LOGINمرّت ثلاثة أيام دون أن يحدث شيء. وداد هانم أبقتني في عملي كما وعدت، وكريم تجنّبني بحرص، ويوسف انشغل في اجتماعاتٍ متتالية، وبدت الأمور كأنها هدأت. لكنني كنتُ أعرف أن الهدوء في هذا البيت كان دائمًا هدوء ما قبل العاصفة.في الليلة الثالثة، وأنا أغادر البرج، رنّ هاتفي برقمٍ مجهول. ترددتُ ثم أجبت.«ندى؟ أنا كريم. هل يمكننا أن نلتقي؟ ليس في الشركة ولا في البيت. مكانٌ هادئ».اخترنا مقهًى صغيرًا على النيل في الزمالك، معتمًا بعض الشيء، بطاولاتٍ بعيدة عن بعضها. وجدتُه ينتظرني في الزاوية، وقد فقد أناقته المعتادة؛ ربطة عنقه مفكوكة، وعيناه محمرّتان.«شكرًا لأنكِ جئتِ»، قال.طلبتُ شايًا لم أشربه. كانت أضواء المراكب تتراقص على سطح النيل، ويعلو من راديو عامل المقهى صوتُ أغنيةٍ قديمة. أحسستُ بأنني أجلس في مشهدٍ من حياةٍ أخرى، لا يمتّ بصلةٍ إلى ما أفعله.«لم يكن لدي خيارٌ كبير».«بل كان لديكِ. لكنكِ اخترتِ أن تسمعيني». جلس بثقل. «لقد فكّرتُ كثيرًا في اللحظة التي أخبرتكِ فيها بكل شيء. ظننتُ أنني ارتكبتُ حماقة. ثم أدركتُ أنني ارتحتُ لأول مرةٍ منذ ست سنوات».«جدتك عرضت عليّ رشوة».ابتسم بمرارة. «لم أتوقع أ
عدتُ إلى غرفتي في الرابعة فجرًا، منهكةً كمن خاض معركة. لم أستطع النوم. جلستُ على حافة السرير، أفكّر في كل ما حدث في يومٍ واحد: قصاصة، طفل، اعتراف، عرض رشوة.كانت المشاعر تتصارع في داخلي. كنتُ قد اكتشفتُ أن آدم ابن يوسف. ابنٌ أخفته جدّته عن أبيه ست سنوات. جزءٌ مني أراد أن يقتحم مكتب يوسف صباحًا ويصرخ في وجهه بالحقيقة. وجزءٌ آخر تذكّر ما قاله كريم: إن الرجل قد ينهار.وبين الجزأين، كان هناك جزءٌ ثالث لم أعرف كيف أواجهه: أنني كنتُ أريد أن أحميه.لم أرد أن أعترف بذلك. كان يوسف هو الرجل الذي وقّع إفادةً ضد أمي، والذي عاش في هناءٍ بينما ماتت هي في زنزانة. لكنني في الساعات الأخيرة، رأيتُ فيه شيئًا آخر: رجلًا فقد كل شيءٍ وهو لا يعرف أن ما فقده حيّ في مكانٍ قريب.هل كان جلّادي؟ أم كان ضحيةً أخرى في المسرحية نفسها؟تذكّرتُ كيف نظر إلى الصورة المؤطرة على مكتبه، وكيف خفض صوته حين نطق اسم زوجته. لا يمثّل أحدٌ الحزن بهذه الدقة. ومع ذلك، فإن الحزن نفسه لا يبرّئ أحدًا من التوقيع على إفادةٍ ظالمة.في السادسة صباحًا، اتصلتُ بهشام. حكيتُ له كل شيء على عجل: الطفل، وقصاصة الورق، وكريم، وعرض الجدة. سكت طويل
لم أعرف في حياتي قط صمتًا كالذي رافق خطواتي خلف وداد هانم في ذلك الممر. كانت عصاها تدقّ الرخام دقاتٍ منتظمة، كأنها تحصي أنفاسي.أدخلتني غرفةً صغيرة في نهاية الطابق الأول، مكتبٍ خاصٍّ برائحة العود والورق القديم. جلستْ خلف مكتبٍ خشبي عتيق، وأشارت إليّ بالجلوس دون أن ترفع عينيها عني.«كم سمعتِ؟» قالت.«لا أعرف ما تقصدين».«لا تجعليني أضيع وقتي». وضعت يديها على العصا. «سمعتِ ما قاله كريم، أو بعضه. وهو يعتقد أنه أذكى مما هو عليه. سؤالي بسيط: ماذا تريدين؟»«أريد أن أنهي عملي وأنال أجري».ضحكت. ضحكةٌ قصيرة وجافة كصوت ورقةٍ تُمزّق. «أنتِ ذكية يا بنيّتي، وهذه صفةٌ خطرة عند الفقراء. لأنهم يظنون أن الذكاء يكفي».«وماذا يكفي إذن؟»«الصبر. والمال. والمعرفة بمن تواجهين». أمالت رأسها. «لقد رأيتُ الطفل. رأيتِه. وأخبرك كريم بما استطاع. أتعلمين لماذا لا أخشى ذلك؟»«لماذا؟»«لأنكِ لن تقولي شيئًا». قالتها بيقينٍ مطلق. «لو أردتِ فضحنا، لجئتِ مباشرةً إلى يوسف. لكنكِ جئتِ متنكرةً، تحت اسمٍ آخر. أنتِ تريدين شيئًا لا علاقة له بالطفل. شيءٌ أقدم. والطفل جاءكِ صدفةً».كان قلبي يخفق بعنف، لكنني حافظتُ على وجهي ثا
سحبني كريم إلى الشرفة الخلفية، حيث لا يصل إلينا أحد، وأغلق الباب الزجاجي. كان الليل قد هبط، وصوت الحشرات يملأ الحديقة. وقف أمامي وهو يمرّر يده في شعره، ولم يبدُ عليه أنه رجلٌ يستطيع أن يكذب أكثر.«الولد ابن الخادمة»، قال أخيرًا، كمن يقفز إلى الماء البارد. «حفيدة أم صبري. لا شيء أكثر».«كريم». تجاوزتُ الألقاب دون تفكير. «إن كنتَ ستكذب، فاكذب بإتقان».نظر إليّ بحدّة. «ماذا تقصدين؟»«لا يشبه الخادمات. يشبهك أنت. ويشبه أخاك».صمت كريم. أسند ظهره إلى الجدار، وأغمض عينيه كمن يجرّب أن يختفي. وحين فتحهما، كانت فيهما نظرةٌ جديدة، مرهقة، مستسلمة.«أخي لا يعرف»، همس.«ماذا لا يعرف؟»«أن آدم موجود».سقط قلبي إلى قدميّ. كنتُ قد توقعتُ أن الطفل قريبٌ ما، لكنني لم أتوقع هذا. «الطفل… ابن يوسف؟»«ابنه. ابنه ودالية».«لكن يوسف قال لي إنه فقد الاثنين في ليلةٍ واحدة».«هذا ما قيل له». ابتلع ريقه. «ولدت دالية قبل الأوان في المستشفى، بعد الحادث. توفيت بعد ساعتين. وكان الطفل… ضعيفًا. قال الأطباء إنه لن ينجو. جدتي كانت هناك. أخذت الأمر على عاتقها. حين استقرّت حالة الطفل، اتخذت قرارها».«قرارها؟»«أن يظل ميتً
خبّأتُ القصاصة في جيب معطفي، وأنا أجاهد ألا ترتعش أصابعي. كان قلبي يدق بقوة حتى ظننتُ أن وداد هانم ستسمعه من مقعدها. لكنها لم تنظر إليّ، بل ظلت تحدّق في النافذة كمن ينتظر أمرًا محددًا.القصاصة قلبت كل شيء. «سلمى» هو اسم أمي. ومن كتبتها كانت تعرف أن أمي على وشك أن تسلّم ملفًّا أخيرًا. فأيّ ملفٍّ هذا؟ ومن كانت تلك الكاتبة؟ ولماذا لم تُسلَّم القصاصة إلى المحكمة يومها؟كانت الساعات الماضية في هذا البيت تمر ثقيلة، كأن الهواء نفسه يخفي شيئًا. وكلما مررتُ بباب مغلق ظننتُ أن خلفه سؤالًا ينتظرني، وأنني أقترب من جوابٍ لا أريد أن أعرفه.أنهيتُ عملي عند السابعة. وحين همّتُ بالخروج، اعترضت طريقي امرأة الثوب الأسود.«الهانم تقول تناولي عشاءكِ قبل أن تذهبي».رأيتُ في الدعوة فرصة. جلستُ إلى مائدة المطبخ الواسعة، والقدور النحاسية معلّقة على الجدار تعكس ضوء المصباح الأصفر، ورائحة الهيل والسمن تملأ المكان بدفءٍ لا يشبه برودة بقية البيت، وقدّمت لي المرأة صحنًا من الأرز والدجاج. سألتُها: «ما اسمكِ؟»«أم صبري». قالتها باقتضاب.«أنتِ تعملين هنا منذ زمن؟»«ثلاثون سنة».«إذن رأيتِ الكثير».رفعتْ نظرها إليّ لأ
كان بيت آل الشرقاوي القديم في المعادي يشبه صاحبته: مهيبًا، صامتًا، ومُحكمَ الإغلاق. سورٌ عالٍ تظلله أشجار الكافور، وبوابةٌ خشبية ضخمة، وحديقةٌ مترامية تتخللها ممرات حجرية. رأيتُه في الصور، لكنني لم أتصور أن الحجارة يمكن أن تُشعرني بأنها تراقبني. وفي الداخل، كانت الساعة الكبرى في الردهة تدقّ كأنها تحصي على الزائر أنفاسه، وكانت اللوحات الزيتية تحدّق بي من الجدران بوجوه أسلافٍ لا يبتسمون.فتحت لي الباب امرأةٌ في الخمسين، بوجهٍ متجهّم وثوبٍ أسود طويل. «أنتِ ندى؟ الهانم في المكتبة».كانت المكتبة في الطابق الأول، غرفةً واسعة بجدرانٍ من خشب الجوز، ورفوفٍ عالية تصل إلى السقف، وسلّمٍ خشبيٍّ متحرك. كانت رائحة الجلد والغبار تملأ المكان. وجلست وداد هانم في كرسيٍّ عريض عند النافذة، تشرب شايًا بارد اللون.«ابدئي من هنا»، قالت وهي تشير إلى الرفّ الأول. «كل كتابٍ يُسجَّل باسمه وسنته. وكل ورقةٍ تجدينها بين الصفحات تُسلَّم لي».«أي ورقة؟»«رسالة، إيصال، قصاصة. أي ورقة».فهمتُ أنها تبحث عن شيءٍ بعينه، أو تخشى أن يجده غيرها. أومأتُ بهدوء وبدأتُ العمل.كانت الرفوف تحكي سيرة رجلٍ قرأ كثيرًا وكتب على هوامش







