Masukكان هواء الفجر البارد يلفح وجهيهما، محملاً برطوبة الليل ورائحة الشوارع المنسية في هذا الحي البائس. بخطواتٍ مثقلة وأنفاسٍ متلاحقة، سحبت "نور" و"رندة" الأكياس البلاستيكية السوداء السميكة خارج باب المتجر الخلفي. كانت الأكياس ثقيلة، تفوح منها رائحة اللحم النيء والعظم، لكنها لم تكن تختلف في شيء عن تلك الأكياس التي اعتاد "منصور" إخراجها يومياً.
قذفتا الأكياس داخل الحاوية الحديدية الصدئة المقابلة للمحل. ارتمت الأكياس فوق طبقات من بقايا عظام حيوانات قديمة وأمعاء ذبائح سابقة. كان المشهد مقززاً لأي شخص طبيعي، لكن بالنسبة لعمال النظافة الذين سيأتون بعد قليل، لم يكن هذا سوى روتين يومي لمحل جزارة معتاد. لن يثير كيس عظام إضافي ريبة أحد، فقد كان منصور ذكياً في إخفاء قذارته بين النفايات، وها هي نور تستخدم حيلته ضده لتخفيه هو شخصياً. أغلقت نور باب المتجر المعدني خلفهما، وأسندت ظهرها إليه وهي تلهث. التقت عيناها بعيني رندة اللامعتين في الظلام، ولم تكونا بحاجة إلى كلمات. أومأت رندة برأسها نحو الأعلى، لتعودا أدراجهما بخطوات سريعة وصامتة إلى الشقة حيث بدأ كل شيء. كانت رائحة الموت لا تزال عالقة في غرفة النوم. السرير ملطخ بالدماء الداكنة، والهواء ثقيل. لم تعد نور ترتعد، بل تحركت بآلية كامرأة مسلوبة المشاعر. اتجهت نحو خزانة منصور القديمة، وسحبت لوحاً خشبياً في قاعها كانت تراقبه وهو يفتحه مراراً. هناك، استقر صندوقه الخشبي السري. كسرت رندة قفل الصندوق بضربة واحدة من أداة حديدية ثقيلة، ليلهثا معاً أمام محتواه. رزم من الأوراق النقدية القديمة والجديدة، مصاغ ذهبي كان منصور يتباهى بشرائه كاستثمار، وبعض الساعات الثمينة. "يا له من وغد بخيل..." همست رندة وعيناها تتسعان ببريق الجشع. "كان ينام على ثروة صغيرة بينما يترككِ بملابس ممزقة." سحبت نور حقيبة سفر جلدية كبيرة وبدأت في حشر الأموال والذهب بداخلها. بينما كانت رندة تساعدها في جمع بعض الملابس والأدوات الشخصية الضرورية، لفت انتباه نور درجٌ جانبي نصف مفتوح في طاولة المكتب الصغيرة. اقتربت منه وفتحته، لتجد رزمة أخرى من النقود، مربوطة بعناية بشريط مطاطي. نظرت نور إلى النقود، وظهرت على شفتيها ابتسامة باهتة، ساخرة، وخالية من أي دفء. التقطت الرزمة وقالت بصوتٍ جليدي: "هذا هو المبلغ الذي جهزه ليشتري به ذبيحة فجر الغد... كان يخطط لسلخ عجلٍ جديد." رمت النقود داخل حقيبتها ببرود وأردفت: "لكنه لن يحتاجه الآن. هو من أصبح الذبيحة، وأنا سآخذ هذا أيضاً." أغلقت الحقيبة بإحكام. "اذهبي أنتِ يا رندة،" قالت نور بصرامة مفاجئة، "اذهبي إلى بيتكِ، اجمعي أغراضكِ، أموالكِ، واستحمي لتزيلي عنكِ هذه الرائحة. سنلتقي هنا بعد نصف ساعة بالضبط. الفجر يقترب." أومأت رندة بصمت، وانسلت خارج الشقة كظلٍ خفيف، تاركةً نور وحدها مع صمت الجريمة. وقفت نور تحت دُش الحمام، فتحت صنبور المياه الساخنة حتى أقصاه. وقفت تحت القطرات اللاسعة بملابسها الداخلية الملطخة، تراقب الدماء وهي تذوب وتختلط بالماء، لتصنع دوامات حمراء صغيرة تنزلق نحو فتحة التصريف. فركت بشرتها البيضاء بعنف، استخدمت الصابون والليفة حتى كادت تسلخ جلدها، كأنها لا تحاول إزالة دم منصور فحسب، بل تحاول إزالة لمساته، إهاناته، وذل الأشهر الماضية. ومع آخر قطرة دم اختفت في البالوعة، شعرت وكأن روحها القديمة قد جُرفت معها. الفتاة البريئة، المسكينة، الضعيفة التي بكت وتوسلت شقيقها... ماتت هنا في هذا الحمام. ومن تحت هذا الماء الساخن، خرجت امرأة جديدة، بقلبٍ من جليد، لا تخشى شيئاً، ولا تثق بأحد. ارتدت نور ملابس عملية داكنة؛ بنطال جينز أسود وسترة جلدية تخفي معالم جسدها الفاتن، لمت شعرها الطويل تحت قبعة صوفية صغيرة، وحملت حقيبتها. عادت رندة في الوقت المحدد تماماً، كانت هي الأخرى ترتدي ملابس داكنة وتحمل حقيبة ظهر متوسطة. "حان الوقت." همست رندة. تسللتا من الباب الخلفي للمبنى مع أولى خيوط الفجر التي بدأت تشق كبد السماء ببطئ. وقفتا في زاوية الشارع المظلمة والمقابلة للمتجر، تراقبانه من بعيد. قلباهما يدقان كطبول حرب، والأنفاس محبوسة في الصدور. بعد دقائق بدت وكأنها دهر، سُمع أزيز محركٍ ضخم يقترب. ظهرت شاحنة البلدية الصفراء الكبيرة، وتوقف العمال بملابسهم الفسفورية أمام الحاوية. بوجوهٍ ناعسة وحركات آلية معتادة، شبكوا الحاوية في مؤخرة الشاحنة، وسحبوا الرافعة الآلية. انقلبت الأكياس السوداء الضخمة داخل جوف الشاحنة الحديدي. وبضغطة زر واحدة، تحرك المكبس الهيدروليكي الضخم. راقبت نور ورندة بأعينٍ متسعة المكبس وهو يسحق الأكياس، يطحن العظام، ويهرس ما تبقى من "منصور" بين أطنان القمامة، ليختفي أثره من الوجود إلى الأبد، دون أن يرف لأي من العمال جفن. أطلقت نور زفرة طويلة ومرتجفة. لقد نجحتا. الجريمة الكاملة. أوقفتا سيارة أجرة متهالكة في الشارع الرئيسي. "إلى محطة القطار المركزية،" أمرت رندة السائق بصوت حازم. جلست نور في المقعد الخلفي للسيارة، ثم لاحقاً على مقعد القطار المتجه نحو أطراف البلاد المجهولة. أسندت رأسها على زجاج النافذة البارد، تراقب المباني الرمادية وشوارع المدينة الكئيبة وهي تنسحب خلفها بسرعة. لم تكن تعرف إلى أين تتجه، ولم تكن تملك خطة للمستقبل. كل ما كانت تملكه الآن هو حقيبة مليئة بمالٍ ملطخ بالدماء، وصديقة تشاركها سرّاً يقود إلى حبل المشنقة، وروحاً مشوهة تعلمت للتو أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع بالقوة. أغمضت نور عينيها، وعلى شفتيها ارتسمت تلك الابتسامة الباردة مجدداً. كانت رحلة هروب، نعم، لكنها كانت أيضاً رحلة صعود نحو الهاوية.في اليوم التالي، جلس أدهم ونور في مكتب المحامي كمال، يحيط بهما جو من التوتر الثقيل. وبعد دقائق من الانتظار، دخل عاصم يتخطر في مشيته، وعلي وجهه ابتسامة الشماتة نفسها، ويرتدي ثوبه خيلاء كمن يملك مقاليد الأمور كلها. جلس عاصم على الكرسي الجلدي الفاخر مقابلهم، وضع ساقاً فوق أخرى، وأخرج سيجارة رخيصة ليُشعلها، رافضاً مراعاة هيبة المكان. بدأ كمال الحديث بنبرة رسمية هادئة: "سيد عاصم، نحن هنا لنسمع ما لديك بعيداً عن أروقة المحاكم. ما الذي تريده بالضبط لتنهي هذه المهزلة؟" نفث عاصم دخان سيجارته في الهواء، ونظر إلى نور بتهكم ثم اتجه ببصره نحو أدهم قائلاً بوقاحة: "الأمر بسيط جداً ولا يحتاج لكل هذا التعقيد.. أنا رجل لدي ديون والتزامات، وشهادتي في المحكمة كانت نتيجة غضبي من هروب أختي. لكن يمكنني ببساطة أن أذهب في الجلسة القادمة، وأتراجع عن كل ما قلته، وأصرح للقاضي بأنني كنت في حالة غضب وشك غير بريء، وأغير شهادتي لصالح نور.. بشرط واحد." سأله أدهم بضغط شديد على أسنانه وهو يضبط أعصابه: "وما هو هذا الشرط؟" ابتسم عاصم ابتسامة قبيحة وقال: "أن تدفع لي حسابي كاملاً! أريد عشرين ألف دولار كاش..
تحرك أمين سر الجلسة برفق نحو القاضي، ورفع حاجب المحكمة يده مستأذناً وهو يقول بصوت عالٍ هز أرجاء القاعة: "سيدي القاضي.. هناك شاهد متواجد بالقاعة من طرف المدعى عليه، يطلب الإدلاء بشهادة جوهرية رسمية في الدعوى!" تعجب القاضي ورفع نظارته، بينما اتسعت عينا نور بصدمة قاتلة. خرج عاصم من بين مقاعد الحضور الخلفية بخطوات ثابثة، وتقدم نحو منصة الشهادة! ضربت نور جبينها بكفها برعب وذهول، وانقبض قلبها وهي تهمس لنفسها بإنهاك: «عاصم؟! ماذا يفعل هذا المختل هنا؟! ماذا سيقول أمام القاضي؟!» وقف عاصم أمام القاضي، وضع يده على المصحف وأدى اليمين، ثم بدأ يتحدث بنبرة ممسرحة تمزج بين الخبث والادعاء بالبراءة والتأثر: "سيدي القاضي.. أنا عاصم، الشقيق الأكبر والولي الوحيد للمدعية نور. وقد جئت اليوم حماية للحق وإبراءً للذمة أمام الله والقانون. إن كل ما جاء في صحيفة هذه الدعوى من ادعاءات بالضرب والتعنيف والبخل والعجز الجنسي ضد الزوج منصور عبد الخالق.. هو كذب وتدليس باطل لا أساس له من الصحة!" شهقت نور بصوت مكتوم، بينما اعتدل أدهم والمحامي كمال في مقاعدهما بذهول وتركيز شديدين. أكمل عاصم وهو يمثل ال
لم يكن عاصم يبحث عن أخته نور بدافع الخوف عليها أو الرغبة في الاطمئنان على حالها، بل كان الطمع والدناءة والغرق في الديون هما ما يحركان قدميه الملوثتين. منذ أن اختفت نور واختفى معها الجزار منصور، انقطع ذلك المورد المالي الشهري الذي كان يتقاضاه من منصور مقابل بيع شقيقته وإجبارها على الزواج. كان عاصم يعتاش على ذلك المبلغ، وبانقطاعه عاد غارقاً في الديون، ملاحقاً من أصحاب صالات القمار، يقتات على الخمر الرخيص والسجائر الرديئة. لذا، بمجرد أن وقعت عيناه على إعلان المحكمة في الصحيفة، لم يتردد لحظة واحدة. عرف أن نور أصبحت على بعد خطوات منه، وأنها صيده الثمين الذي يعيد له تدفق الأموال. في صباح يوم الجلسة، وصل عاصم إلى مقر محكمة الأسرة مبكراً جداً. وقف عند البوابة الخارجية للمبنى الضخم، يتأبط شراً، وعيناه الزجاجيتان الجائعتان تمسحان الوجوه المقتربة بعين بومة ترصد فريستها. بعد ساعة من الانتظار، رأى نور تقترب نحو البوابة الخارجية للمحكمة. كانت تتوقف في الممر الخارجي تنتظر أدهم الذي استأذن منها لثوانٍ ليشتري لها كوباً من القهوة الساخنة من كشك مجاور لتهدئة توترها قبل الجلسة. تسلل عاصم من
في غرفة رندة المحطمة، وبعد أن أدلت بأقوالها وهي ترتجف، وقف أدهم يطالعها بنظرة مزجت بين الحزم والشفقة. التفت إلى نور وأشار لها بعينيه أن تبتعد قليلاً، ثم وجه حديثه الصارم لرندة قائلاً: "هذه هي نهاية هذا الطريق المظلم يا رندة. لقد أرسلني الله لكِ هذه المرة لتنجي من موت محقق، لكن من يضمن لكِ النجاة في المرة القادمة؟ لقد كدتِ تأخذين نور معكِ إلى هذه الهاوية لولا ستر الله. أنصحكِ لوجه الله، اتركي هذا الطريق، وابحثي عن عمل شريف، ابدئي حياة جديدة ونظيفة قبل أن يفوت الأوان وتجدي نفسكِ جثة في مكب نفايات." صمت أدهم لثانية ليترك كلماته تستقر في عقلها، ثم أكمل بنبرة المحقق الرسمي: "لقد أبلغت مركز الشرطة للتو بشأن هذا المجرم، وأنا الآن مكلف رسمياً باعتقاله وإحضاره. لكن.. بناءً على اعترافاته الأولية هنا، وبناءً على أقوالكِ التي أدليتِ بها للتو، ورغم أنني كنت أعرف طبيعة عملكِ مسبقاً بشكل شخصي، إلا أنني الآن حصلت على هذه المعلومة بشكل رسمي كمحقق شرطة. ووفقاً للقانون، يُفترض بي الآن أن أعتقلكِ أنتِ أيضاً بتهمة ممارسة الدعارة والاتجار بالجنس." اتسعت عينا رندة برعب، وانهمرت دموعها بغزارة. أك
نعود بالزمن إلى الوراء لعدة ساعات؛ تحديداً في اللحظة التي غادرت فيها نور شقة أدهم متجهة للاطمئنان على صديقتها. رغم أن أدهم سمح لها بالذهاب وحدها بعد رفضها لمرافقته، إلا أن قلبه لم يهدأ. بمجرد أن أُغلق الباب خلفها، بدأ عقله كمحقق جنايات محنك يحلل الموقف. استحضر آلاف الجرائم التي حقق بها، وتذكر ملفات الفتيات المختفيات، والسيناريوهات المرعبة التي تبدأ بغياب مفاجئ وانقطاع عن الاتصال. كان حدسه يصرخ بأن اختفاء رندة ليس طبيعياً. لم يستطع الجلوس مكتوف الأيدي؛ أخذ مفاتيحه وسلاحه الميري، وركب سيارته منطلقاً بأقصى سرعة نحو عنوان شقة رندة الذي يعرفه مسبقاً. بعد أن وصل وصعد الدرج، وقف أمام الباب الخارجي وهمّ بالطرق عليه، لكنه تسمر في مكانه عندما سمع صوت نور من الداخل تصرخ بغضب وتشتم: "يا ابن الـ... سأقتلك! فك قيودي أيها الجبان!" ثم فجأة.. انقطع الصوت تماماً وكأن أحداً قد كتم أنفاسها! فهم أدهم الموقف في جزء من الثانية؛ هناك شخص غريب في الداخل، يحتجز نور كرهينة، وقد قام بإسكاتها بالقوة. سحب أدهم مسدسه فوراً، وتلاشت شخصية العاشق القلق لتسيطر شخصية ضابط المهام الصعبة. تذكر آلاف التدريبات والم
بعد مدة لا تعرف مقدارها، بدأت نور تستعيد وعيها ببطء. كان رأسها ينبض بألم رهيب وكأنه سينفجر. فتحت عينيها بصعوبة، وكانت الرؤية مشوشة. حاولت تحريك يدها لتضعها على رأسها الذي يؤلمها بشدة، لكنها اكتشفت أن ذراعيها مشدودتان بقسوة إلى الخلف. رمشت عدة مرات حتى اتضحت الرؤية، وتلفتت حولها تتساءل: أين أنا؟! لتدرك الكارثة؛ كانت تجلس على كرسي خشبي بجانب سرير رندة، ويداها مقيدتان خلف ظهر الكرسي، وقدماها مربوطتان بقوة في قائمتيه! نظرت حولها برعب، فرأت ذلك الحقير يقف أمامها. كان يسند كتفه براحة تامة على إطار باب الغرفة، يضع يديه في جيوب بنطاله، وينظر إليها بنظرات تقطر شهوة وقذارة. عندما رآها تفتح عينيها، ابتسم وقال بصوت مستفز: "أخيراً استيقظتِ! لقد كنتُ أنتظركِ.. حان وقت اللعب إذن." اشتعل الغضب في عروق نور، وتذكرت أنها لم تعد تلك الضحية الضعيفة. بدأت تصرخ بأعلى صوتها وتشتمه بكلمات قاسية: "يا ابن الـ... سأقتلك! فك قيودي أيها الجبان! إن لم تتركني سأجعلك تتمنى الموت!" تلاشت ابتسامة الرجل، وتحرك بسرعة البرق نحوها. وقبل أن تكمل صراخها، أخرج لفة الشريط اللاصق الفضي، وصفع قطعة كبيرة منه على فم







