Masukسارت الفتاتان لساعات طويلة تحت المطر ، والظلام يبتلع كل شيء خلفهما وسط أشجار الصنوبر العملاقة. كانت أنفاس "إيلارا" تخرج محترقة من صدرها، وجسدها المنهك من الولادة يطالبها بالسقوط مع كل خطوة، لكنها كانت تشد بيديها المرتجفتين على طفلها الهجين، تلفه بدثار مبلل وتحميه بجسدها من البرد النفاذ.—
"إيلارا، يجب أن نسرع! أسمع عواء ذئاب الحراسة من بعيد.. لقد اكتشفوا اختفاءنا!" صاحت "ليرا" وهي تدفع غصون الأشجار الكثيفة بيد، وتسند كتف إيلارا باليد الأخرى، وعيناها تلمعان برعب حقيقي وهي تنظر للخلف نحو أراضي قطيع الألفا كاسيان.وصلت الفتاتان أخيراً إلى حافة الجرف العملاق حيث تنتهي حدود القطيع وتبدأ "الغابة المحرمة". كان الضباب كثيفاً كالجدار الرصاصي، والجميع في العشيرة يعلم أن من يدخل هذه الغابة يواجه موتاً محتماً. التفتت إيلارا نحو صديقتها المخلصة، وقالت بنبرة حازمة رغم وهنها الشديد: "لا خيار أمامنا يا ليرا.. إما الموت هنا كأحرار وسط الضباب، أو العودة لقيود كاسيان وظلم سيرافينا." و دون تردد، أمسكت ليرا يد صديقتها بقوة، وعبرتا معاً خط الضباب الكثيف نحو المجهول. وما إن خطتا خطوات داخل الغابة، حتى سقطت إيلارا على ركبتيها من فرط التعب، وشعرت أن وعيها ينسحب منها تماماً قبل أن تلمح ظلالاً لرجال ضخام الهامة يقتربون منهما. مرّ يومان كاملان وإيلارا غارقة في نوم عميق تحت تأثير حمى النفاس والإنهاك، بينما كانت ليرا تجلس بجوارها ترعى الطفل الهجين في جناح ملكي دافئ لم تحلما بدخوله يوماً. في صباح اليوم الثالث، فتحت إيلارا عينيها ببطء لتجد نفسها مستلقية على فراش من الحرير. نهضت بفزع تتلفت حولها، لتجد ليرا تقترب منها وعلى وجهها ابتسامة طمأنينة وهي تحمل الصغير: "اهدئي يا إيلارا.. نحن في أمان. لقد استضافتنا حاكمة هذه الأرض وقدمت لنا الرعاية الطبية دون أن تسأل عن هويتنا بعد." انهمرت دموع الراحة من عيني إيلارا وهي تضم طفلها. وفي منتصف النهار، طرقت إحدى الخادمات الباب لتعلن أن حاكمة المملكة تدعوهما لتناول وجبة الغداء في قاعة الطعام الخاصة بالجناح الغربي.ساعدت ليرا صديقتها على ارتداء ثوب بسيط ونظيف قدمه القصر لهما، وتوجهتا إلى قاعة الطعام حيث كانت الطاولة الخشبية الطويلة تمتزج بأفخم أنواع الأطعمة واللحوم والمخبوزات الطازجة. عند رأس الطاولة، جلست الملكة بهيبتها الطاغية وعيناها الذهبيتان تراقبان الفتاتين بهدوء وقور.أشارت الملكة ببعض الحنان في نبرتها قائلة: "اجلسا.. لقد عانيتما الكثير في تلك الغابة، وجسدكِ أيتها الأم الشابة يحتاج إلى الغذاء لتستعيدي قوتكِ." جلست إيلارا وليرا بارتباك واضح، وبدأتا في تناول الطعام بصمت. لاحظت الملكة الهالة المختلطة والغريبة للطفل الرضيع الذي ينام في مهد بجوارهما، فقالت بنبرة هادئة وموزونة: "الطفل يحمل دماءً هجينة.. رائحة المستذئبين تفوح منه، لكن هناك شيء آخر غامض في تكوينه. من أين جئتما؟ وما الذي يدفع امرأتين لـلمخاطرة بطفل رضيع وسط الغابة المحرمة؟" نظرت إيلارا إلى طبقها وقالت بصوت خافت تملأه الغصة:— "هربنا من الظلم يا سيدتي.. هربنا من مكان لم يرَ فيَّ سوى وعاء لإنجاب الوريث، ثم حاولوا حرمان عيني من رؤية ابني." لم تضغط الملكة عليهما لمعرفة المزيد، بل أكتفت بالقول: "في مملكتي، لا يُظلم أحد. ارتاحا اليوم، وسنتحدث لاحقاً." بعد انتهاء الغداء، عادات الفتاتان إلى غرفتهما الواسعة. أغلقت ليرا الباب بعناية، والتفتت نحو إيلارا وهامسة بنبرة حماسية ممزوجة بالتعجب: "إيلارا! هل رأيتِ ذلك؟ الطعام، الحرير، المعاملة.. حتى حراس القصر يملكون هيبة أرعبتني. قطيع كاسيان بأكمله يبدو كالأقزام مقارنة بقوة هؤلاء الناس. من هم حقاً؟" جلست إيلارا على طرف الفراش، تداعب خصلات شعر طفلها، وقالت بشرود: "لا أعلم يا ليرا.. لكنني أشعر بشيء غريب منذ أن دخلت هذا المكان. أشعر وكأن جسدي الذي كان ضعيفاً وبشرياً طوال حياتي، بدأ ينبض بحرارة وطاقة لا أفهمها. ونظرات تلك الملكة.. أشعر وكأنني أعرفها." شجعتها ليرا قائلة: "المهم أننا تخلصنا من قيد الألفا.. ابنكِ الآن في أحضانكِ، ولن تجرؤ سيرافينا على لمسه." بينما كانت إيلارا تومئ برأسها، شعرت بحرارة شديدة في صدرها، مما جعلها تضع يدها بتوتر على ياقة ثوبها. انزلقت الياقة دون قصد، لتظهر تلك القلادة الفضية القديمة ذات شعار "الذئب ذو الأجنحة" التي تركتها لها والدتها الراحلة.في تلك اللحظة تحديداً، انفتح الباب مجدداً؛ حيث عادت الملكة بمفردها لتطمئن على الطفل. لكن خطواتها تسمّرت فوراً عند عتبة الغرفة وقعت عينا الملكة على القلادة الفضية التي تتلألأ فوق صدر إيلارا. اتسعت عيناها بذهول وصدمة زلزلت كيانها، وسقطت العباءة الملكية من فوق كتفيها. الشعار المحفور هو الرمز السري لسلالتها الملكية النبيلة؛ الرمز الذي ظنت أنه دُفن مع ابنتها الرضيعة التي اختطفت قبل عشرين عاماً.خطت الملكة خطوات مرتجفة نحو الفراش، وبمجرد أن أصبحت على بُعد أنفاس من إيلارا، وضعت يدها علي ظهرها وقامت بتدفيق جزء من طاقتها ليحدث التلاحم الأسطوري؛ تفاعلت دماء إيلارا الكامنة مع حضور أمها، وانبعثت من جسد إيلارا وحده هالة فضية وذهبية ناصعة البياض أضاءت الغرفة بالكامل.. هالة "اللايكان الملكي النقي" التي حُرمت منها طوال سنوات نبذها كبشرية.سقطت الدموع كالشلال من عيني الملكة، وجثت على ركبتيها أمام إيلارا المذهولة، وأمسكت بيديها المرتجفتين وصاحت بصوت متهدج يمزقه البكاء واللهفة: "هذه القلادة.. وهذا الدم الملكي الذي يصرخ في عروقي.. أنتِ لستِ مجرد هاربة.. إيلارا.. أنتِ طفلتي المفقودة.. أنتِ أميرة اللايكان!" التفتت الملكة نحو الممر وصاحت بنبرة طاغية هزت أركان القصر: "أغلقوا حدود المملكة فوراً! ضعوا حراسة مشددة على هذا الجناح.. لقد عادت وريثة العرش، والويل لمن تجرأ على قهر أميرتنا!" نظرت إيلارا إلى صديقتها ليرا بعيون متسعة من ذهول المفاجأة، بينما بدأت دموعها تسقط وهي تدرك أن زمن الضعف قد انتهى إلى غير رجعة، وأن قيد الألفا قد انكسر للأبد.ساد الهدوء أرجاء القطيع بعد العاصفة التي أطاحت بالشيخ غاريد، لكنه كان هدوءاً هشاً يشبه السير على أرض من الزجاج المحطّم. في الجناح الشرقي الكبير، الذي أصر كاسيان على تخصيصه لإيلارا وابنها، كانت خيوط الفجر الأولى تتسلل عبر الستائر المخملية الثقيلة. وقفت إيلارا تراقب من شرفتها العالية ساحة التدريب الرئيسية للقطيع. كانت ملامحها مسترخية، لكن عينيها الفضيتين الكامنتين لا تغفلان عن تفصيلة واحدة.في الأسفل، كان الألفا كاسيان يمر بجليد ذاتي قسري. لليوم العاشر على التوالي، يحرم نفسه من النوم الكافي، ويخضع لتدريبات بدنية وعسكرية قاسية تفوق طاقة أقوى محاربيه. رأته إيلارا وهو يقاتل ثلاثة من كبار قادة جيشه في آن واحد بأسلحة خشبية ثقيلة. كانت عضلاته مشدودة، وعرقه يتصبب بغزارة، وعيناه الحمراوان من التعب تعكسان رغبة عارمة في معاقبة جسده على سنوات الغفلة الخاضعة للسحر. كان يرفض استخدام قوة الألفا الخاصة به، بل يقاتل بجهد بشري ومهارة مستذئب مجردة، وكأنه يحاول إثبات جدارته بالوجود، أو لعلّه يبحث عن ألم بدني يلهيه عن جحيم الندم الذي يمزق روحه.أسقط كاسيان المحارب الأخير أرضاً، ثم تنفس الصعداء وهو يستند
كانت قاعة الاجتماعات الكبرى أشبه بساحة إعدام صامتة. الجدران الحجرية العالية بدت وكأنها تضيق على الحاضرين، بينما انعكست ظلال الشموع الضخمة على وجوه شيوخ القطيع ونخبته الذين جلسوا حول الطاولة المستديرة الطويلة. في صدر القاعة، جلس الألفا كاسيان، بوجه صارم وعينين متيقظتين، وإلى جواره تماماً جلست إيلارا. لم تكن تجلس كأنها ضيفة أو مستضعفة، بل كانت ترتدي ثوبها الحريري الأسود المطرز بالفضة، بملامح باردة كأنها نحتت من الجليد، بينما جلس الصغير ليو على مقعد مرتفع بجانبها، يراقب الجميع بعينين حادتين لا تنتميان لعمر طفل في الثانية. تنحنح كاسيان، وضرب بقبضته على الطاولة ضربة خفيفة هزت الأوراق الموضوعة، وقال بصوت جهوري: "لقد انعقد هذا المجلس الطارئ لتثبيت القوانين الداخلية الجديدة بشكل نهائي ورسمي. القوانين التي تضمن العدالة لجميع أفراد القطيع، وتلغي القوانين البالية." قبل أن يكمل كاسيان حديثه، وقف الشيخ المتمرد، "غاريد"، رئيس مجلس الشيوخ وأكثرهم نفوذاً. كانت ملامحه تنضح بالغطرسة والتحدي العلني. نظر إلى كاسيان ثم وجه نظراته الحاقدة نحو إيلارا، وقال بصوت مرتفع تعمد أن يصل إلى المحاربين الواقف
علن الألفا "كاسيان" عن إقامة مأدبة عشاء رسمية وطارئة داخل قاعة العرش الكبرى بالقصر، لـتأكيد الولاء وتثبيت القوانين الجديدة أمام كبار قادة القطيع و مجلس الشيوخ، ونخبة المحاربين. وافقت "إيلارا" على الحضور بناءً على رغبتها في مواجهة بقايا نفوذ القطيع وجهاً لوجه، واستعراض سيطرتها الصارمة ببرود ودون خوف .تزينت قاعة العرش بأفخم الديكورات، واحتشد المئات من أفراد القطيع بملابسهم الرسمية الفاخرة، يملأ نفوسهم الترقب والفضول لرؤية "البشرية المنبوذة" التي قلبت موازين السلطة داخل حصنهم المنيع. انفتحت الأبواب الخشبية الضخمة، ودخل كاسيان بكامل هيبته الطاغية وجسده الفارع الممشوق، وبجواره كانت تسير إيلارا التي صدمت أنفاس الحضور وألجمت ألسنتهم فور ظهورها.لم تكن ترتدي درعاً عسكرياً، ولم تكن تبدو كالفتاة المنكسرة في ثوبها الرمادي البسيط؛ بل اختارت ثوباً فخماً من الحرير الأسود الناعم، مطرزاً بخيوط فضية وذهبية ناعمة وبسيطة عند الأكتاف، يبرز جسدها الممشوق وصلابة قامتها. رفعت رأسها بثقة مفرطة، وعيناها الرماديتان تشعان ببريق بارد، حاد، وثاقب كملكة تتأمل حشرات صغيرة تحت أقدام عرشها. وبجوارها كان الصغير "
لم تكن محاكمة "سيرافينا" وإذلالها علناً سوى الخطوة الأولى في خطة "إيلارا" الهادئة. ففي صباح اليوم التالي، تحول الترقب داخل القصر إلى رعب صامت؛ إذ أدرك أفراد العشيرة أن تلك الفتاة التي كانوا يصفونها بالبشرية المنبوذة باتت هي الآمرة والناهية، ليس بقوة مخالبها، بل بـسلطتها المطلقة على عقل الألفا "كاسيان" وقلبه الممزق بالندم.استدعت إيلارا كاسيان إلى غرفتها القديمة الباردة، ولم تذهب هي إلى مكتبه، تعمداً لإظهار عدم اكتراثها بمظاهر سلطته. دلف كاسيان بخطوات ثقيلة، وعيناه الرماديتان تفيضان بـاللهفة واستعداد تام لتنفيذ أي أمر تطلبه للتكفير عن خطاياه. وقف أمامها بوقار، ونظر إليها وإلى الصغير "ليو" الذي كان يجلس بجوارها يراقب المشهد بنباهته المعتادة، وقال بصوت رخيم متهدج:—"إيلارا.. القصر بأكمله طوع أمركِ، والمحاربون يطأطئون رؤوسهم لكِ خجلاً. قولي لي ماذا تريدين، وسأحرق القوانين القديمة لأجلكِ."نظرت إليه إيلارا ببرود تام وجمود لا لين فيه، وأخرجت لفافة جلدية صغيرة وضعتها فوق الطاولة وقالت بصوت جاف وقاطع: "لقد انتهى زمن قوانينكم الجائرة التي تمنح القوة للمستذئبين وتسحق الضعفاء والبشر داخل هذه
مع خيوط الفجر الأولى، دوت طبول النفير العام في أرجاء القصر الملكي، لتردد أصداؤها بين الجبال المحيطة بـأراضي القطيع. كان هذا النداء يعني أمراً طارئاً لا يمكن لأي فرد من العشيرة التخلف عنه. وفي غضون ساعة واحدة، احتشد المئات من محاربي النخبة، الشيوخ، والنساء في الساحة الكبرى للقصر، يتهامسون بوجوم وتساؤل عن سبب هذا الاستدعاء المباغت الذي أعاد إلى أذهانهم أجواء ليلة الهروب قبل عامين.ساد الصمت التام فجأة عندما انفتحت أبواب الشرفة الملكية العلوية المطلة على الساحة. خرج الألفا "كاسيان" بكامل هيبته الطاغية، يرتدي درعه القتالي الأسود الصارم، لكن ملامحه وعينيه الرماديتين كانتا مختلفتين تماماً؛ فقد بدا البريق النقي والحاد يشع منهما بعد أن زالت الغشاوة المظلمة التي حجبته لسنوات. والصدمة الأكبر التي ألجمت ألسنة الحشود، كانت وقوف "إيلارا" بجانبه، مرتدية ثوبها الرمادي البسيط، وتمسك بيد طفلها الصغير "ليو" الذي كان يقف بثبات ونباهة مذهلة يراقب الحشود بعينيه الحادتين. تعجب الجميع؛ فكيف للبشرية المنبوذة التي هربت كخائنة أن تقف اليوم بجانب الألفا وفي موضع العزة؟ارتفع صوت كاسيان الرعدي الصارم ليشق عنان
مع إشراقة صباح اليوم التالي لانكسار اللعنة، بدا القصر الملكي أشبه بحصن استيقظ من غيبوبة دامت لعامين. لم يعد الألفا كاسيان ذلك القائد الجاف ذا العيون الباهتة؛ بل تحول إلى رجل ينهشه الإدراك القاتل لـكل خطيئة ارتكبها وهو مسلوب الإرادة. دخل في الصباح الباكر إلى جناح "إيلارا" القديم، وكانت عيناه الرماديتان حمراوين من فرط البكاء والسهر الشديد، وجسده الضخم يرتجف بضعف لم يعهده جنوده من قبل.وقع نظره على طفله "ليو" الذي كان يجلس بهدوء فوق مقعده الخشبي الصغير كعادته، يراقب المحيط بنباهته الفطينة الحادة. تقدم كاسيان بخطوات بطيئة ومرتجفة، وسقط على ركبتيه فوق التراب الحجري أمام ابنه، وانهمرت دموعه الساخنة وهو يمد يده دون أن يتجرأ على لمسه، وقال بنبرة رخيمة مخنوقة بالبكاء المرير: "ليو.. صغيري.. أنا أعتذر. أنا والدك الذي حُرمتُ من ضمه، والدي الذي عشتُ سنتين أبحث عن أثره بجنون. لم أكن في وعيي يا بني، كانت هناك أفعى تسلبني عقلي وتملي عليَّ جفائي وقسوتي طوال السنتين الماضيتين.. ارجوك لا تنظر إليَّ بهذا البرود، فدمي يصرخ شوقاً إليك."لم يهرب ليو، ولم يبكِ، بل حدق في عيني والدي النقييتين الآن بنظرة ثاق