Masukلم يدم هدوء ليلة العاصفة الطويل، فمع اقتراب خيوط الفجر الأولى، انشق صمت القصر الملكي بصرخة رعب دوت من غرفة الوريث. تهاوى الحارس المغشي عليه أرضاً، واندفعت "سيرافينا" إلى الداخل لتجد المهد المذهب فارغاً تماماً.. لقد اختفى طفل الألفا، واختفت معه تلك البشرية المنبوذة.في غضون دقائق، تحول القصر إلى وكر للنحل الثائر.
في مكتبه الواسع ذي الجدران الخشبية الداكنة، كان الألفا "كاسيان" يقف خلف مكتبه الضخم، وعيناه الرماديتان تتوهجان ببريق مرعب، وهالته الطاغية اندفعت في الأرجاء بقوة جعلت الجدران تكاد تتصدع من فرط الغضب والجنون الذي أصابه. كانت أنفاسه تخرج متلاحقة وحادة، وقبضته القوية حطمت حافة المكتب الخشبي فور سماعه النبأ.دلفت سيرافينا بخطوات مرتجفة، وعلى وجهها ملامح ذعر حقيقي حاولت إخفاءها وراء نبرة بكاء مصطنعة. اقتربت منه بحذر، ومدت يدها المرتعشة لتمسك بذراعه الصلبة، وقالت بنبرة باكية تحاول فيها تبرير الموقف ومواساته:— "كاسيان.. أرجوك يا حبيبي، اهدأ قليلاً. تلك البشرية الملعونة إيلارا خطفت الطفل وهربت به وسط العاصفة! لقد استغلت غياب الحراس لتسرق وريثك. لا بد أنها فقدت عقلها ولن تذهب بعيداً بجسدها الضعيف، الغابة المحرمة أو ذئاب الحراسة ستنهي أمرها في غضون ساعات. اهدأ، وسوف يجدها جنودنا ويدفنونها حية." ما إن نطق لسانها بتلك الكلمات، حتى انتفض كاسيان بحركة سريعة وعنيفة جعلت سيرافينا تراجع للخلف بذعر كبير. التفت نحوها، وكان وجهه شاحباً من شدة الغضب وجحيم الصدمة التي هزت كيانه كقائد للقطيع.صرخ كاسيان بصوت رعدي زلزل أركان القصر بأكمله: "أغلقي فمكِ اللعين يا سيرافينا! لا تنطقي باسم ابني ورفيقتي على لسانكِ مجدداً! الوحيدة الغلطانة هنا هي أنتِ! أنتِ من أصررتِ على قهر إيلارا وعزلها، وأنتِ من ادعيتِ أنكِ قادرة على الإشراف على حماية القصر والطفل، وفي النهاية.. غفلتِ عن حراستكِ الغبية وغفلتِ عن الخائنة "ليرا" حتى مهدتا لطريق الهروب في وضح الليل! لقد وثقتُ برأيكِ وانصعتُ لكلماتكِ، وكانت هذه أكبر خطيئة ارتكبتها! لقد تسببتِ في ضياع ابني ووريثي الشرعي من بين يدي!" تراجعت سيرافينا والدموع تفر من عينيها من شدة الخوف والغضب الصامت، وحاولت الدفاع عن نفسها قائلة بصوت متقطع: "كاسيان.. أنا فعلت ذلك من أجل مصلحة القطيع! إيلارا كانت بشرية منبوذة بلا روح ذئب، لم تكن لتصنع منه ألفا قادراً على قيادتنا، ولم أتوقع أن تملك الجرأة على الهروب!" قاطعها كاسيان بنبرة حادة كالسيف، وعيناه تشعان ببريق قاتل وهو يشير بسبّابته نحو وجهها بتهديد مباشر: "الجرأة؟ الأمومة تصنع المعجزات يا سيرافينا، وأنا من سمح لكِ بكسر قلبها حتى دفعتها للجنون! اسمعيني جيداً.. ابني ورفيقتي لن يخرجا من حدود هذه الأرض أحياء أو أمواتاً، وسأعيدهما بأي طريقة كانت، حتى لو اضطررتُ لحرق الغابة بأكملها وقتل كل من يقف في طريقي! لن يهدأ لي بال، ولن تقتربي مني أو تلمسيني حتى يعود وريثي إلى هذا المهد!" تجاوزها ببرود قاتل أهمل وجودها تماماً، واندفع نحو الشرفة الكبيرة المطلة على الساحة الرئيسية للقطيع، حيث كان المئات من المحاربين وأفراد العشيرة قد تجمعوا فوراً بناءً على عواء النفير الطارئ الذي أطلقه حراس البوابة. وقف كاسيان عند الحافة بصدر ثائر، ونظر إلى شعبه الذين صمتوا رعباً بمجرد ظهور قائد الألفا وهالته الحربية المرعبة تملأ السماء العاصفة.أخذ كاسيان نفساً عميقاً، ثم أطلق صوته الرخيم المدوي الذي تردد صداه بين الجبال والوديان المحيطة بالقطيع، معلناً حالة الحرب والاستنفار القصوى في نفس ليلة الهروب: "يا أبناء العشيرة! في هذه الليلة المباركة، ارتكبت خطيئة الخيانة العظمى داخل جدران هذا القصر! لقد سُلبت روح وريثكم الشرعي، واختطفت رفيقتي إيلارا من مهدها! اليوم ينتهي زمن السلم، وأعلن أمامكم جميعاً.. أن قطيعنا من هذه اللحظة في حالة استنفار حربي كامل! لن ينام محارب فيكم الليلة، ولن تغلق عين داخل هذه الحدود! من اليوم، كل ذئب فيكم هو عين للألفا. اقلبوا الأرض رأساً على عقب، فتشوا الكهوف، واقطعوا مسارات الغابات المحرمة رغماً عن أنوف الأساطير والوحوش! من يملك وريث الألفا أو يخفيه، فقد حكم على نفسه بالفناء.. سنعيدهما الليلة بالدم والنار، والويل لكل من تهاون في حماية دماء العشيرة!" انفجرت الساحة بعواء الذئاب المرعب وهتافات المحاربين التي شقت عنان السماء، حيث تحول المئات منهم فوراً إلى ذئابهم الضخمة وانطلقوا كالسيل الأسود نحو الغابات بحثاً عن الأثر.وفي خلفية الشرفة المظلمة، كانت سيرافينا تقف وعيناها تلمعان بحقد أسود ودفين، وهي تضغط على قبضتيها بغضب أعمى؛ فالألفا الذي طالما سعت للسيطرة عليه بات يبتعد عنها وينقلب عليها في لحظة واحدة، وعودة إيلارا المحتملة مع الطفل تعني نهاية كل خططها وعرشها الذي بنته على حساب عذاب تلك المرأة.ساد الهدوء أرجاء القطيع بعد العاصفة التي أطاحت بالشيخ غاريد، لكنه كان هدوءاً هشاً يشبه السير على أرض من الزجاج المحطّم. في الجناح الشرقي الكبير، الذي أصر كاسيان على تخصيصه لإيلارا وابنها، كانت خيوط الفجر الأولى تتسلل عبر الستائر المخملية الثقيلة. وقفت إيلارا تراقب من شرفتها العالية ساحة التدريب الرئيسية للقطيع. كانت ملامحها مسترخية، لكن عينيها الفضيتين الكامنتين لا تغفلان عن تفصيلة واحدة.في الأسفل، كان الألفا كاسيان يمر بجليد ذاتي قسري. لليوم العاشر على التوالي، يحرم نفسه من النوم الكافي، ويخضع لتدريبات بدنية وعسكرية قاسية تفوق طاقة أقوى محاربيه. رأته إيلارا وهو يقاتل ثلاثة من كبار قادة جيشه في آن واحد بأسلحة خشبية ثقيلة. كانت عضلاته مشدودة، وعرقه يتصبب بغزارة، وعيناه الحمراوان من التعب تعكسان رغبة عارمة في معاقبة جسده على سنوات الغفلة الخاضعة للسحر. كان يرفض استخدام قوة الألفا الخاصة به، بل يقاتل بجهد بشري ومهارة مستذئب مجردة، وكأنه يحاول إثبات جدارته بالوجود، أو لعلّه يبحث عن ألم بدني يلهيه عن جحيم الندم الذي يمزق روحه.أسقط كاسيان المحارب الأخير أرضاً، ثم تنفس الصعداء وهو يستند
كانت قاعة الاجتماعات الكبرى أشبه بساحة إعدام صامتة. الجدران الحجرية العالية بدت وكأنها تضيق على الحاضرين، بينما انعكست ظلال الشموع الضخمة على وجوه شيوخ القطيع ونخبته الذين جلسوا حول الطاولة المستديرة الطويلة. في صدر القاعة، جلس الألفا كاسيان، بوجه صارم وعينين متيقظتين، وإلى جواره تماماً جلست إيلارا. لم تكن تجلس كأنها ضيفة أو مستضعفة، بل كانت ترتدي ثوبها الحريري الأسود المطرز بالفضة، بملامح باردة كأنها نحتت من الجليد، بينما جلس الصغير ليو على مقعد مرتفع بجانبها، يراقب الجميع بعينين حادتين لا تنتميان لعمر طفل في الثانية. تنحنح كاسيان، وضرب بقبضته على الطاولة ضربة خفيفة هزت الأوراق الموضوعة، وقال بصوت جهوري: "لقد انعقد هذا المجلس الطارئ لتثبيت القوانين الداخلية الجديدة بشكل نهائي ورسمي. القوانين التي تضمن العدالة لجميع أفراد القطيع، وتلغي القوانين البالية." قبل أن يكمل كاسيان حديثه، وقف الشيخ المتمرد، "غاريد"، رئيس مجلس الشيوخ وأكثرهم نفوذاً. كانت ملامحه تنضح بالغطرسة والتحدي العلني. نظر إلى كاسيان ثم وجه نظراته الحاقدة نحو إيلارا، وقال بصوت مرتفع تعمد أن يصل إلى المحاربين الواقف
علن الألفا "كاسيان" عن إقامة مأدبة عشاء رسمية وطارئة داخل قاعة العرش الكبرى بالقصر، لـتأكيد الولاء وتثبيت القوانين الجديدة أمام كبار قادة القطيع و مجلس الشيوخ، ونخبة المحاربين. وافقت "إيلارا" على الحضور بناءً على رغبتها في مواجهة بقايا نفوذ القطيع وجهاً لوجه، واستعراض سيطرتها الصارمة ببرود ودون خوف .تزينت قاعة العرش بأفخم الديكورات، واحتشد المئات من أفراد القطيع بملابسهم الرسمية الفاخرة، يملأ نفوسهم الترقب والفضول لرؤية "البشرية المنبوذة" التي قلبت موازين السلطة داخل حصنهم المنيع. انفتحت الأبواب الخشبية الضخمة، ودخل كاسيان بكامل هيبته الطاغية وجسده الفارع الممشوق، وبجواره كانت تسير إيلارا التي صدمت أنفاس الحضور وألجمت ألسنتهم فور ظهورها.لم تكن ترتدي درعاً عسكرياً، ولم تكن تبدو كالفتاة المنكسرة في ثوبها الرمادي البسيط؛ بل اختارت ثوباً فخماً من الحرير الأسود الناعم، مطرزاً بخيوط فضية وذهبية ناعمة وبسيطة عند الأكتاف، يبرز جسدها الممشوق وصلابة قامتها. رفعت رأسها بثقة مفرطة، وعيناها الرماديتان تشعان ببريق بارد، حاد، وثاقب كملكة تتأمل حشرات صغيرة تحت أقدام عرشها. وبجوارها كان الصغير "
لم تكن محاكمة "سيرافينا" وإذلالها علناً سوى الخطوة الأولى في خطة "إيلارا" الهادئة. ففي صباح اليوم التالي، تحول الترقب داخل القصر إلى رعب صامت؛ إذ أدرك أفراد العشيرة أن تلك الفتاة التي كانوا يصفونها بالبشرية المنبوذة باتت هي الآمرة والناهية، ليس بقوة مخالبها، بل بـسلطتها المطلقة على عقل الألفا "كاسيان" وقلبه الممزق بالندم.استدعت إيلارا كاسيان إلى غرفتها القديمة الباردة، ولم تذهب هي إلى مكتبه، تعمداً لإظهار عدم اكتراثها بمظاهر سلطته. دلف كاسيان بخطوات ثقيلة، وعيناه الرماديتان تفيضان بـاللهفة واستعداد تام لتنفيذ أي أمر تطلبه للتكفير عن خطاياه. وقف أمامها بوقار، ونظر إليها وإلى الصغير "ليو" الذي كان يجلس بجوارها يراقب المشهد بنباهته المعتادة، وقال بصوت رخيم متهدج:—"إيلارا.. القصر بأكمله طوع أمركِ، والمحاربون يطأطئون رؤوسهم لكِ خجلاً. قولي لي ماذا تريدين، وسأحرق القوانين القديمة لأجلكِ."نظرت إليه إيلارا ببرود تام وجمود لا لين فيه، وأخرجت لفافة جلدية صغيرة وضعتها فوق الطاولة وقالت بصوت جاف وقاطع: "لقد انتهى زمن قوانينكم الجائرة التي تمنح القوة للمستذئبين وتسحق الضعفاء والبشر داخل هذه
مع خيوط الفجر الأولى، دوت طبول النفير العام في أرجاء القصر الملكي، لتردد أصداؤها بين الجبال المحيطة بـأراضي القطيع. كان هذا النداء يعني أمراً طارئاً لا يمكن لأي فرد من العشيرة التخلف عنه. وفي غضون ساعة واحدة، احتشد المئات من محاربي النخبة، الشيوخ، والنساء في الساحة الكبرى للقصر، يتهامسون بوجوم وتساؤل عن سبب هذا الاستدعاء المباغت الذي أعاد إلى أذهانهم أجواء ليلة الهروب قبل عامين.ساد الصمت التام فجأة عندما انفتحت أبواب الشرفة الملكية العلوية المطلة على الساحة. خرج الألفا "كاسيان" بكامل هيبته الطاغية، يرتدي درعه القتالي الأسود الصارم، لكن ملامحه وعينيه الرماديتين كانتا مختلفتين تماماً؛ فقد بدا البريق النقي والحاد يشع منهما بعد أن زالت الغشاوة المظلمة التي حجبته لسنوات. والصدمة الأكبر التي ألجمت ألسنة الحشود، كانت وقوف "إيلارا" بجانبه، مرتدية ثوبها الرمادي البسيط، وتمسك بيد طفلها الصغير "ليو" الذي كان يقف بثبات ونباهة مذهلة يراقب الحشود بعينيه الحادتين. تعجب الجميع؛ فكيف للبشرية المنبوذة التي هربت كخائنة أن تقف اليوم بجانب الألفا وفي موضع العزة؟ارتفع صوت كاسيان الرعدي الصارم ليشق عنان
مع إشراقة صباح اليوم التالي لانكسار اللعنة، بدا القصر الملكي أشبه بحصن استيقظ من غيبوبة دامت لعامين. لم يعد الألفا كاسيان ذلك القائد الجاف ذا العيون الباهتة؛ بل تحول إلى رجل ينهشه الإدراك القاتل لـكل خطيئة ارتكبها وهو مسلوب الإرادة. دخل في الصباح الباكر إلى جناح "إيلارا" القديم، وكانت عيناه الرماديتان حمراوين من فرط البكاء والسهر الشديد، وجسده الضخم يرتجف بضعف لم يعهده جنوده من قبل.وقع نظره على طفله "ليو" الذي كان يجلس بهدوء فوق مقعده الخشبي الصغير كعادته، يراقب المحيط بنباهته الفطينة الحادة. تقدم كاسيان بخطوات بطيئة ومرتجفة، وسقط على ركبتيه فوق التراب الحجري أمام ابنه، وانهمرت دموعه الساخنة وهو يمد يده دون أن يتجرأ على لمسه، وقال بنبرة رخيمة مخنوقة بالبكاء المرير: "ليو.. صغيري.. أنا أعتذر. أنا والدك الذي حُرمتُ من ضمه، والدي الذي عشتُ سنتين أبحث عن أثره بجنون. لم أكن في وعيي يا بني، كانت هناك أفعى تسلبني عقلي وتملي عليَّ جفائي وقسوتي طوال السنتين الماضيتين.. ارجوك لا تنظر إليَّ بهذا البرود، فدمي يصرخ شوقاً إليك."لم يهرب ليو، ولم يبكِ، بل حدق في عيني والدي النقييتين الآن بنظرة ثاق