LOGINصرير العجلات المعدنية الضخم وهو يحتك بقضبان سكة الحديد كان بمثابة إعلان النهاية لرحلة طويلة ومجهدة. توقف القطار أخيراً، لتنزل "نور" و"رندة" إلى رصيف المحطة في تلك المدينة البعيدة والمجهولة. كانت محطة القطار وحدها تبدو كمدينة قائمة بذاتها؛ حشود من البشر تتقاطع خطواتهم في عجلة، أضواء نيون مبهرة، وأصوات إعلانات ومكبرات صوت تملأ الفضاء الممتد.
وقفت "نور" للحظات وسط هذا الزحام، أغمضت عينيها العسليتين وسحبت نفساً عميقاً، عميقاً جداً حتى امتلأت رئتاها. لأول مرة منذ أن ولدت، لم تكن تشم رائحة الخمر الرخيص والتبغ المتعفن التي كانت تفوح من شقيقها "عاصم"، ولأول مرة غابت رائحة اللحم النيء والدماء المتخثرة التي كانت تلتصق بأنفاس "منصور". كان الهواء هنا يحمل رائحة عوادم السيارات والقهوة المحمصة، ورغم قسوته، إلا أنه كان بالنسبة لها هواء الحرية المطلقة. بعد ساعات من السير والبحث المضني في شوارع المدينة الواسعة، تمكنت الفتاتان من العثور على مأوى؛ شقة صغيرة ومفروشة بأثاث متواضع في أحد الأحياء الجانبية، استأجرتاها ودفعتا مقدماً لشهرين لترتاحا من عناء الرحلة الطويلة. بمجرد أن أغلق باب الشقة عليهما، رمت "نور" حقيبتها الثقيلة على الأرض، وارتمت على السرير القديم. نظرت إلى السقف وبدأت في الضحك. ضحكة صافية، هستيرية، سرعان ما شاركتها فيها "رندة". لقد فعلتاها. لقد هربتا من الجحيم. في الأيام القليلة التي تلت وصولهما، عاشت الفتاتان حالة من نشوة الانتقام والتنفس بحرية. كانت أموال الجزار ومدخراته الذهبية التي سرقتاها تقبع في قاع حقيبة "نور"، وبدلاً من التعامل مع تلك الثروة بحذر، بدأتا بصرفها باندفاع وعشوائية غريبة. كان ذلك الصرف بمثابة تعويض نفسي عن سنوات الفقر، والحرمان، والقهر المذل. تخلصت "نور" من كل ملابسها القديمة والمهترئة، واشترت مع "رندة" ملابس جديدة، أنيقة، وأقمشة ناعمة لم تعتد بشرتها على ملامستها. كانتا تأكلان في المطاعم يومياً، تتذوقان أطعمة لم تكونا تحلمان برؤيتها في حيهما القديم البائس. في كل مرة كانت "نور" تدفع فيها الحساب من رزم أموال "منصور"، كانت تشعر بانتصار خفي. كانت تشتري حريتها وكرامتها بأموال الرجل الذي سلبها إياهما. كانت المدينة تبدو لهما في تلك الأسابيع الأولى كجنة من الأضواء الساطعة والواجهات الزجاجية البراقة. لكن، كما هو حال كل الأوهام، لم يدم هذا السراب طويلاً. المدينة الكبيرة التي استقبلتهما بأضواء النيون، بدأت تكشف عن أنيابها تدريجياً، وسرعان ما اصطدمت الفتاتان بغلاء المعيشة. لم تكن هذه المدينة ترحم الضعفاء أو الجاهلين بقوانينها. استوعبت الفتاتان أن أسعار الطعام، والملابس، وفواتير التدفئة، والاحتياجات الأساسية اليومية، كانت تستنزف أموالهما بسرعة مرعبة. الذهب الذي تم بيعه لتحويله إلى سيولة نقدية تبخر جزء كبير منه في غضون أسابيع قليلة. لم تكونا تمتلكان أي خبرة في إدارة الأموال، فقد انتقلتا من فقر مدقع، إلى ثروة مفاجئة، ثم إلى استهلاك عشوائي أعمى. بدأ القلق يتسرب إلى ملامح "رندة" الحادة أولاً، ثم انتقلت عدواه إلى "نور". أصبحت الوجبات في المطاعم الفاخرة تتقلص إلى شطائر رخيصة من الأكشاك الجانبية. وتقلصت ساعات التجول في الأسواق التجارية المضيئة إلى البقاء في الشقة المتواضعة هرباً من إغراء الشراء وتوفيراً للمال. وفي ليلة باردة، كان صوت المطر يضرب زجاج نافذة غرفتهما الوحيدة بقسوة، جلست "نور" و"رندة" معاً على الأرضية الخشبية المتهالكة. لم يكن هناك مجال لتأجيل المواجهة مع الواقع. أفرغت "نور" ما تبقى في الحقيبة من أوراق نقدية على السرير. كانت اللحظة صامتة، وثقيلة، ومخيفة. بدأتا في عدّ ما تبقى من نقود الجزار. ورقة تلو الأخرى. مئة تلو مئة. وكلما نقصت الكومة أمامهما، زادت سرعة خفقان قلب "نور". عندما انتهيتا من العدّ، ساد صمت مميت في الغرفة، لم يقطعه سوى صوت قطرات المطر بالخارج. تبادلت الفتاتان نظرات مرعوبة. كان الإدراك صادماً: الأموال توشك على النفاد تماماً. ما تبقى بين أيديهما بالكاد يكفي لدفع إيجار الشهر القادم وشراء طعام يبقيهما على قيد الحياة لبضعة أسابيع إضافية. "لقد كنا غبيتين..." همست "رندة" بصوت جاف، وهي تمرر أصابعها المرتجفة بين خصلات شعرها. "المدينة تبتلعنا يا نور." نظرت "نور" إلى الأوراق النقدية القليلة المتبقية، وتذكرت جثة "منصور"، وتذكرت سكين الجزارة. لقد تلوثت يداها بالدماء، وقطعت جثة بشرية، وتغربت في هذه المدينة القاسية، كل هذا لكي لا تعود إلى نقطة الصفر. لم تكن مستعدة للعودة إلى الفقر والجوع الذي سيجعلها فريسة سهلة لرجال يشبهون شقيقها أو زوجها. جمعت "نور" الأموال المتبقية بيديها، وقبضت عليها بقوة، ثم رفعت رأسها نحو "رندة"، وقد عادت تلك اللمعة المظلمة والباردة لتسكن عينيها العسليتين. "لن نموت من الجوع هنا يا رندة،" قالت "نور" بنبرة قاطعة ومقلقة، متخذة قراراً حاسماً لا رجعة فيه. "في صباح الغد الباكر، ستبدأ رحلة البحث عن عمل. سنجد أي شيء... أي شيء يمنعنا من الإفلاس قبل أن تبتلعنا شوارع هذه المدينة الغريبة."في اليوم التالي، جلس أدهم ونور في مكتب المحامي كمال، يحيط بهما جو من التوتر الثقيل. وبعد دقائق من الانتظار، دخل عاصم يتخطر في مشيته، وعلي وجهه ابتسامة الشماتة نفسها، ويرتدي ثوبه خيلاء كمن يملك مقاليد الأمور كلها. جلس عاصم على الكرسي الجلدي الفاخر مقابلهم، وضع ساقاً فوق أخرى، وأخرج سيجارة رخيصة ليُشعلها، رافضاً مراعاة هيبة المكان. بدأ كمال الحديث بنبرة رسمية هادئة: "سيد عاصم، نحن هنا لنسمع ما لديك بعيداً عن أروقة المحاكم. ما الذي تريده بالضبط لتنهي هذه المهزلة؟" نفث عاصم دخان سيجارته في الهواء، ونظر إلى نور بتهكم ثم اتجه ببصره نحو أدهم قائلاً بوقاحة: "الأمر بسيط جداً ولا يحتاج لكل هذا التعقيد.. أنا رجل لدي ديون والتزامات، وشهادتي في المحكمة كانت نتيجة غضبي من هروب أختي. لكن يمكنني ببساطة أن أذهب في الجلسة القادمة، وأتراجع عن كل ما قلته، وأصرح للقاضي بأنني كنت في حالة غضب وشك غير بريء، وأغير شهادتي لصالح نور.. بشرط واحد." سأله أدهم بضغط شديد على أسنانه وهو يضبط أعصابه: "وما هو هذا الشرط؟" ابتسم عاصم ابتسامة قبيحة وقال: "أن تدفع لي حسابي كاملاً! أريد عشرين ألف دولار كاش..
تحرك أمين سر الجلسة برفق نحو القاضي، ورفع حاجب المحكمة يده مستأذناً وهو يقول بصوت عالٍ هز أرجاء القاعة: "سيدي القاضي.. هناك شاهد متواجد بالقاعة من طرف المدعى عليه، يطلب الإدلاء بشهادة جوهرية رسمية في الدعوى!" تعجب القاضي ورفع نظارته، بينما اتسعت عينا نور بصدمة قاتلة. خرج عاصم من بين مقاعد الحضور الخلفية بخطوات ثابثة، وتقدم نحو منصة الشهادة! ضربت نور جبينها بكفها برعب وذهول، وانقبض قلبها وهي تهمس لنفسها بإنهاك: «عاصم؟! ماذا يفعل هذا المختل هنا؟! ماذا سيقول أمام القاضي؟!» وقف عاصم أمام القاضي، وضع يده على المصحف وأدى اليمين، ثم بدأ يتحدث بنبرة ممسرحة تمزج بين الخبث والادعاء بالبراءة والتأثر: "سيدي القاضي.. أنا عاصم، الشقيق الأكبر والولي الوحيد للمدعية نور. وقد جئت اليوم حماية للحق وإبراءً للذمة أمام الله والقانون. إن كل ما جاء في صحيفة هذه الدعوى من ادعاءات بالضرب والتعنيف والبخل والعجز الجنسي ضد الزوج منصور عبد الخالق.. هو كذب وتدليس باطل لا أساس له من الصحة!" شهقت نور بصوت مكتوم، بينما اعتدل أدهم والمحامي كمال في مقاعدهما بذهول وتركيز شديدين. أكمل عاصم وهو يمثل ال
لم يكن عاصم يبحث عن أخته نور بدافع الخوف عليها أو الرغبة في الاطمئنان على حالها، بل كان الطمع والدناءة والغرق في الديون هما ما يحركان قدميه الملوثتين. منذ أن اختفت نور واختفى معها الجزار منصور، انقطع ذلك المورد المالي الشهري الذي كان يتقاضاه من منصور مقابل بيع شقيقته وإجبارها على الزواج. كان عاصم يعتاش على ذلك المبلغ، وبانقطاعه عاد غارقاً في الديون، ملاحقاً من أصحاب صالات القمار، يقتات على الخمر الرخيص والسجائر الرديئة. لذا، بمجرد أن وقعت عيناه على إعلان المحكمة في الصحيفة، لم يتردد لحظة واحدة. عرف أن نور أصبحت على بعد خطوات منه، وأنها صيده الثمين الذي يعيد له تدفق الأموال. في صباح يوم الجلسة، وصل عاصم إلى مقر محكمة الأسرة مبكراً جداً. وقف عند البوابة الخارجية للمبنى الضخم، يتأبط شراً، وعيناه الزجاجيتان الجائعتان تمسحان الوجوه المقتربة بعين بومة ترصد فريستها. بعد ساعة من الانتظار، رأى نور تقترب نحو البوابة الخارجية للمحكمة. كانت تتوقف في الممر الخارجي تنتظر أدهم الذي استأذن منها لثوانٍ ليشتري لها كوباً من القهوة الساخنة من كشك مجاور لتهدئة توترها قبل الجلسة. تسلل عاصم من
في غرفة رندة المحطمة، وبعد أن أدلت بأقوالها وهي ترتجف، وقف أدهم يطالعها بنظرة مزجت بين الحزم والشفقة. التفت إلى نور وأشار لها بعينيه أن تبتعد قليلاً، ثم وجه حديثه الصارم لرندة قائلاً: "هذه هي نهاية هذا الطريق المظلم يا رندة. لقد أرسلني الله لكِ هذه المرة لتنجي من موت محقق، لكن من يضمن لكِ النجاة في المرة القادمة؟ لقد كدتِ تأخذين نور معكِ إلى هذه الهاوية لولا ستر الله. أنصحكِ لوجه الله، اتركي هذا الطريق، وابحثي عن عمل شريف، ابدئي حياة جديدة ونظيفة قبل أن يفوت الأوان وتجدي نفسكِ جثة في مكب نفايات." صمت أدهم لثانية ليترك كلماته تستقر في عقلها، ثم أكمل بنبرة المحقق الرسمي: "لقد أبلغت مركز الشرطة للتو بشأن هذا المجرم، وأنا الآن مكلف رسمياً باعتقاله وإحضاره. لكن.. بناءً على اعترافاته الأولية هنا، وبناءً على أقوالكِ التي أدليتِ بها للتو، ورغم أنني كنت أعرف طبيعة عملكِ مسبقاً بشكل شخصي، إلا أنني الآن حصلت على هذه المعلومة بشكل رسمي كمحقق شرطة. ووفقاً للقانون، يُفترض بي الآن أن أعتقلكِ أنتِ أيضاً بتهمة ممارسة الدعارة والاتجار بالجنس." اتسعت عينا رندة برعب، وانهمرت دموعها بغزارة. أك
نعود بالزمن إلى الوراء لعدة ساعات؛ تحديداً في اللحظة التي غادرت فيها نور شقة أدهم متجهة للاطمئنان على صديقتها. رغم أن أدهم سمح لها بالذهاب وحدها بعد رفضها لمرافقته، إلا أن قلبه لم يهدأ. بمجرد أن أُغلق الباب خلفها، بدأ عقله كمحقق جنايات محنك يحلل الموقف. استحضر آلاف الجرائم التي حقق بها، وتذكر ملفات الفتيات المختفيات، والسيناريوهات المرعبة التي تبدأ بغياب مفاجئ وانقطاع عن الاتصال. كان حدسه يصرخ بأن اختفاء رندة ليس طبيعياً. لم يستطع الجلوس مكتوف الأيدي؛ أخذ مفاتيحه وسلاحه الميري، وركب سيارته منطلقاً بأقصى سرعة نحو عنوان شقة رندة الذي يعرفه مسبقاً. بعد أن وصل وصعد الدرج، وقف أمام الباب الخارجي وهمّ بالطرق عليه، لكنه تسمر في مكانه عندما سمع صوت نور من الداخل تصرخ بغضب وتشتم: "يا ابن الـ... سأقتلك! فك قيودي أيها الجبان!" ثم فجأة.. انقطع الصوت تماماً وكأن أحداً قد كتم أنفاسها! فهم أدهم الموقف في جزء من الثانية؛ هناك شخص غريب في الداخل، يحتجز نور كرهينة، وقد قام بإسكاتها بالقوة. سحب أدهم مسدسه فوراً، وتلاشت شخصية العاشق القلق لتسيطر شخصية ضابط المهام الصعبة. تذكر آلاف التدريبات والم
بعد مدة لا تعرف مقدارها، بدأت نور تستعيد وعيها ببطء. كان رأسها ينبض بألم رهيب وكأنه سينفجر. فتحت عينيها بصعوبة، وكانت الرؤية مشوشة. حاولت تحريك يدها لتضعها على رأسها الذي يؤلمها بشدة، لكنها اكتشفت أن ذراعيها مشدودتان بقسوة إلى الخلف. رمشت عدة مرات حتى اتضحت الرؤية، وتلفتت حولها تتساءل: أين أنا؟! لتدرك الكارثة؛ كانت تجلس على كرسي خشبي بجانب سرير رندة، ويداها مقيدتان خلف ظهر الكرسي، وقدماها مربوطتان بقوة في قائمتيه! نظرت حولها برعب، فرأت ذلك الحقير يقف أمامها. كان يسند كتفه براحة تامة على إطار باب الغرفة، يضع يديه في جيوب بنطاله، وينظر إليها بنظرات تقطر شهوة وقذارة. عندما رآها تفتح عينيها، ابتسم وقال بصوت مستفز: "أخيراً استيقظتِ! لقد كنتُ أنتظركِ.. حان وقت اللعب إذن." اشتعل الغضب في عروق نور، وتذكرت أنها لم تعد تلك الضحية الضعيفة. بدأت تصرخ بأعلى صوتها وتشتمه بكلمات قاسية: "يا ابن الـ... سأقتلك! فك قيودي أيها الجبان! إن لم تتركني سأجعلك تتمنى الموت!" تلاشت ابتسامة الرجل، وتحرك بسرعة البرق نحوها. وقبل أن تكمل صراخها، أخرج لفة الشريط اللاصق الفضي، وصفع قطعة كبيرة منه على فم







