LOGINأجلس مدير المختبر ولوتشيان في صدر الطاولة، وقدّم هذا المستثمر "الخيري" للجميع.ولم أعلم إلا آنذاك أنّ هذا الزعيم المافيوي قد غسل ما يقارب نصف أصول عائلته غير المشروعة، وضخّها كلّها في مشروعنا الطبيّ…وكلّ ذلك فقط ليحصل على فرصة الانضمام إلى هذا البرنامج شديد السريّة.أجبرتُ نفسي على الهدوء، أحدّق في الشاشة بملامح جامدة.قال المدير:"لقد قدّم السيد مارينو أكبر تبرّع منفرد في تاريخ مشروعنا البحثي."امتلأت القاعة بتصفيق دافئ. كان زملائي مبتهجين بهذا التدفق الهائل من رأس المال."تمويله سيساعدنا على تسريع اختراقاتنا في تكنولوجيا علاج السرطان.""وآمل أن يحضر الجميع مأدبة الترحيب الليلة."في الساعة الثامنة مساءً، لم يكن أمامي خيار سوى حضور المأدبة.ارتديت قميصًا أبيض بسيطًا وبنطالًا أسود، وشددت شعري في ذيل حصان عفوي.كنت على النقيض تمامًا من النساء الأخريات بفُساتينهنّ المسائية.وقف لوتشيان في وسط قاعة الطعام، مرتديًا بدلة زرقاء داكنة مفصّلة خصيصًا له.كان أنحف من قبل، وعيناه غائرتين، لكن تلك العينين الخضراوين القاتمتين ظلّتا حادتين كما كانتا دائمًا.طوال العشاء، تجاهلت وجوده كليًا، وانش
لم يخطر ببال صوفيا يومًا أن لوتشيان يمكن أن يكون بهذه القسوة.كانت توسلاتها تتحول إلى صرخات هستيرية ممزقة للقلوب.لكن لوتشيان لم يلتفت إليها ولو بنظرة واحدة.بعد “التخلص” من المرأة التي خانت العائلة، أعاد لوتشيان توجيه كل طاقته إلى شيء واحد فقط:البحث عني.سواء استعان بمخبريه داخل الـFBI، أو حرّك شبكة المافيا في الساحل الشرقي بأكملها، لم يجد أي أثر لي.حتى اتصالاته داخل الحكومة الفيدرالية أكدت له:لا يوجد أي سجل باسمي.وكأنني قد مُسحت من على وجه الأرض.ضرب لوتشيان الطاولة بقبضته، فتناثر فنجان الشاي إلى شظايا.صرخ:"هذا مستحيل!كيف يمكن لإنسان حيّ أن يختفي هكذا؟!"في تلك اللحظة، تذكّر السؤال الذي طرحته عليه في ليلة ذكراهما السابعة… حين أقسم أنه لو خانني يومًا، فلن يتمكّن من العثور عليّ مجددًا.والآن، كانت كلماته تتردد كنبؤة لُعنتْ لتتحقق.ثم تذكّر الصندوق الفاخر الذي أعطيتُه له قبل مغادرتي، والذي طلبتُ منه فتحه بعد يومين… في نفس اليوم الذي اختفيتُ فيه.كانت صدمته من رحيلي قد أنسته وجود الصندوق تمامًا.بدأ بصيص أمل يتسلل إلى قلبه المعتم.ربما تركت له دليلًا.ربما كنت أريد م
ذلك النصّ المتعجرف، كما علمت لاحقًا، كان كل ما احتاجه الأمر. ففي اللحظة نفسها، أدرك لوتشيان الحقيقة كاملة.لقد عرف… كانت استفزازات صوفيا هي التي دفعتني إلى الرحيل.اندلعت من صدره ثورة من الغضب، كبركان ينفجر فجأة.أما ندمي الوحيد، فكان أنني لم أكن موجودة لأشهد ما حدث بعدها.لاحقًا، وبعد أن جمعت المعلومات عبر قنوات مختلفة، تمكنت من رسم الصورة الكاملة لتلك الليلة الدامية.قيل إن لوتشيان قاد سيارته بجنون إلى القصر السري الذي كانت صوفيا تقيم فيه.وعندما فتحت صوفيا الباب ورأته، أشرقت عيناها بفرح ظنًا منها أنه جاء ليأخذها معه، معتقدة أنه أخيرًا قد تخلّى عني تمامًا.كانت غارقة في حلم جميل، حلم أن تصبح دونّا عائلة مارينو القادمة.قالت له بحماس:"لوتشيان، هل جئت لتأخذني إلى المنزل؟ سأجهّز أمتعتي فورًا.""كنت أعلم أنك لا تستطيع العيش بعيدًا عني وعن طفلنا."لكن كلماتها لم تكد تخرج من فمها حتى دوّى صوت صفعة قاسية على وجهها، وأمسك لوتشيان بها بقسوة.كان وجهه حالكًا كالظلام، وتفيض منه هالة من غضب قاتل لا يُقاوَم.قال بزمجرة:"صوفيا، من اللعينة التي منحتك الجرأة لتخبري نورا عن علاقتنا؟"وض
في اللحظة التالية مباشرة، بدأ هاتفي بالاهتزاز بعنف.كان الاسم الظاهر على الشاشة: «لوتشيان».أغلقت الهاتف تمامًا.وبما أنني قد قبلت أعلى مستوى من تصاريح الأمان، فقد كان لزامًا عليّ قطع كل صلة بماضيّ.تابعت السيارة سيرها عبر الشوارع المألوفة.كل شبر في هذه المدينة كان يخضع لسيطرة عائلة مارينو، وكل زاوية منها تحمل ذكرياتي مع لوتشيان.لكن الآن… لم يعد أي من ذلك يخصّني.أخرجت بطاقة SIM من الهاتف وألقيت بها من نافذة السيارة دون أي تردد.في اللحظة نفسها، نهض لوتشيان وسط الحشود، دافعًا الجميع بوحشية وغير آبه بصيحات صوفيا المرتاعة، واندفع نحو المكان الذي كانت السيارة تقف فيه.لكن السيارة كانت قد اختفت بالفعل وسط الزحام، ولم يترك مرورها سوى رائحة العادم."لوتشيان، ما بك؟" أمسكت صوفيا كمّه. "هل حدث شيء؟""لا شيء. لنذهب."أجبر نفسه على الهدوء وصعد إلى السيارة من جديد.لكن العقدة التي التفت حول قلبه كانت تزداد إحكامًا.ماذا كانت نورا تفعل هناك؟ ألم تكن في القصر؟وتلك النظرة التي رآها في عينيها عند تقاطع الطريق… نظرة جعلت الرعب يتسلل إلى روحه.بعد وصول السيارة إلى المنزل الآمن، طلب من صوفيا أ
اسودّ وجه لوتشيان على الفور. أمسك بسوفيا من معصمها وجرّها نحو الحديقة الخلفية."هل تسعين للانتحار؟ لقد حذّرتكِ ألا تُظهري وجهك هنا أبدًا! إن علمت شقيقتكِ بأي شيء، فأنتِ تعرفين ما الذي سيحدث!"ذهبتُ إلى نافذة الطابق الثاني، وكانت تمنحني رؤية واضحة لكل ما يجري في الحديقة.كان لوتشيان أشبه بوحش غاضب، يدفع سوفيا بعيدًا بقوة."هل جننتِ؟ أتريدين تدمير العائلة بأكملها؟!"ارتجفت سوفيا ذعرًا تحت وطأة غضبه، وسحبت تقريرًا طبيًا من حقيبتها بيدٍ مرتعشة.حتى من تلك المسافة، استطعتُ سماع كلماتها المتقطعة:"أعلم أنه لم يكن ينبغي لي المجيء… لكنني حامل.""قال الطبيب إن ما حدث ليلة أمس كان عنيفًا جدًا. أنا في الأسبوع التاسع، وحملي الآن عالي الخطورة.""لوتشيان… أعلم أنني لا ينبغي أن أسبب لك المتاعب، لكنني خائفة. هل سيكون الطفل بخير؟ إنه وريثك الأول، مستقبل سلالتك."تلك الكلمات أصابتني كالصاعقة، فمزّقتني تمامًا.شعرتُ وكأن حفرة غائرة قد فُتحت في صدري، تنزف دون توقف.سوفيا… حاملٌ أيضًا بطفل من عائلة مارينو؟تذكرتُ حين ناقشنا مسألة إنجاب الأطفال في سنوات زواجنا الأولى.قال لوتشيان آنذاك إن الإنجا
تتبعتُ موكب لوتشيان حتى وصل إلى نادٍ خاص في الجهة الشرقية من المدينة.لم يكن مفتوحًا إلا لأفراد عائلة مارينو. ولحسن الحظ، عرف الحراس سيارتي، فانحنوا لي باحترام.أوقفت السيارة في الجهة المقابلة للشارع، أراقب من خلال النافذة.وما إن فُتح باب السيارة أمام النادي، حتى رأيتُ صوفيا بفستان أحمر ضيّق وكعب يبلغ عشرة سنتيمترات، تنقضّ على ذراعي لوتشيان كقطة في موسم التزاوج."حبيبي، عرض الطائرات المسيّرة جعلني أغار كثيرًا."ربّت لوتشيان على ظهرها بنبرة تدليل:"ألم تكن الألعاب النارية التي جهزتها لكِ لعيد ميلادك قبل أيام كافية؟ يا كناريتي الطمّاعة.""أيتها الغبية الصغيرة… ستحصلين على كل ما تريدين، لكن ليس الآن.""لقد وعدتكِ… طالما تبقين مطيعة ولا تدعين نورا تكتشف لعبتنا الصغيرة، فكل النفوذ والمكانة التي تملكها هي… ستكون لك يومًا ما."عندما سمعت ذلك، شعرت بطعنة حادة تخترق قلبي… كأن ألف خنجر غرست في صدري دفعة واحدة.تذكرت عرض الألعاب النارية المدهش الذي أُقيم في الجهة الغربية من المدينة قبل أيام.ذلك الليل، قال لي لوتشيان إنه ذاهب لـ"التعامل" مع خائن للعائلة، ولم يعد طوال الليل.قلقت عليه لدرج