Share

الفصل 2

Author: ريو - Rio
last update publish date: 2026-07-02 21:56:05

لم تمضِ سوى دقائق قليلة حتى سُمعت ثلاث نقرات خافتة ومتقطعة على باب الشقة الخارجي. كانت هذه هي الشيفرة. فتحت "نور" الباب ويداها ما زالتا ترتجفان، لتندفع "رندة" إلى الداخل كعاصفة صامتة.

​كانت رندة فتاةً ذات ملامح حادة ونظراتٍ لا تعرف الخوف، ترتدي ملابس داكنة وقد رفعت شعرها بإحكام. بمجرد أن وقعت عيناها على جثة "منصور" الممددة على السرير وسط بركة الدماء، لم تصرخ ولم ترتعد، بل أطلقت زفرة طويلة وقالت بصوتٍ جليدي:

"لقد فعلتِها أخيراً يا نور... ظننت أنكِ ستتراجعين في اللحظة الأخيرة."

​ابتلعت نور ريقها وردت بنبرة خالية من الروح: "لم يكن لدي خيار آخر... كان سيقتلني ببطء. ماذا نفعل الآن؟"

​"نكمل ما بدأناه." التمعت عينا رندة بتصميم مميت. "ساعديني في سحبه إلى الأسفل. المحل هو المكان الوحيد الذي يمكننا فيه إخفاء هذه الكارثة."

​كان جسد منصور ثقيلاً كعجلٍ ميت. بجهدٍ جهيد، وأنفاسٍ متلاحقة، تمكنت الفتاتان من سحب الجثة الضخمة عبر الدرج الداخلي الضيق الذي يربط الشقة بمتجر الجزارة في الطابق الأرضي.

​بمجرد دخولهما المتجر، استقبلتهما رائحة الموت المألوفة؛ رائحة اللحم النيء والدم المتخثر التي طالما زكمت أنفاس نور. أضاءت رندة مصباحاً خافتاً في الزاوية، لتنعكس أضواؤه الباهتة على السكاكين والسواطير اللامعة المعلقة بعناية على الجدران، وعلى خطافات الحديد الباردة المتدلية من السقف.

​"الساعة الآن الثالثة والنصف فجراً،" قالت رندة وهي تشمر عن ساعديها وتلتقط مريلة جلدية سميكة لترتديها. "جيران السوء في هذا الحي القذر معتادون على استيقاظ منصور في هذا الوقت لتقطيع ذبائحه وتجهيزها للعرض الصباحي. أصوات السواطير وتكسير العظام لن تثير ريبة أحد... ستكون مجرد ليلة عمل عادية بالنسبة لهم."

​ناولت رندة ساطوراً ثقيلاً لنور، التي كانت تنظر إلى جسد زوجها الميت بشعورٍ غريب يمزج بين التقزز والانتصار.

​"هيا،" أمرتها رندة بصرامة، "ليس لدينا وقت لنضيعه."

​هوت رندة بالساطور الأول على مفصل كتف الجثة. طاااخ! تردد صدى الضربة المكتومة في أرجاء المحل. ومع كل ضربة ساطور، ومع كل صوتٍ لتمزق اللحم وتكسر العظام، كانت نور تغوص في أعماق ذاكرتها، لتعود إلى الأيام السوداء التي قادتها إلى هذه اللحظة الدموية.

​فلاش باك (قبل أسبوعين)...

​كانت نور تجلس في زاوية غرفتها المظلمة، تضم ركبتيها إلى صدرها، وجسدها ينتفض ببكاءٍ هيستيري مكتوم. كانت رندة تجلس بجوارها، تمسح على خصلات شعرها الأسود في محاولة يائسة لتهدئتها.

​"ظننت أنني نجوت يا رندة..." شهقت نور وصوتها يتقطع من فرط الألم. "ظننت أن خروجي من سجن أخي عاصم سيكون الخلاص. قلت لنفسي، حتى لو كان منصور جزاراً عجوزاً، فربما يعاملني كزوجة، ربما أجد سقفاً يحميني دون أن أُضرب كل يوم... لكنني خرجت من سجن عاصم لأسقط في جحيمٍ أسوأ بمراحل."

​تنهدت رندة بحرقة: "ماذا فعل بكِ ذلك الخنزير هذه المرة؟ كدمات وجهك أسوأ من الأمس."

​رفعت نور وجهها الملائكي المشوه بالكدمات، وعيناها العسليتان تفيضان بوجعٍ أنثوي قاهر. "إنه لا يكتفي بضربي يا رندة... بل يتفنن في تعذيبي جسدياً ونفسياً. لديه عجز... عجزٌ كامل يجعله غير قادر على أن يكون رجلاً. لكنه، وبدلاً من أن يتقبل مرضه، يفرغ عقدة نقصه على جسدي."

​أغمضت نور عينيها بقهر وهي تسترجع تفاصيل لياليها المرعبة. كان منصور يقترب منها بأنفاسه الكريهة ويديه الخشنتين، يجبرها على الخضوع له، يلامس منحنيات جسدها الطري بشهوةٍ حيوانية قذرة. ورغم قرفها منه، كانت طبيعتها البشرية والبيولوجية تستجيب رغماً عنها لتلك الإثارة... كان يشعل بداخلها ناراً، يوقظ غريزتها الأنثوية التي لم تُمس من قبل، لكنه في اللحظة الحاسمة، يخذله جسده المترهل ويفشل.

​"عندما يعجز عن إشباعي..." تابعت نور بصوتٍ يرتجف، "عندما يرى في عيني نظرة الشفقة، أو ربما خيبة الأمل، يتحول إلى وحشٍ هائج. يغضب لكرامته المهدورة، فينهال عليّ بالضرب المبرح. يضربني بحزامه الجلدي حتى أنزف، ويتركني ملقاة على الأرض، أتلعوى من ألم الضرب... ومن ألم شهوةٍ مبتورة أشعلها في داخلي وتركني أحترق بها وحيدة."

​مسحت دموعها بعنف وأكملت باشمئزاز: "وما يثير اشمئزازي أكثر، هو وقاحته في متجره. يقف نهاراً أمام النساء والزبونات، يغازلهن بكلماتٍ بذيئة، يوزع النظرات والابتسامات الوقحة، مدعياً أنه فحلٌ لا يشق له غبار، ليغطي على حقيقته الوضيعة. أنا أختنق يا رندة... إن لم أقتله، فسوف أقتل نفسي."

​التزمت رندة الصمت لثوانٍ، وعيناها تدوران في الغرفة الكئيبة، قبل أن تقترب من نور وتمسك بكتفيها بقوةٍ أجبرتها على النظر إليها.

​"ولماذا تقتلين نفسكِ أيتها الغبية؟!" فحت رندة كالافعى. "الوحوش أمثاله هم من يستحقون الموت، ليس نحن."

​اتسعت عينا نور: "ماذا تقصدين؟"

​"أقصد أن نقتله." قالتها رندة ببرودٍ أرعب نور في البداية. "اسمعيني جيداً يا نور. أنا أيضاً سئمت من هذا القاع، سئمت من الفقر والوحل ونظرات الرجال القذرة في هذا الحي. نحن نمتلك فرصة ذهبية. إذا قتلناه وتخلصنا من جثته بتقطيعها في محله الخاص، وجمعنا كل ما يملكه من أموال وذهب، يمكننا الهرب. إذا اختفيتِ أنتِ وهو في نفس الليلة، لن يشك أحدٌ في الأمر. سيقولون ببساطة أن الجزار العجوز أخذ زوجته الشابة الجميلة وانتقلا للعيش في مكانٍ آخر. سنختفي، ونسافر إلى مدينة بعيدة، ونبدأ حياة جديدة... حياة نكون فيها نحن الأسياد."

​كانت الفكرة مجنونة، دموية، ومرعبة، لكن في تلك اللحظة، وسط آلامها وجروحها، بدت لنور وكأنها طوق النجاة الوحيد.

​عودة إلى الحاضر...

​طاااخ!

عاد بها صوت الساطور إلى الواقع. كانت الدماء تملأ المكان، تغطي يديها وملابسها. نظرت إلى رندة التي كانت تعمل بآلية مرعبة، تقطع وتفصل اللحم عن العظم بحرفية وكأنها ولدت لتقوم بهذا العمل.

​شاركتها نور بقلبٍ تحول إلى حجر. لم تعد تبكي، ولم تعد ترتعد. كل قطعة كانت تفصلها عن جسد منصور، كانت تمثل قيوداً تتحطم من حولها. قامتا بتعبئة الأشلاء في أكياس قمامة سوداء سميكة، ووضعتا فوقها بقايا عظام حيوانات تالفة لتضليل أي رائحة أو شك، لتكون جاهزة للرمي في مكبات النفايات البعيدة فجراً.

​عندما انتهتا، وقفت نور تلتقط أنفاسها، ونظرت إلى الأكياس السوداء المتراكمة في الزاوية. الرجل الذي أذاقها ذل الجسد وقهر الروح، انتهى به المطاف كبقايا لحمٍ فاسد في أكياس قمامة.

​اقتربت منها رندة، ووضعت يدها الملطخة بالدماء على كتف نور، وابتسمت ابتسامة شيطانية شاحبة:

"لقد انتهى الأمر يا نور. مات الجزار... وحان وقت رحيلنا."

​نظرت نور إلى انعكاسها المشوه بالدماء على نصل الساطور اللامع، وأومأت برأسها في صمت. لقد انتهت حياة "نور" المسكينة في هذا المكان المظلم، ومن وسط هذه الأشلاء والدماء، ولدت امرأة أخرى، امرأة أدركت للتو مدى هشاشة وضعف هؤلاء الرجال الذين يدعون القوة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الأرملة السوداء   النهاية

    إلى قرائي الأعزاء، رفاق هذه الرحلة المظلمة.. ​أعلم أن هذه النهاية الصادمة تركت في قلوبكم غصة، وربما كان الكثير منكم يبحث عن نهاية سعيدة تريح "أدهم" و"نور" وتُتوّج حبهما. ​لكن دعونا نتحدث بصراحة؛ الحياة لا تضمن لنا النهايات السعيدة دائماً. الواقع ليس ناصع البياض، بل هو مزيج معقد من الأبيض والأسود، الخير والشر، الفرح والحزن، الخطيئة والتوبة. ​لو نجيا معاً وتجاهلنا كل تلك الدماء، لكانت قصة مستهلكة تُنسى بمجرد إغلاق الشاشة. أدهم كان يجب أن يدفع ثمن تضحيته، ونور كان يجب أن تدفع ثمن ماضيها المظلم رغم صدق توبتها. هذه هي عدالة الكون التي تجعل القصة واقعية، لتظل محفورة في ذاكرتكم للأبد. أتمنى أن تسامحوني على تحطيم قلوبكم! ​والآن، دعونا نطوي "الملف الأزرق"، وندخل في مغامرة جديدة! أدعوكم جميعاً للذهاب فوراً لقراءة الفصل الثاني من روايتكم "خطيئة بريئة" الذي بدأنا بنشره حديثاً، لنستكمل معاً رحلة جديدة من التشويق. ​وليس هذا فحسب.. أعدكم بـ رواية جديدة كلياً تُطبخ الآن على نار هادئة، قادمة قريباً جداً لتتلاعب بعقولكم ومشاعركم بطرق لم تتخيلوها.. فاستعدوا! ​شكراً لكل تعليق، لكل توقع، ولكل

  • الأرملة السوداء   الفصل 105

    اخترقت أضواء سيارات الشرطة الحمراء والزرقاء خشب الكوخ المتهالك، فحولته من ملاذ دافئ إلى مصيدة موت محكمة. في الخارج، كانت قوات الشرطة الخاصة تطوق المكان بالكامل، والأسلحة الآلية مصوبة نحو الباب والنافذة، بينما تردد صدى مكبر الصوت مجدداً يمزق سكون الغابة: "المقدم أدهم.. لا تحاول المقاومة! المكان محاصر بالكامل، سلم نفسك وسلم المتهمة ولن يتعرض أحد للأذى!" ​داخل الكوخ، كان أدهم يقف كالجبل الشامخ، مسدسه في يده اليمنى، وعيناه تلتمعان ببريق وحش ثائر وقرر أن يقاتل حتى آخر قطرة من دمه. ​نظرت نور إليه بانهيار، واقتربت منه تمسك بذراعه وهي تبكي بهستيريا: "أدهم، أرجوك! ضع السلاح! سأسلم نفسي، لا تقتلهم ولا تدعهم يقتلونك.. لقد انتهى كل شيء!" ​التفت أدهم نحوها، ولم تكن ملامحه تحمل أي ذرة من الاستسلام. أمسكها من كتفيها بقوة، ودفعها نحو الباب الخلفي الصغير للكوخ والذي يطل مباشرة على عمق الغابة المتشابكة والمظلمة. ​"اسمعيني جيداً يا نور!" قال أدهم بصوت حازم وسريع كطلقات الرصاص: "ستخرجين من هذا الباب الآن! اركضي بأقصى سرعتك بين الأشجار، لا تنظري خلفكِ، ولا تتوقفي مهما سمعتِ من أصوات! الظلام والغ

  • الأرملة السوداء   الفصل 104

    ​بعد ساعات طويلة من القيادة الجنونية المتواصلة، بدأ الفجر ينسج خيوطه الرمادية الكئيبة. توقفت سيارة أدهم أخيراً في أطراف بلدة نائية تقع على الحدود تماماً، حيث تمتد غابة شاسعة وموحشة تفصل بين البلدين، وتُعرف بأنها الملاذ الأخير للمطاردين، وطريق المهربين السري نحو المجهول. ​ترك أدهم سيارته مخبأة خلف كثبان رملية، وقاد نور عبر مسارات وعرة حتى وصلا إلى كوخ خشبي متهالك يقبع على حافة الغابة الكثيفة. هناك، التقى أدهم بـ "المهرب"، رجل ذو ملامح قاسية وعينين لا تعرفان سوى لغة المال. ​دفع أدهم للمهرب مبلغاً كبيراً من مدخراته، واتفق معه على كل التفاصيل. دفع أيضاً مبلغاً إضافياً لمزور محترف يعمل مع الشبكة، ليقوم باستخراج هويات وجوازات سفر مزورة لهما بأسماء جديدة كلياً؛ كان أدهم يدرك أن "قضية الأرملة السوداء" قد تصدرت الأخبار، وأن اسميهما سيُدرجان في قوائم الإنتربول، لذا كان طمس هويتهما القديمة هو أملهما الوحيد في بدء حياة جديدة كلاجئين في بلد غريب. ​"الرحلة لن تنطلق اليوم،" قال المهرب وهو يَعُد رزم المال ببرود: "نحن لا نتحرك بشخصين فقط، هذا خطر وغير مجدٍ. انتظروا في هذا الكوخ لثلاثة أيام حتى ت

  • الأرملة السوداء   الفصل 103

    ​كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل، حين توقفت سيارة "أدهم" ذات الدفع الرباعي في الزقاق الخلفي المظلم والملاصق لأسوار السجن المركزي. ارتدى سترته الجلدية السوداء، وتفقد مسدسه في حزامه، ثم سحب نفساً عميقاً من هواء الليل البارد، وتوجه نحو الباب الجانبي المخصص لدخول الضباط. ​بصفته مقدماً في المباحث الجنائية، كان يحق له الدخول في أي وقت لتفقد السجناء ذوي الأهمية القصوى. دخل أدهم وتوجه مباشرة نحو مكتب ضباط الحراسة الليلية. اصطنع الهدوء التام، وتحدث مع الضابطين المناوبين بحجة مراجعة بعض الأوراق الخاصة بنقل "نور" لمستشفى السجن غداً لإجراء فحص روتيني قبل تنفيذ الإعدام. وأثناء انشغال الضابطين بمراجعة الملفات وتجهيز القهوة في الغرفة المجاورة، تسللت يد أدهم بخفة وسرعة ليلتقط "المفتاح الرئيسي" لجناح الإعدام من لوحة المفاتيح المعلقة على الجدار، ودسه في جيبه. ​انسحب أدهم من المكتب بحجة تفقد الجناح بنفسه. مشى في الممرات المعتمة كشبح لا يصدر صوتاً، مستغلاً معرفته الدقيقة بأماكن الكاميرات وتوقيت دوريات الحراس المتراخية في هذا الوقت المتأخر. ​وصل إلى الزنزانة الانفرادية الأخيرة. أدخل الم

  • الأرملة السوداء   الفصل 102

    ​مرت أيام ثقيلة على زيارة حازم، ولم يتبقَّ على موعد تنفيذ حكم الإعدام في "نور" سوى سبعة أيام فقط. ​في ذلك الصباح الكئيب، عاد "أدهم" إلى عمله في مديرية الأمن لسبب في نفسه لا يعلم به أحد؛ بصفته مقدم مباحث، يمتلك تصريحاً أمنياً يتيح له دخول جناح المحكومين بالإعدام في السجن المركزي دون إثارة الشبهات. ​مشى أدهم في الممر الطويل والمظلم، حيث تردد صدى خطوات حذائه العسكري على الأرضية الأسمنتية الباردة كدقات ساعة الموت. كان الهواء ثقيلاً، مشبعاً برائحة اليأس والنهايات. توقف أمام الزنزانة الانفرادية الأخيرة، وأومأ للحارس بصمت ليفتح الباب الخارجي ويتركهما بمفردهما خلف القضبان الحديدية الداخلية. ​رفع أدهم نظره نحو داخل الزنزانة، وشعر بقلبه يُنتزع من بين ضلوعه. ​كانت نور تجلس على حافة السرير المعدني، ترتدي تلك البدلة الحمراء التي كانت تبدو واسعة جداً على جسدها النحيل. كان شعرها الأسود الفاحم منسدلاً، ووجهها الخالي من مساحيق التجميل يبدو شاحباً كالقمر، لكنه يحمل سكينة غريبة لا تمت بصلة للمكان الذي تقبع فيه. ​عندما سمعت نور صوته، رفعت رأسها. اتسعت عيناها العسليتان، ولمعت فيهما دموع الشوق وا

  • الأرملة السوداء   الفصل 101

    قبل أسبوعين من موعد تنفيذ الحكم، وفي ساعة من ساعات الظهيرة الهادئة داخل السجن المركزي، أُبلغت "نور" بأن لديها زائراً استثنائياً سمحت له الإدارة بالدخول نظراً لحالته الصحية الحرجة. ​مشت نور بخطوات ثقيلة خلف الحارس نحو غرفة الزيارات الفردية الخاصة. وعندما فُتح الباب، تجمدت قدماها على العتبة، وتجمعت الدموع فوراً في عينيها. ​كان يجلس خلف الطاولة الخشبية الفاصلة رجلٌ مألوف، لكنه بدا كشبح لنفسه القديمة. إنه "حازم".. ذلك الشاب الوسيم، الخجول، والمهذب، الذي اصطحبها ذات ليلة للعشاء والسينما دون أن يجرؤ على لمس يدها، والذي تحولت شقته الدافئة لاحقاً إلى ملاذها النفسي الوحيد للهروب من قذارة عالمها. ​لكن حازم اليوم لم يكن يرتدي تلك الملابس الأنيقة التي عرفته بها، ولم تكن ملامحه تضج بالشباب. كان جسده نحيلاً بدرجة مرعبة، ووجهه شاحباً كالموتى، وقد تساقط شعره بالكامل، وغطت الهالات السوداء العميقة محيط عينيه اللتين فقدتا الكثير من بريقهما. ​"حازم..." همست نور بنبرة يكسوها الذهول والحزن، وهي تتقدم ببطء نحو الطاولة. ​رفع حازم رأسه بتثاقل، وارتسمت على شفتيه الذابلتين ابتسامة حنونة وصادقة، وقال ب

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status