Share

الفصل 4

Author: ريو - Rio
last update Petsa ng paglalathala: 2026-07-06 16:20:03

صرير العجلات المعدنية الضخم وهو يحتك بقضبان سكة الحديد كان بمثابة إعلان النهاية لرحلة طويلة ومجهدة. توقف القطار أخيراً، لتنزل "نور" و"رندة" إلى رصيف المحطة في تلك المدينة البعيدة والمجهولة. كانت محطة القطار وحدها تبدو كمدينة قائمة بذاتها؛ حشود من البشر تتقاطع خطواتهم في عجلة، أضواء نيون مبهرة، وأصوات إعلانات ومكبرات صوت تملأ الفضاء الممتد.

​وقفت "نور" للحظات وسط هذا الزحام، أغمضت عينيها العسليتين وسحبت نفساً عميقاً، عميقاً جداً حتى امتلأت رئتاها. لأول مرة منذ أن ولدت، لم تكن تشم رائحة الخمر الرخيص والتبغ المتعفن التي كانت تفوح من شقيقها "عاصم"، ولأول مرة غابت رائحة اللحم النيء والدماء المتخثرة التي كانت تلتصق بأنفاس "منصور". كان الهواء هنا يحمل رائحة عوادم السيارات والقهوة المحمصة، ورغم قسوته، إلا أنه كان بالنسبة لها هواء الحرية المطلقة.

​بعد ساعات من السير والبحث المضني في شوارع المدينة الواسعة، تمكنت الفتاتان من العثور على مأوى؛ شقة صغيرة ومفروشة بأثاث متواضع في أحد الأحياء الجانبية، استأجرتاها ودفعتا مقدماً لشهرين لترتاحا من عناء الرحلة الطويلة. بمجرد أن أغلق باب الشقة عليهما، رمت "نور" حقيبتها الثقيلة على الأرض، وارتمت على السرير القديم. نظرت إلى السقف وبدأت في الضحك. ضحكة صافية، هستيرية، سرعان ما شاركتها فيها "رندة". لقد فعلتاها. لقد هربتا من الجحيم.

​في الأيام القليلة التي تلت وصولهما، عاشت الفتاتان حالة من نشوة الانتقام والتنفس بحرية. كانت أموال الجزار ومدخراته الذهبية التي سرقتاها تقبع في قاع حقيبة "نور"، وبدلاً من التعامل مع تلك الثروة بحذر، بدأتا بصرفها باندفاع وعشوائية غريبة. كان ذلك الصرف بمثابة تعويض نفسي عن سنوات الفقر، والحرمان، والقهر المذل.

​تخلصت "نور" من كل ملابسها القديمة والمهترئة، واشترت مع "رندة" ملابس جديدة، أنيقة، وأقمشة ناعمة لم تعتد بشرتها على ملامستها. كانتا تأكلان في المطاعم يومياً، تتذوقان أطعمة لم تكونا تحلمان برؤيتها في حيهما القديم البائس. في كل مرة كانت "نور" تدفع فيها الحساب من رزم أموال "منصور"، كانت تشعر بانتصار خفي. كانت تشتري حريتها وكرامتها بأموال الرجل الذي سلبها إياهما. كانت المدينة تبدو لهما في تلك الأسابيع الأولى كجنة من الأضواء الساطعة والواجهات الزجاجية البراقة.

​لكن، كما هو حال كل الأوهام، لم يدم هذا السراب طويلاً.

​المدينة الكبيرة التي استقبلتهما بأضواء النيون، بدأت تكشف عن أنيابها تدريجياً، وسرعان ما اصطدمت الفتاتان بغلاء المعيشة. لم تكن هذه المدينة ترحم الضعفاء أو الجاهلين بقوانينها. استوعبت الفتاتان أن أسعار الطعام، والملابس، وفواتير التدفئة، والاحتياجات الأساسية اليومية، كانت تستنزف أموالهما بسرعة مرعبة. الذهب الذي تم بيعه لتحويله إلى سيولة نقدية تبخر جزء كبير منه في غضون أسابيع قليلة. لم تكونا تمتلكان أي خبرة في إدارة الأموال، فقد انتقلتا من فقر مدقع، إلى ثروة مفاجئة، ثم إلى استهلاك عشوائي أعمى.

​بدأ القلق يتسرب إلى ملامح "رندة" الحادة أولاً، ثم انتقلت عدواه إلى "نور". أصبحت الوجبات في المطاعم الفاخرة تتقلص إلى شطائر رخيصة من الأكشاك الجانبية. وتقلصت ساعات التجول في الأسواق التجارية المضيئة إلى البقاء في الشقة المتواضعة هرباً من إغراء الشراء وتوفيراً للمال.

​وفي ليلة باردة، كان صوت المطر يضرب زجاج نافذة غرفتهما الوحيدة بقسوة، جلست "نور" و"رندة" معاً على الأرضية الخشبية المتهالكة. لم يكن هناك مجال لتأجيل المواجهة مع الواقع. أفرغت "نور" ما تبقى في الحقيبة من أوراق نقدية على السرير.

​كانت اللحظة صامتة، وثقيلة، ومخيفة. بدأتا في عدّ ما تبقى من نقود الجزار. ورقة تلو الأخرى. مئة تلو مئة. وكلما نقصت الكومة أمامهما، زادت سرعة خفقان قلب "نور". عندما انتهيتا من العدّ، ساد صمت مميت في الغرفة، لم يقطعه سوى صوت قطرات المطر بالخارج.

​تبادلت الفتاتان نظرات مرعوبة. كان الإدراك صادماً: الأموال توشك على النفاد تماماً. ما تبقى بين أيديهما بالكاد يكفي لدفع إيجار الشهر القادم وشراء طعام يبقيهما على قيد الحياة لبضعة أسابيع إضافية.

​"لقد كنا غبيتين..." همست "رندة" بصوت جاف، وهي تمرر أصابعها المرتجفة بين خصلات شعرها. "المدينة تبتلعنا يا نور."

​نظرت "نور" إلى الأوراق النقدية القليلة المتبقية، وتذكرت جثة "منصور"، وتذكرت سكين الجزارة. لقد تلوثت يداها بالدماء، وقطعت جثة بشرية، وتغربت في هذه المدينة القاسية، كل هذا لكي لا تعود إلى نقطة الصفر. لم تكن مستعدة للعودة إلى الفقر والجوع الذي سيجعلها فريسة سهلة لرجال يشبهون شقيقها أو زوجها.

​جمعت "نور" الأموال المتبقية بيديها، وقبضت عليها بقوة، ثم رفعت رأسها نحو "رندة"، وقد عادت تلك اللمعة المظلمة والباردة لتسكن عينيها العسليتين.

​"لن نموت من الجوع هنا يا رندة،" قالت "نور" بنبرة قاطعة ومقلقة، متخذة قراراً حاسماً لا رجعة فيه. "في صباح الغد الباكر، ستبدأ رحلة البحث عن عمل. سنجد أي شيء... أي شيء يمنعنا من الإفلاس قبل أن تبتلعنا شوارع هذه المدينة الغريبة."

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • الأرملة السوداء   النهاية

    إلى قرائي الأعزاء، رفاق هذه الرحلة المظلمة.. ​أعلم أن هذه النهاية الصادمة تركت في قلوبكم غصة، وربما كان الكثير منكم يبحث عن نهاية سعيدة تريح "أدهم" و"نور" وتُتوّج حبهما. ​لكن دعونا نتحدث بصراحة؛ الحياة لا تضمن لنا النهايات السعيدة دائماً. الواقع ليس ناصع البياض، بل هو مزيج معقد من الأبيض والأسود، الخير والشر، الفرح والحزن، الخطيئة والتوبة. ​لو نجيا معاً وتجاهلنا كل تلك الدماء، لكانت قصة مستهلكة تُنسى بمجرد إغلاق الشاشة. أدهم كان يجب أن يدفع ثمن تضحيته، ونور كان يجب أن تدفع ثمن ماضيها المظلم رغم صدق توبتها. هذه هي عدالة الكون التي تجعل القصة واقعية، لتظل محفورة في ذاكرتكم للأبد. أتمنى أن تسامحوني على تحطيم قلوبكم! ​والآن، دعونا نطوي "الملف الأزرق"، وندخل في مغامرة جديدة! أدعوكم جميعاً للذهاب فوراً لقراءة الفصل الثاني من روايتكم "خطيئة بريئة" الذي بدأنا بنشره حديثاً، لنستكمل معاً رحلة جديدة من التشويق. ​وليس هذا فحسب.. أعدكم بـ رواية جديدة كلياً تُطبخ الآن على نار هادئة، قادمة قريباً جداً لتتلاعب بعقولكم ومشاعركم بطرق لم تتخيلوها.. فاستعدوا! ​شكراً لكل تعليق، لكل توقع، ولكل

  • الأرملة السوداء   الفصل 105

    اخترقت أضواء سيارات الشرطة الحمراء والزرقاء خشب الكوخ المتهالك، فحولته من ملاذ دافئ إلى مصيدة موت محكمة. في الخارج، كانت قوات الشرطة الخاصة تطوق المكان بالكامل، والأسلحة الآلية مصوبة نحو الباب والنافذة، بينما تردد صدى مكبر الصوت مجدداً يمزق سكون الغابة: "المقدم أدهم.. لا تحاول المقاومة! المكان محاصر بالكامل، سلم نفسك وسلم المتهمة ولن يتعرض أحد للأذى!" ​داخل الكوخ، كان أدهم يقف كالجبل الشامخ، مسدسه في يده اليمنى، وعيناه تلتمعان ببريق وحش ثائر وقرر أن يقاتل حتى آخر قطرة من دمه. ​نظرت نور إليه بانهيار، واقتربت منه تمسك بذراعه وهي تبكي بهستيريا: "أدهم، أرجوك! ضع السلاح! سأسلم نفسي، لا تقتلهم ولا تدعهم يقتلونك.. لقد انتهى كل شيء!" ​التفت أدهم نحوها، ولم تكن ملامحه تحمل أي ذرة من الاستسلام. أمسكها من كتفيها بقوة، ودفعها نحو الباب الخلفي الصغير للكوخ والذي يطل مباشرة على عمق الغابة المتشابكة والمظلمة. ​"اسمعيني جيداً يا نور!" قال أدهم بصوت حازم وسريع كطلقات الرصاص: "ستخرجين من هذا الباب الآن! اركضي بأقصى سرعتك بين الأشجار، لا تنظري خلفكِ، ولا تتوقفي مهما سمعتِ من أصوات! الظلام والغ

  • الأرملة السوداء   الفصل 104

    ​بعد ساعات طويلة من القيادة الجنونية المتواصلة، بدأ الفجر ينسج خيوطه الرمادية الكئيبة. توقفت سيارة أدهم أخيراً في أطراف بلدة نائية تقع على الحدود تماماً، حيث تمتد غابة شاسعة وموحشة تفصل بين البلدين، وتُعرف بأنها الملاذ الأخير للمطاردين، وطريق المهربين السري نحو المجهول. ​ترك أدهم سيارته مخبأة خلف كثبان رملية، وقاد نور عبر مسارات وعرة حتى وصلا إلى كوخ خشبي متهالك يقبع على حافة الغابة الكثيفة. هناك، التقى أدهم بـ "المهرب"، رجل ذو ملامح قاسية وعينين لا تعرفان سوى لغة المال. ​دفع أدهم للمهرب مبلغاً كبيراً من مدخراته، واتفق معه على كل التفاصيل. دفع أيضاً مبلغاً إضافياً لمزور محترف يعمل مع الشبكة، ليقوم باستخراج هويات وجوازات سفر مزورة لهما بأسماء جديدة كلياً؛ كان أدهم يدرك أن "قضية الأرملة السوداء" قد تصدرت الأخبار، وأن اسميهما سيُدرجان في قوائم الإنتربول، لذا كان طمس هويتهما القديمة هو أملهما الوحيد في بدء حياة جديدة كلاجئين في بلد غريب. ​"الرحلة لن تنطلق اليوم،" قال المهرب وهو يَعُد رزم المال ببرود: "نحن لا نتحرك بشخصين فقط، هذا خطر وغير مجدٍ. انتظروا في هذا الكوخ لثلاثة أيام حتى ت

  • الأرملة السوداء   الفصل 103

    ​كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل، حين توقفت سيارة "أدهم" ذات الدفع الرباعي في الزقاق الخلفي المظلم والملاصق لأسوار السجن المركزي. ارتدى سترته الجلدية السوداء، وتفقد مسدسه في حزامه، ثم سحب نفساً عميقاً من هواء الليل البارد، وتوجه نحو الباب الجانبي المخصص لدخول الضباط. ​بصفته مقدماً في المباحث الجنائية، كان يحق له الدخول في أي وقت لتفقد السجناء ذوي الأهمية القصوى. دخل أدهم وتوجه مباشرة نحو مكتب ضباط الحراسة الليلية. اصطنع الهدوء التام، وتحدث مع الضابطين المناوبين بحجة مراجعة بعض الأوراق الخاصة بنقل "نور" لمستشفى السجن غداً لإجراء فحص روتيني قبل تنفيذ الإعدام. وأثناء انشغال الضابطين بمراجعة الملفات وتجهيز القهوة في الغرفة المجاورة، تسللت يد أدهم بخفة وسرعة ليلتقط "المفتاح الرئيسي" لجناح الإعدام من لوحة المفاتيح المعلقة على الجدار، ودسه في جيبه. ​انسحب أدهم من المكتب بحجة تفقد الجناح بنفسه. مشى في الممرات المعتمة كشبح لا يصدر صوتاً، مستغلاً معرفته الدقيقة بأماكن الكاميرات وتوقيت دوريات الحراس المتراخية في هذا الوقت المتأخر. ​وصل إلى الزنزانة الانفرادية الأخيرة. أدخل الم

  • الأرملة السوداء   الفصل 102

    ​مرت أيام ثقيلة على زيارة حازم، ولم يتبقَّ على موعد تنفيذ حكم الإعدام في "نور" سوى سبعة أيام فقط. ​في ذلك الصباح الكئيب، عاد "أدهم" إلى عمله في مديرية الأمن لسبب في نفسه لا يعلم به أحد؛ بصفته مقدم مباحث، يمتلك تصريحاً أمنياً يتيح له دخول جناح المحكومين بالإعدام في السجن المركزي دون إثارة الشبهات. ​مشى أدهم في الممر الطويل والمظلم، حيث تردد صدى خطوات حذائه العسكري على الأرضية الأسمنتية الباردة كدقات ساعة الموت. كان الهواء ثقيلاً، مشبعاً برائحة اليأس والنهايات. توقف أمام الزنزانة الانفرادية الأخيرة، وأومأ للحارس بصمت ليفتح الباب الخارجي ويتركهما بمفردهما خلف القضبان الحديدية الداخلية. ​رفع أدهم نظره نحو داخل الزنزانة، وشعر بقلبه يُنتزع من بين ضلوعه. ​كانت نور تجلس على حافة السرير المعدني، ترتدي تلك البدلة الحمراء التي كانت تبدو واسعة جداً على جسدها النحيل. كان شعرها الأسود الفاحم منسدلاً، ووجهها الخالي من مساحيق التجميل يبدو شاحباً كالقمر، لكنه يحمل سكينة غريبة لا تمت بصلة للمكان الذي تقبع فيه. ​عندما سمعت نور صوته، رفعت رأسها. اتسعت عيناها العسليتان، ولمعت فيهما دموع الشوق وا

  • الأرملة السوداء   الفصل 101

    قبل أسبوعين من موعد تنفيذ الحكم، وفي ساعة من ساعات الظهيرة الهادئة داخل السجن المركزي، أُبلغت "نور" بأن لديها زائراً استثنائياً سمحت له الإدارة بالدخول نظراً لحالته الصحية الحرجة. ​مشت نور بخطوات ثقيلة خلف الحارس نحو غرفة الزيارات الفردية الخاصة. وعندما فُتح الباب، تجمدت قدماها على العتبة، وتجمعت الدموع فوراً في عينيها. ​كان يجلس خلف الطاولة الخشبية الفاصلة رجلٌ مألوف، لكنه بدا كشبح لنفسه القديمة. إنه "حازم".. ذلك الشاب الوسيم، الخجول، والمهذب، الذي اصطحبها ذات ليلة للعشاء والسينما دون أن يجرؤ على لمس يدها، والذي تحولت شقته الدافئة لاحقاً إلى ملاذها النفسي الوحيد للهروب من قذارة عالمها. ​لكن حازم اليوم لم يكن يرتدي تلك الملابس الأنيقة التي عرفته بها، ولم تكن ملامحه تضج بالشباب. كان جسده نحيلاً بدرجة مرعبة، ووجهه شاحباً كالموتى، وقد تساقط شعره بالكامل، وغطت الهالات السوداء العميقة محيط عينيه اللتين فقدتا الكثير من بريقهما. ​"حازم..." همست نور بنبرة يكسوها الذهول والحزن، وهي تتقدم ببطء نحو الطاولة. ​رفع حازم رأسه بتثاقل، وارتسمت على شفتيه الذابلتين ابتسامة حنونة وصادقة، وقال ب

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status