرى. وكما حدث في حياتي السابقة، أقبلت عليّ مبتسمة، وحثتني أن أختار من سأتزوجه أولًا لإكمال تحالف عائلات المافيا، وأخذت تتصنع الرقة لتظهر الأخت الحنون والكريمة، لكنني هذه المرّة، أبيتُ أن أتناول الطُعم. لقد صدقتها في حياتي السابقة بكل سذاجة وكنت ضحية تلك الطيبة الزائفة. فتزوّجتُ الرجل الذي اختارته لي، إنه فارس العامري وهو أحد الورثة الذين قيل إنه أصيب في كمين فصار مشلولًا. تنازلتُ عن حقي في إكمال نسل العائلة وإرثها لأجله، وصرتُ له خادمةً وسندًا، أُداوي عزلته، وأحمل عنه ثُقل أيامه. لكنّ القلب الذي لا يريدكِ… لن يُحييه عطف الدنيا بأسرها. ظللت أحنو عليه وأحبه حتى فرغتُ من نفسي، وما ازداد إلا بُعدًا وجمودًا، إلى أن جاء يوم الاحتفال بحمل أختي. وحينها انكشفت الحقيقة المريرة بوجهها القاسي. وجه أحد القتلة المأجورين لعائلة المافيا المنافسة لنا سلاحه إلى بطن أختي، نهض ذلك الرجل — الذي لم يقف على قدميه منذ أعوام — فجأة كأنه لم يُصب بالشلل يومًا. ثم دفعني أمام الرصاص بيديه، واخترقت جسدي سبع طلقات نارية. وفي اللحظة التي كنتُ أهوي فيها إلى الأرض، رأيتُه يضمُّ أختي إلى صدره، ويحميها بجسده، ويتلقّى عنها الرصاصة الأخيرة. حينها فقط…فهمت الأمر. لم يكن مشلولًا قط. ولم تكن المافيا قد تخلّت عنه، لكن لأن أختي اختارت رجلًا غيره، تظاهر بالعجز حتى لا يُجبَر على الزواج مني. قال لي حينها، وصوتُه يختنق بثقل الذنب: "سامحيني يا نانسي، لقد خدعتكِ، لكنني لم أستطع أن أرى ليلى تفقد الطفل الذي تحمله. إنه وريثها القادم". ثم أردف: "سأسدد ديني لكِ في حياتي القادمة". وحين فتحتُ عينيَّ من جديد… وجدتُ نفسي قد عدتُ إلى اليوم الذي جمعنا فيه أبي لنختار أزواجنا. لكنني هذه المرة… لم أختر أحدًا. أما هم، فقد ألقوا بأنفسهم عند قدميّ، يتسوّلون حبّي.
Voir plusومنذ ذلك اليوم، لم أرَ فارس مرةً أخرى.بعدما سقطت عائلة الصاوي، صعد اسمي في العالم السفلي كما لم يسبق لأي امرأة في سني أن بلغته، حتى أصبحت أصغر من يتولى السلطة فيه.ولم يعد الناس ينادونني بـ "الآنسة نانسي".بل صاروا يذكرونني بوصفـي القائدة الحقيقية التي تُدير ما تبقى من نفوذ عائلة الصاوي.أما فؤاد فقد تقدّم للزواج بي أمام مجلس كبار العائلة دون خوف.وبعد ثلاثة أشهر، داخل كنيسة العائلة في جزيرة السمر، كانت الأجراس تدق ببطءٍ مهيبٍ، امتدت أشعة الشمس عبر الزجاج الملوّن، ترسم فوق الأرض ألوانًا تشبه ألوان غابات الأحلام.أمسك فؤاد بيدي، وتسلل بداخلي دفء يديه بينما ينظر إليّ بحب وعطف.ثم قال بصوتٍ هادئ:"نانسي، أعلم أنكِ اعتدتِ أن تُظهري نفسكِ قويةً أمام الجميع، لكنني أريدكِ أن تعرفي شيئًا واحدًا".وسكت لحظة، ثم تابع:"لا تحسبي أن رقتكِ التي تخفينها عن الجميع هي نقطة ضعفكِ، بل إنها الكنز الذي لطالما رغبت في حمايته طوال حياتي".ثم أردف:"لقد أحرقت ليلى وألقيت بها في البحر، وتركت هؤلاء الذين ظلموكِ وتآمروا عليكِ يتجرّعون ندمهم في الجحيم".وفجأة، برد صوته قليلًا قبل أن يعود رقيقًا من جديد:"ومن ا
كان اليوم الذي تصدر فيه خبر انهيار عائلة الصاوي عناوين الصحف الاقتصادية، هو يوم عيد مولدي. وقد أعد فؤاد أمسية رائعة لا تنسى، وزّين المكان بتسعِمائة وتسع وتسعين وردة حمراء، ثم وقف أمامي يعترف بحبه مرة أخرى، نظرت حولي ثم نظرت إليه ووافقت أخيرًا.علا رنين الهاتف فجأة معكرًا صفو تلك اللحظة، وكان المتصل هو المحامي الذي يتولى الدفاع عما بقي من عائلة الصاوي.أجبتُه بفتور، وأنا أظن أن فارس يريد أن ينازعني على الموانئ الثلاثة التابعة للعائلة في الفردوس.فذلك الطريق الخفي الذي تمر منه كافة الشحنات ويُسهل عمليات التهريب كفيلٌ بأن يثير كل عائلات المافيا.لكن جاءني صوت المحامي على الجانب الآخر يقول:"آنسة نانسي، الأمر لا يتعلق بالنزاع على الموانئ".ثم تابع بتردد:"إن السيد فارس طلب مني أن أبلغكِ بأنه تنازل عن جميع حقوقه لدى العائلة، بما في ذلك حقه في الانتفاع بالموانئ الثلاثة، وكل ذلك سينقل إليكِ دون مقابل يُذكر".تجمدت أصابعي للحظة.ثم قلت ببرود:"ما المقابل الذي يريده؟"أجاب المحامي:"لا يريد سوى فرصةٍ واحدة لرؤيتكِ، ولو لدقيقة واحدة فقط".حدّدَ اللقاء في المطعم الغربي الذي اعتدنا الذهاب إليه
تابعت ما جرى كله من خلف شاشات المراقبة المعلقة في الغرفة الخلفية للصالة.وحين خطر لي الجنون واليأس في عينيّ فارس، لم أتمالك نفسي من الضحك بسخرية باردة.فكيف سيكون حاله، يا ترى، حين تقع عيناه على جثتي؟لعله سيفقد عقله تمامًا حينها بحق.لكن ما فائدة الحب إن أتى بعد فوات الأوان؟!قطع فؤاد غانم شرودي، وقال بينما ينظر إليّ عن قربٍ:"لا يليق بعينيكِ أن تطيلا النظر لتلك النفايات".التفتُّ إليه، لكنني رغم هيبته وحدته، لم أرَ سوى انعكاسي في عينيه.فقلت وأنا أعيد النظر إلى الشاشات:"أردت النظر للعرض الأخير بينما يتخبط المهرجون قبل أن يسدل الستار، ولن يطول الأمر حتى تنقطع كل مصادر دخل مجموعة الصاوي، لولا أنك أوقفت حساباتهم السرية بالخارج، لما نجحت خطتي".ابتسم فؤاد ابتسامةً خفيفةً، ثم قال:"لقد وعدتِني أن تمنحيني فرصةً لأقترب منكِ، وهذا أقل ما أستطيع أن أقدّمه دليلًا على صدق نيّتي".شعرت بدفءٍ ينساب إلى وجنتيّ، فتراجعتُ نصف خطوةٍ على غير إرادةٍ مني.غير أنّه جذبني إليه في ثباتٍ، وأحاطني بذراعيه كأنّه يخشى أن أفلت من بين يديه وأضيع من جديد.ثم همس بالقرب من وجهي:"فهل أرضاكِ إخلاصي؟"رفعتُ بصر
وفي لحظةٍ فقد فارس ما بقي من تماسكه، وانتزع هاتفه وألقاه بعنفٍ أمام ليلى، فتحطّمت الشاشة إلى شظايا متناثرة، لكن سجلات التحويلات المالية ظلّت ظاهرة بوضوح،تفضح المبالغ التي أرسلتها سرًّا إلى أولئك المراهنين لقاء صمتهم.وما إن وقعت عينا ليلى على الأرقام، حتى شحب وجهها بفزع، وتجمدت في مكانها كأن الأرض قد سُحبت من تحت قدميها.كان غضب فارس قد بلغ حدًّا أوشك أن يفقد ما بقي من عقله. نظر إليها بعينين تشتعل غضبًا، ثم قال لها باشمئزازٍ:"ألهذا الحدّ لا تعني لكِ حياة أختكِ شيئًا؟"وفجأة، انفجرت دموع ليلى، وأخذت دموعها الثقيلة تتساقط على ظاهر يده، ثم تمتمت بصوتٍ مختنق: "الأمر ليس كما تظن".لكن سليم عقد حاجبيه، وجذبها إلى صدره في حركةٍ غريزية تحمل الحماية والانحياز، ثم قال بحدة: "فارس، لمَ تهاجم ليلى؟ إنها بريئة!"ضحك فارس ضحكةً ساخرة، ثم قبض على يده النازفة وقال:"أي بريئة؟!" ثم اقترب منها خطوةً أخرى، وعيناه تشتعلان، ثم قال:"إذا كان في حسابكِ مليارٌ ونصف، فلماذا لم تسددي دَين الرهان؟أليست هذه المسرحية كلها من تدبيركِ أنتِ؟"اضطربت نظرات ليلى، وأخذت تتهرب منه بعينيها وهي تتمتم:"أنا…أنا لا