登入في صباح اليوم التالي، تصنعت نور الهدوء التام. وقفت في المطبخ تعد الإفطار لأدهم بابتسامة مرسومة بعناية، وتودعه بقبلة دافئة عند الباب. لكن بمجرد أن أُغلق الباب وسمعت صوت محرك سيارته يبتعد، تبخر قناع الزوجة الهادئة. ارتدت ملابسها بسرعة جنونية، واستقلت أول سيارة أجرة متجهة نحو منزل رندة قبل أن تفتح رندة متجرها. طرقت نور الباب بقوة، وما إن فتحت رندة حتى دخلت نور وأغلقت الباب خلفها، وانهارت على الأريكة وهي ترتجف من الرعب: "رندة! لقد عثروا على هاتف شوقي! أدهم فتح الملف مجدداً، وهو مقتنع بأن هناك جريمة قتل وراء اختفائه!" سردت نور كل تفاصيل العشاء المرعب. كانت تتوقع أن تصاب رندة بالذعر، لكن رندة، التي صقلتها التجارب وجعلت أعصابها من فولاذ، جلست بجوارها، وأمسكت بكتفيها بقوة لتعيدها إلى الواقع. "نور، اسمعيني جيداً، واضبطي أعصابكِ!" قالت رندة بنبرة حازمة وهادئة: "هذا التوتر هو ما سيشنقنا، وليس أدهم! ليس لديهم جثة، وليس لديهم مسرح جريمة. لديهم فقط هاتف وخدعة ذكية. سيقومون باستخراج سجل المكالمات، وسيجدون رقمي، وسنُستدعى للتحقيق قريباً جداً. لذلك، يجب أن نتفق الآن على قصتنا حرفياً." أ
كانت رائحة الطعام الشهي تملأ أرجاء الشقة الدافئة. وقفت نور في المطبخ، تدندن لحناً هادئاً وهي تعد مائدة العشاء بشغف. لأول مرة منذ سنوات طويلة، كانت تشعر بأمان حقيقي يتغلغل في خلاياها، أمان لا تشوبه شائبة. المحكمة انتهت، عاصم يقبع في زنزانته، منصور مجرد أسطورة تحللت تحت أطنان القمامة، ورندة بدأت حياة نظيفة ومشرقة. كل شيء كان مثالياً لدرجة مبكية. سُمع صوت المفتاح في الباب، ودخل أدهم. رغم الإرهاق الواضح على ملامحه بعد يوم طويل وشاق في مديرية الأمن، إلا أن نور لاحظت فوراً تلك اللمعة الغريبة في عينيه.. لمعة المحقق الذي وجد للتو لغزاً معقداً يثير حماسه. استقبلته بابتسامة رقيقة وعناق دافئ، وقالت وهي تأخذ سترته الجلدية من يده: "تبدو متعباً جداً، لكن عينيك تخبراني بقصة أخرى." ابتسم أدهم وقبّل جبينها بعمق، ثم قال وهو يفك أزرار قميصه العلوي ليتنفس: "يوم مجنون يا نور.. مجنون بكل المقاييس. قضية مغلقة منذ أكثر من سنة ونصف، عادت اليوم لتصدمنا جميعاً في المديرية وتثبت أننا كنا نتعقب وهماً!" جلسا متقابلين على مائدة العشاء. صبت له نور العصير في كأسه، وسألت بفضول بريء وعينيها تلمعان بالحب: "م
في أطراف المدينة، في ورشة الصيانة الكبيرة التابعة لـ "المحجر الرئيسي"، كان الغبار الأبيض يغطي كل شيء. تحت إحدى الشاحنات العملاقة المخصصة لنقل الصخور، كان الميكانيكي "صالح" يستلقي على ظهره فوق زلاجة خشبية، ويداه الملطختان بالشحم تعبثان بمحاور العجلات لإصلاح عطل في نظام التعليق. وبينما كان يمرر كشافه الضوئي على الهيكل المعدني السفلي (الشاسيه)، توقف الضوء عند شيء غريب لا ينتمي لأجزاء الشاحنة. كان هناك جسم مستطيل الشكل، ملفوف بعناية فائقة بشريط لاصق فضي قوي، وملتصق بقوة شديدة بالهيكل المعدني بواسطة مغناطيس مربع صلب. عقد صالح حاجبيه باستغراب. مد يده، وبذل جهداً لسحب الجسم بسبب قوة المغناطيس. عندما أخرجه، جلس على الأرض وبدأ بفك الشريط اللاصق المتسخ بالطين. وما إن أزال الطبقة الأخيرة، حتى وجد هاتفاً ذكياً فاخراً ومغلفاً بالبلاستيك وطبقات كثيرة من الشريط اللاصق لحمايته. لمع الطمع في عيني صالح، هاتف كهذا سيجلب له مبلغاً محترماً في سوق الهواتف المستعملة إذا قام بمسح بياناته (عمل سوفت وير). دس الهاتف بسرعة في جيبه، وأكمل عمله وكأن شيئاً لم يكن. في المساء، وبعد انتهاء وردية العمل، جلس صال
ساد الشقة هدوء دافئ ولطيف لم تشعر نور بمثله من قبل. انقضت عاصفة المحكمة، وغابت التهديدات، وصار بإمكانها أخيراً أن تتنفس دون أن تخشى أن ينكشف أمرها أو يداهمها ماضيها الأسود. كانت نور تجلس على الأريكة، تطالع الشارع المشمس من النافذة وهي تحتسي كوباً من الشاي الدافئ. جاء أدهم بخطواته الهادئة، وجلس بجانبها، ثم سحب يدها الرقيقة بين كفيه العريضين والدافئين. نظر في عينيها العسليتين بابتسامة تفيض حباً وشوقاً صادقاً. "نور..." همس أدهم بنبرة مليئة بالرجولة والحنان: "لقد أصبحتِ الآن امرأة حرة رسمياً بحكم القانون، وانتهى الكابوس الذي كان يلاحقكِ. لم يعد هناك ما يمنعنا.. أريد أن نتقدم خطوة رسمية نحو مستقبلنا. أريد أن أخطبكِ الآن، ونحدد موعد الزفاف في أقرب وقت." اتسعت عينا نور خفتاً، ونظرت إليه بمزيج من الامتنان والحزن الخفي. كانت تعشقه، وتعرف أن الحياة بجانبه هي طوق نجاة حقيقي، لكنها في أعماقها كانت تحمل أسراراً ثقيلة وجروحاً لم تتندمل بعد. خفضت نور رأسها قليلاً، وضغطت على يده برفق، ثم قالت بصوت ناعم ومتهدج: "أنا أحبك يا أدهم.. وأنت يعلم الله أنك أجمل شيء حدث لي في حياتي كلها. لكنني...
مع شروق شمس اليوم التالي، لم تضيع رندة دقيقة واحدة. كانت الأموال النقدية جاهزة، وطموحها يشتعل بقوة امرأة وُلدت من جديد. أجرت بضعة اتصالات، وقبل حلول الظهيرة، كانت ورشة العمل قد بدأت بالفعل. استأجرت رندة فريقاً من العمال المحترفين، ووقفت تراقبهم وهم يقتحمون كراجها الواسع والمهجور في الطابق الأرضي. في اليوم الأول، تعالت أصوات الهدم والتكسير؛ أزال العمال الباب الحديدي الصدئ، ووسعوا المدخل ليحتل جزء كبير من واجهة المنزل. وفي اليوم الثاني، تم تركيب واجهة زجاجية ضخمة ولامعة سمحت لأشعة الشمس باختراق المكان الذي طالما عشش فيه العناكب والظلام. تم تبليط أرضية المحل بالبورسلان الأبيض الناصع الذي يعكس الإضاءة كالمرايا، ودُهنت الجدران بألوان مبهجة ومريحة للعين، تجمع بين الأزرق السماوي والأخضر الفاتح. وفي اليوم الثالث، بدأت سيارات النقل تفرغ حمولتها وتصطف أمام الواجهة: أقفاص معدنية أنيقة، بيوت خشبية ملونة للقطط والكلاب، وأحواض زجاجية حديثة مزودة بإضاءات وأنظمة تهوية. وفي مساء ذلك اليوم، ارتفعت اليافطة المضيئة الكبيرة على واجهة المنزل، تحمل حروفاً بارزة وجذابة: "رندة للحيوانات الأليفة".
وقفت رندة أمام مرآة الحمام الباردة، تتأمل وجهها الذي بالكاد تتعرف عليه. كانت تمرر أطراف أصابعها المرتجفة على الكدمات التي غطت وجنتيها وحول عينيها، والتي بدأت تتحول من اللون البنفسجي القاتم إلى الأصفر الباهت. جسدها كان يحمل خريطة من الألم، لكن الألم الأكبر كان يمزق روحها وغرورها. نظرت إلى عينيها المكسورتين في المرآة، وترددت في أذنيها كلمات المحقق "أدهم" الصارمة كأنها تُدق بمطرقة في رأسها: "هذه هي نهاية هذا الطريق المظلم.. من يضمن لكِ النجاة في المرة القادمة؟ ابدئي حياة جديدة ونظيفة قبل أن تجدي نفسكِ جثة في مكب نفايات." أغمضت رندة عينيها بقوة وابتلعت غصة مريرة. لقد أدركت أخيراً كم كانت قريبة من الموت. أدركت أن عالم الجريمة والدعارة الذي ظنت أنها تسيطر عليه، يعج بوحوش حقيقية كفيلة بسحقها في ثوانٍ. لقد أرسل لها القدر رسالة إنذار أخيرة، وقررت ألا تتجاهلها. فتحت رندة خزانة الحمام الصغيرة، ومدت يدها لأسفل الرف لتسحب علبة معدنية مخفية. فتحتها، وكانت تحتوي على كل مخزونها من المخدرات؛ أكياس صغيرة من البودرة البيضاء، وشرائط من الحبوب المهلوسة التي كانت تهرب بها من واقعها وتغيب بها وعي عقله







