LOGINنفذ أمير عهده لأسيل مرت الأسابيع وهو ملتزم بحدود الشراكة العملية في مقر «هوم تيك»، لا يتجاوز الحدود ولا يطرح أي حديث عاطفي. لكن هذا الالتزام كان يكلفه دماراً نفسياً وحزناً مكتوماً، يظهر جلياً في شحوب وجهه وساعات عمله الممتدة حتى الفجر. في المقابل، كانت ندى تحاول بشتى الطرق تقريب المسافات. تدعوه لعدة وجبات عشاء فيتجاهل دعواتها ببرود، تتصل به فلا يجيب، وعندما اقتحمت مكتبه في أحد الأيام، طلب منها المغادرة بصوت جاف وحاسم بحجة انشغاله بالعقود الأوروبية. أدركت ندى أن أمير لا يحبها ولا يطيق وجودها. اتجهت غاضبة برفقة والدتها إلى مجمع الجد عثمان، ووقفت أمامه في الصالة العريضة وقالت بحدة وبكاء: «ابن عمي لا يراني شيئاً يا جدي! يتجاهل اتصالاتي ويرفض مقابلتي ويطردني من مكتبه! إن استمر هذا التجاهل، سأفسخ هذه الخطوبة فوراً ولن أسمح بإهانتي أكثر!» غضب الجد عثمان غضباً شديداً. ضرب عصاه الخشبية على الأرض بقوة، واستدعى أمير إلى المجمع العائلي فوراً عبر هاتف السكرتارية. وصل أمير إلى المجمع العائلي في المساء. دخل المكتب العريض، فوجد الجد عثمان يجلس خلف طاولة الخيزران وملامحه تفيض بالغضب الشديد. قال
اقترب أمير فجأة، وكأن شيئاً بداخله انفجر. أمسك بخصرها بقوة، وسحبها نحوه في حركة واحدة حادة، ثم غطى فمها بفمه قبل أن تتمكن من النطق بكلمة كانت قبلته قوية، جائعة، مليئة بحرارة مكتومة شفتاه تحرقان شفتيها، ولسانه يبحث عن مدخل بجرأة، يمتزج أنفاسهما في نفس واحد ساخن.. ارتخت كتفها، وارتفع صدرها نحوه، وأصابعها تشبثت بقميصه بحرارة فمه تنتقل إلى عنقها، ثم إلى أسفل بطنها، وكأن قبلة واحدة كافية لتشعل كل شيء بداخلها. طعم شفتيه، ورائحة عطره القريبة، وضغط جسده القوي عليها... .....فجأة استعادت وعيها رفعت أسيل يدها بسرعة وقوة، وهوت بكفها على وجه أمير بصفعة مدوية طن صداها في أرجاء المكتب. دفعته بيديها في صدره بكل قوتها لتبعده عنها عدة خطوات. وقفت أسيل تتنفس بسرعة، وجسدها يرتجف من الغضب، وقالت بصوت خفيض وحاد: «استعد وعيك فوراً! هل جننت يا سيد أمير؟! أنا لا أحبك، ولست معجبة بك، ولا تهمني أوهامك! أنت رجل خاطب ومحكوم بزفاف قريب... اخرج من مكتبي فوراً خطا أمير نحوها خطوة حازمة، وأمسك بيدها المرفوعة بصلابة ودون قسوة. نظر في عينيها بنظرات ثابتة وقاطعة، وقال بصوت جاد يفيض بالتحدي: «ما حدث قبل ثوانٍ فق
ساد الصمت لثوانٍ معدودة بعد كلمات أمير الأخيرة. فهمت أسيل مقصده المباشر، واشتعلت وجنتاها بحرارة الارتباك والخجل. لكنها استجمعت ثباتها فوراً، وصححت وقفتها، وقالت بصوت جاف ونبرة يملؤها الكبرياء: «كيفما كان الأمر... أظنك يا سيد أمير قد تأخرت كثيراً. أنت الآن رجل خاطب ومحكوم برباط رسمي.» وقف أمير عاجزاً عن الرد، وعيناه معلقتان بملامحها. وقبل أن ينطق بكلمة واحدة، ارتفع صوت الجد عثمان من وسط القاعة يناديانه للتقدم نحو منصة الحفل لتقديم خاتم الخطوبة لندى. استدار أمير بخطوات ثقيلة. ووقفت أسيل في زاوية الشرفة الفاخرة، ترقب أمير وهو يضع الخاتم في إصبع ندى، وسط تصفيق الحضور وفرحة الجد عثمان الشديدة. شعرت بوعكة حزن وثقل صامت يجتاح صدرها، ومرارة تضغط على حلقها. لكنها لم تظهر أي ضعف، وأكملت الحضور حتى نهاية المراسم، ثم انسحبت بوقار وثبات. عادت أسيل إلى فيلتها اتجهت نحو غرفة طفلها آدم. كان مستغرقاً في نوم عميق، وشعره الناعم ينهمر على جبينه. جلست أسيل على حافة السرير، وتأملت وجهه الصغير لدقائق طويلة. مسحت على رأسه برفق، وهمست لنفسها بصلابة ومرارة مكتومة: «يبدو أنني لا أملك حظاً في العاطفة
توقفت سيارة الرانج روفر السوداء الفاخرة أمام باب المبنى. نزلت أسيل بخطوات واثقة، وأمسكت بمقبض العربة التي يرقد فيها آدم. كانت ابتسامة الرضا ترتسم على وجهها وهي تستشعر ثمرة كفاحها واستقلالها المالي. وفي نهاية الأسبوع، أخذت طفلها والمربية في رحلة خاصة إلى منتجع فاخر خارج لندن للتنفس والاسترخاء. مرت سنة كاملة على عودة أسيل واستلامها إدارة المبيعات. استطاع فرع لندن تحت إدارتها الحازمة حصد عقود إقليمية ضخمة، متجاوزاً الإيرادات المشترطة للملايين الخمسة بكثير. أقيم الحفل السنوي للشركة في إحدى أكبر قاعات العاصمة. صعد أمير المنصة الرئيسية، ووقف أمام الحضور وقال بنبرة جادة ومحترفة: «يسعدني أن أعلن اليوم رسمياً عن دخول السيدة أسيل كشريكة رسمية برأس المال والأرباح في فرعنا الأوروبي، بعد أن أثبتت أن الكفاءة والنتائج هما الأساس المالي الحقيقي للنجاح.» تلقى الحاضرون الإعلان بالتصفيق، ونظرت أسيل إلى أمير بامتنان ورزانة، وهي تدرك أن مكانتها أصبحت راسخة بقوة مالها وجهدها. توالت النجاحات سريعة ومرت سنتان إضافيتان. في أحد الاجتماعات الاستثمارية الكبرى، اقترحت أسيل على أمير توسيع الشراكة وافتتاح فرو
مر شهر كامل على ولادة آدم، و الصيف في لندن بأجوائه المشمسة. خرجت أسيل تدفع عربة طفلها الصغير بجوار إسراء في الحديقة المطلة على النهر. كان الهواء عليلاً، وأشعة الشمس تنعكس على سطح الماء الهادئ. توقفت إسراء عند دكة خشبية، والتفتت نحو أسيل بابتسامة واسعة: «أسيل... أريد أن أُعرّفكِ على شخص مهم جداً في حياتي.» اقترب شاب طيب الملامح، يرتدي قميصاً أبيض أنيقاً، وسلّم باحترام ورزانة. تبادلوا أحاديث قصيرة وممتعة حول الحياة في لندن. شعرت أسيل بالطمأنينة لأجل صديقتها، واستمتعت بالهدوء الصيفي وسط ضحكاتهم البسيطة قبل أن تستأذن للعودة. في طريق العودة إلى الشقة، مرت أسيل أمام معرض ضخم للسيارات الفاخرة. توقفت خطواتها أمام الواجهة الزجاجية العريضة، وتأملت سيارة «رانج روفر» سوداء وفاخرة ذات تصميم مهيب. انحنت أسيل نحو عربة طفلها، ونظرت إلى وجه آدم المستغرق في النوم، وقالت له بصوت خفيض ونبرة تفيض بالقوة والثقة: «أمك يجب أن تحقق هدفها الثاني يا آدم... هاته السيارة في انتظارنا لتليق بمكانتنا القادمة.» في المساء، أصلحت أسيل جلستها في الصالة، وسحبت هاتفها. اتصلت بأمير بعد انقطاع دام أسابيع. رد أمير ف
وصلت نجلة إلى لندن في بداية الشهر التاسع من حمل أسيل. الجو صيفياً معتدلاً، والشمس تشرق على المدينة بنور هادئ. أضفت زيارة نجلة دفئاً خاصاً على الشقة، وانضمت إليها إسراء لتكتمل حلقة الدعم حول أسيل. رغم إرهاق الحمل المتقدم، خرج الثلاثي في جولات هادئة بين حدائق لندن ومقاهيها المفتوحة، وسهرات منزلية ملؤها الطعام الدافئ والأحاديث البسيطة . لكن أسيل كانت تشرد أحياناً، وتستعيد في ذهنها تفاصيل المقر وحركة العقود. في إحدى الليالي الصيفية، جلست الفتيات في الصالة حول كؤوس عصير بارد. فتحت إسراء موضوع العلاقات العاطفية الفاشلة وتجارب الخيبة السابقة، ثم التفتت نحو أسيل وقالت بابتسامة ناعمة: «الماضي انتهى يا أسيل... لكن هناك من يحاول إضاءة حاضركِ هنا في لندن.» تطلعت نجلة باهتمام وسألت: «حقاً؟ عن من تتحدثين؟» ابتسمت إسراء وقالت: «أسيل تملك صورة مميزة جداً يظهر فيها شخص ينظر إليها باهتمام غير عادي.» سحبت نجلة هاتف أسيل الملقى على الطاولة بفضول، وفتحت الاستوديو لتشاهد صورة أسيل وأمير بالزي الكوري التقليدي «الهانبوك». اتسعت عينا نجلة بذهول، وقالت: «هذا الشاب أنيق ووسيم جداً يا أسيل! وعيناه







