Home / الرومانسية / اللقاء المجنون / السادس والثمانون

Share

السادس والثمانون

Author: Noona
last update Petsa ng paglalathala: 2026-06-29 21:04:47

شقت السيارة الربع نقل الزرقاء غبار الطريق الساحلي لالدلتا، متجهة بأقصى سرعتها من قناطر دهتورة المحاصرة بزفتى نحو مصب فرع دمياط في رأس البر. كان الفضاء الفسيح ممتداً بين مزارع الدقهلية وقنواتها المائية المترابطة، وكأن كل ترعة صغيرة تجري في الطين هي شريان يضخ الحياة في جسد هذا الوطن.

داخل مقصورة السيارة، كانت الحقيبة الجلدية مستقرة بين يدي سارة، والختم المرجعي الخديوي الخالص يرقد في جوفها محاطاً بالدفتر الأسود والوثائق المستعادة. بجانبها، كان عماد يمسك بدفتره، يراقب الأفق عبر الزجاج الأمامي حيث بدأت السماء تتلبد بغيوم داكنة محملة بأمطار الغرب، منبئة بصدام وشيك على حافة المصب البحرى.

رن جهاز اللاسلكي العسكري المثبت بالسيارة، وانطلق منه صوت عالية المصرلي من غرفة عمليات وكالة البلح بالقاهرة، مشحوناً بتدفق رقمي هائل:

"عماد، سارة.. كارتل شانغهاي بالتنسيق مع الدوق لويس دي ميرابو مش مستنيين وصولكم دمياط! السيرفرات الآسيوية المرتبطة بـ 'صندوق تانغ السيادي' بدأت الليلة عملية تسييل وهمية لسندات تجارية قديمة تعود لعام 1912، تحت مسمى 'حقوق تنظيم الملاحة عند مصب النهر'. هما أرسلوا الآن سفينة حاويات عملاقة اسمها **'تنين الشرق' (Eastern Dragon)**، السفينة دي دخلت المياه الإقليمية وبدأت في المناورة للإغلاق العرضي للمجرى الملاحي لميناء دمياط!"

أخذ كريم رفعت الميكروفون وهو يضغط على مكابح السيارة لتفادي شاحنة نقل ثقيلة عند مدخل مدينة شربين:

"عالية.. إيه الغطاء القانوني اللي بيتحركوا بيه؟ إحنا قفلنا بوابات الطوارئ التناظرية في زفتى وقطعنا شفرة ميرابو!"

رد صوت عاصم الجارحي بصرامته المعهودة:

"الغطاء المرة دي هو 'صك الامتياز البحري لشركة هندسة الموانئ العالمية' الموقّع في باريس وقت حفر وتعميق المصب القديم. الصك ده بيدي الشركات الأجنبية حق 'الرهن السيادي للمجرى' في حالة تعثر الوفاء بالقروض التاريخية لبلدية دمياط القديمة. الحل الوحيد هو تفعيل **'مكتب السجلات التناظرية بمحكمة دمياط العتيقة'**.. هناك نسخة الدفتر رقم 4 الذي يحتوي على شفرات الإبراء المالي المباشر الموقعة من الخديوي عباس حلمي الثاني شخصياً!"

 في قبو محكمة دمياط.. سر الدفتر رقم 4

وصلت المجموعة إلى قلب مدينة دمياط العريقة. كانت الشوارع الضيقة المحيطة بالنهر تعج بالحركة؛ ورش الأثاث، رائحة الخشب، ووجوه الصُناع العفيفة التي تحمل سمرة الطمي واليقين. اتجهوا مباشرة صوب مبنى المحكمة القديم المطل على النيل، وهو مبنى حجري شُيد في أواخر القرن التاسع عشر ويحمل طابعاً معمارياً مختلطاً.

هناك، كان بانتظارهم شيخ هرم، يرتدي جلباباً صوفياً أسود وعمامة بيضاء، يحمل في جيبه سلسلة مفاتيح حديدية ضخمة.. إنه **"الشيخ عبد الحفيظ النجار"**، حارس قبو السجلات الشرعية للمحكمة منذ نصف قرن، وسليل الأسرة التي حفظت دفاتر التمليك من الحرائق والحروب.

"أهلاً بأبناء مصر،" قال الشيخ عبد الحفيظ بصوت متهدج وهو يقودهم عبر درج حجري لولبي ممتد نحو سراديب المبنى السفلي. "الكشكول الأخضر الذي تبحثون عنه ارتبطت صفحاته دائماً بما دفنه جدي هنا. الدوق لويس دي ميرابو كان يظن أن وثائق باريس لا تقهر، لكنه نسى أن الإبراء المالي الخديوي سُجل هنا بالمداد الطبيعي لعام 1912."

فتح الشيخ عبد الحفيظ باباً حديدياً ثقيلاً تفوح منه رائحة الورق القديم والكتان. وفي الركن الأبعد، داخل صندوق من خشب الزان المصفح، كان يقبع الدفتر رقم 4.

ولكن، وقبل أن تمتد يد عماد لسحب الدفتر، تحطمت النوافذ الزجاجية العلوية للقبو بفعل قنابل صوتية حارقة! انبعث دخان كثيف، واقتحم السرداب مجموعة من الرجال الملثمين يرتدون ملابس الغوص التكتيكية، يقودهم **"القبطان تشينغ لو"**، الخبير اللوجستي لـ "صندوق تانغ" في الشرق الأوسط.

 صدام السرداب وحقيبة سارة

"لا تتحركوا!" صاح تشينغ لو بالعربية وبلكنة حادة وهو يوجه جهاز مسح ضوئي ليزري نحو صندوق الزان. "هذا الدفتر ينتمي قانونياً للمنظومة الدولية الموازية بموجب أمر التحفظ الصادر من بورصة شانغهاي الليلة. أي محاولة لتعطيل البث الرقمي ستعتبر اعتداءً على الأصول التجارية العابرة للقارات!"

تقدم منصور الطوبجي بغضب عارم، ورفع عتلته الحديدية بجسده الضخم ليغطي على عماد وسارة:

"الأصول دي بتاعة الغلابة اللي زرعوا وعملوا المينا دي بدمهم يا ابن تانغ! عتلة منصور ما بتعرفش صكوك أجنبية، والحديد هنا هيرد على الليزر بتاعكم!"

انقض منصور بالعتلة على أول المقتحمين، ليحطم جهاز المسح الليزري في ثوانٍ معدودات وسط تطاير الشظايا الرقمية. وفي نفس اللحظة، كانت شمس السيناوية ونادين الشاذلي تؤمنان المخرج الخلفي للقبو مستخدمتين مهارات التمويه البدوي وهندسة المواقع.

أمسكت سارة بالحقيبة الجلدية بقوة، وصاحت بعماد: "عماد! افتح الدفتر رقم 4 حالا وثبت الختم المرجعي الخديوي فوق الصفحة 112! مريم وعالية مستنيين الإشارة على السيرفر المحلي لهيئة الميناء!"

تحت سحب الدخان وطلقات التحذير، وضع عماد الختم المرجعي فوق الحبر القديم للدفتر رقم 4. تفاعلت المادة المعدنية للختم مع الأختام المدموغة التاريخية، لتنطلق إشارة ترددية تناظرية التقطتها وحدة البث اللاسلكي التي نصبتها نادين الشاذلي بسرعة فائقة.

| جبهة "صندوق تانغ" وباريس (التكنوقراط الدولي) | جبهة الإسناد والتطابق التاريخي (الأبطال) |

| سفينة الحاويات "تنين الشرق" وعقود 1912 | الدفتر رقم 4 والختم المرجعي الخديوي الخالص |

| أجهزة المسح الليزري الرقمي وأوامر التحفظ الفضائية | عتلة منصور الطوبجي، ويقين الشيخ عبد الحفيظ |

| محاولة إعلان مصب دمياط منطقة اقتصادية حرة أجنبية | شفرات الإبراء المالي لعصر عباس حلمي الثاني |

 في رأس البر.. حيث يمتزج النهر بالبحر

فر تشينغ لو ورجاله عبر الأنفاق المائية المؤدية للمجرى النيلى بعد فشل مهمتهم في السرداب، لتنتقل المعركة فوراً إلى المصب النهائي في رأس البر. انطلقت الشاحنة الزرقاء تتبعها سيارات الجهات السيادية نحو منطقة "اللسان"، تلك البقعة السحرية الفريدة حيث ينتهي مجرى نهر النيل العذب ليمتزج بمياه البحر الأبيض المتوسط المالحة.

كان المشهد هناك مهيباً؛ أمواج البحر تتلاطم بعنف مع تدفق النيل، وفي الأفق القريب كانت سفينة الحاويات العملاقة "تنين الشرق" قد بدأت بالفعل في الانحراف بعرض المجرى الملاحي، مطلقة صافرات تحذيرية ضخمة تزلزل أركان المدينة الساحلية.

وعلى الرصيف الحربي للميناء، كان المهندس إتيان دي ميرابو يقف بجانب وحدة تحكم فضائية متطورة، يتلقى التعليمات مباشرة من والده الدوق لويس في باريس.

"لقد وصلتم لنهاية الأرض يا عماد!" هتف إتيان عبر مكبر الصوت وهو يرى تقدم الأبطال نحو اللسان. "السفينة لن تتحرك، والتحكيم الدولي في شانغهاي بدأ الآن بث قرار الوصاية الاقتصادية الشاملة على مصب دمياط وفروع الدلتا!"

تقدم عماد وسارة وشمس السيناوية حتى حافة اللسان الخرساني. فتح عماد دفتره الجلدي الصغير وسط رذاذ الموج المالح والمياه العذبة المتداخلة، وتحرك قلمه الجاف الأسود لا يعرف التعب، يخط كلمات تنبض بحق الأرض والدم:

> *"هنا عند اللسان، حيث ينهي النيل رحلته الطويلة ليحتضن البحر، تتكسر أوهام الكارتلات الدولية وسنداتهم المزورة. هم يملكون شاشات التداول وسفن الحاويات، ونحن نملك التاريخ المحفور في طمي هذه الأرض وملح شواطئها. الدفتر رقم 4 والختم المرجعي الخديوي ليسا مجرد ماضٍ، بل هما الحاضر والمستقبل الذي يثبت أن هذه المياه ستبقى حرة، تجري بأمر أصحابها ولصالح أبنائها، وأن جدار حمايتنا السيادي لن يخترقه قرصان أجنبي ما دام فينا قلب ينبض

 الزلزال المالي المرتد وأفق ممتد بلا نهايه 

بمجرد أن أتمت مريم وعالية في القاهرة دمج إشارة الدفتر رقم 4 التناظرية مع منظومة الاتصالات الدولية للملاحة البحرية (IMO)، حدث ما لم يتوقعه الدوق لويس ولا سماسرة شانغهاي.

ظهرت على شاشات وحدة التحكم الخاصة بإتيان دي ميرابو ومساعديه ومضات حمراء متتالية، تلاها انهيار كامل في أكواد التشفير الفضائية. انطلقت صافرة الطوارئ من داخل سفينة "تنين الشرق"، وبدأت محركاتها الضخمة تعمل في الاتجاه العكسي لتعديل مسارها والانسحاب الفوري نحو المياه الدولية بعد صدور أمر بحري دولي عاجل بإلغاء رهن المصب والتحفظ على السندات بتهمة القرصنة السيادية!

تعالت صيحات الفرح والتهليل من صيادي دمياط وعمال الميناء الذين أحاطوا بالأبطال، بينما كان منصور الطوبجي يرفع عتلته الحديدية نحو السماء كرمز لصمود الحارة والبلد أمام قوى المال العالمية.

التفتت سارة إلى عماد، وعيناها تعكسان ضوء الشمس الجديد الذي بدأ يخترق الغيوم ليتلألأ فوق نقطة التقاء النهر بالبحر. أمصكت بيده برقة دافئة تفيض بالعاطفة والشجاعة واليقين، وقالت بنبرة مليئة بالشغف اللامتناهي:

"المعركة مابتنتهيش يا عماد.. طول ما العالم ده فيه طمع، الأرض دي هيفضل ليها حراس يحموها. بس القلم في إيدك، والكشكول لسة مفتوح."

نظر عماد إلى وجهها القمحي الصارم المبتسم، ثم التفت نحو الأفق الشاسع حيث يمتد البحر ممتزجاً بالنيل. سحب دفتره الجلدي، وترك القلم معلقاً في صفحته الأخيرة، معلناً أن الملحمة مستمرة، تتشابك فيها جغرافيا الوطن بدماء البشر، وتتحرك الأحداث وتتطور وتتصاعد وتترابط عبر المحافظات والموانئ والمضايق، دون أن ترسم في الأفق أي نقطة ختام، حية كروح هذا الوطن العظيم، وعصية على الانكسار للأبد

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • اللقاء المجنون   الثامن والتسعون

    انعكاسات ألوان الشفق الهادئ على المجال الريفي لليل خلفية شديدة الصعوبة والوضوح فوق المزرعة الشرقية. لم يكن هذا الليل كغيره من الليالي؛ لقد كان الصمت بسيطا الذي يعقب العازفة الكبرى، وسارت حركة قنوات الري المبطنة تنساب برقة شديدة كعزف منفرد يروي قصة التلاحم والاختبارات الكاملة الذي توافر في جنبات هذه الأرض الحرة. في راحة المنزل، غرفة نوم مفتوحة، ستائر تفيض ناعمة بالطمأنينة والرضا النفسي العميق. كان عماد يجلس بدقة إلى مقعده خشبي، ووضعها كشكوله جلدي على الركبيه، وبجانبه كانت سارة تلفيف جدائل شعرها الأسود الرائع، ووجههاي المطبخ يشع بنور البهجة الصافية والنضج الفريد الذي صهرته الأيام وحولته إلى طاقة بناء لا تعرف الكل. كان بارزا في مكان بارز في الجدول، وداخلها الختم المرجعي الخديوي الخالص الذي تحول كأداة لمطاردة الصراع إلى صك أبدي للأمن وسيادتها ومخازن الأطعمة للوطن. سارة بيد عماد برقة وعاطفة جياشة تلمس الوجدان، وضغطت عليها بنبضة تحمل كل معاني الارتباط الروحي والعهد غريني، وجلست إلى ريدتين صافي بنبرة عذبة منخفضة تنافس حفيف أوراق الشجر الكثيفة والليمون.. اللحظة دي هي البداية لكل حاجة حلمنا

  • اللقاء المجنون   السابع والتسعين

    أغلقت سارة دفتراً صغيراً من الورق المقوى كانت تسجل فيه مواعيد تفتح زهور الليمون في الباحة الخلفية، ورفعت عينيها نحو الأفق الممتد حيث تلتقي خطوط المزارع الخضراء بلون السماء البرتقالي الدافئ عند مغيب الشمس. لم يعد للوقت ذلك الإيقاع المتسارع الذي يفرض التوجس؛ بل باتت الساعات تنساب برقة وطمأنينة تامة تعكس عمق الاستقرار والانسجام الذي حققه الأبطال في واحتهم الريفية الهادئة بمحافظة الشرقية.كان عماد يجلس على المقعد الخشبي المريح، يتابع حركة مياه الترعة المبطنة التي تعكس الشفق برفق سيادي مبهر. كان كشكوله الجلدي مستقراً بين يديه، والقلم الجاف الأسود يتحرك بسلاسة ونضج يسجل تفاصيل هذا التطور الطبيعي والهادئ للأحداث والمشاعر. بجانبهما، استقرت الحقيبة الجلدية الشهيرة فوق منضدة خشبية من صنع منصور، ينبعث من جانبها عبق البخور البلدي برائحة الصندل والمستكة التي تملأ الوجدان بطاقة إيجابية مبهجة تذيب كل ذكريات الماضي وتفتح النفس لآفاق لامتناهية من الأمل.أمسكت سارة بيد عماد وضمتها إلى قلبها برقة وعاطفة جياشة تفيض بالود والشغف، ونظرت إلى ملامحه القمحية المستقرة وقالت بنبرة عذبة تنافس حفيف أوراق أشجار ال

  • اللقاء المجنون   السادس والتسعين

    تلفزيون أفق شرقي مختلط مع الشفق الفضي والوردي، حاملاً معه سمات ليلية ليلية أنعشت جنباً إلى جنب مع المنزل الريفي العتيق. غابت الشمس وراء ما يكفي من البحث موسع النخيل، تركت المكان لسكينة الخلفيات تلتهم الأرض فيها بالسماء في اخترع كامل. ولم تعد هناك سيارات ربع نقل تنطلق على عجلة، ولا أجهزة بث لاسلكية وبرامج؛ بل حل مكان ذلك وهي صوت كامل سواقي داخلي تدور داخلها، معلنةً الاشتراك في الطمأنينة على هذه الوجبة الغالية من أرض الدلتا. في المنزل المسطح في الحديقة، كان عماد يجلس مباشرة إلى خشبي عتيق، ماداً قدميه براحة لم يبدؤها منذ سنوات. الكشكول الجلدي الصغير كان مستقراً فوقها، لكن صفحاته لم تعد تسجل تجارب للخطط السيادية، بل أصبحت واحة تشهد المشاعر المتدفقة واللقاءات الإنسانية النبيلة. بجانبه، كانت سارة ترتدي ثوباً قطنياً ناصع البياض يتماشى مع صفاء روحها، ممسكة بوعاء فخاري صغير تنبعث منه رائحة البخور الممزوج بالمسك والعنبر، لتنشر في المكان جاءت واحة نفسية غمرت قلوب الجميع. كاتت سارة بيد عماد، وضغطت عليها برقة وعاطفة جياشة تفيض بالحب واليقين، وشعرت نبضات قلبيهما قد تخلصت ، من تشنج الأيام الخوالي،

  • اللقاء المجنون   الخامس والتسعون

    انسابت مياه الترعة المبطنة حديثاً أمام باحة المنزل الريفي بالشرقية كشريط من الفضة السائلة تحت أشعة الضحى الدافئة. تلاشت بالكامل أصوات صافرات التحكم اللوجستي، وحلت محلها زقزقة العصافير التي اتخذت من أشجار الجوافة والليمون ملاذاً آمناً. لم يعد هناك بروتوكولات عاجلة أو خطوط نقل تتطلب الحسم الفوري؛ بل ساد المكان هدوء عميق، هدوء حقيقي وواقعي يشبه طمأنينة الأرض بعد موسم حصاد وفير.كان عماد يجلس مسترخياً على مقعده الخشبي ذي المساند الخوصية، واضعاً كشكوله الجلدي المفتوح على ركبتيه. تحرك قلمه الجاف الأسود بسلاسة وبطء، لا ليسجل أرقاماً أو بنوداً قانونية، بل ليدوّن تفاصيل اللحظة؛ حركة أوراق الشجر، وانعكاس النور على صفحة الماء، ودفء النسمات التي تحمل عبير الياسمين البلدي. وبجانبه، كانت سارة تجلس على مقعد مقارب، تلف جدائل شعرها الأسود بعناية وهدوء، ملامحها القمحية تخلصت من كل أثر للتوجس القديم، وحلّت محلها سكينة روحية عميقة تفيض بالبهجة والرضا.أمسكت سارة بيد عماد، وضغطت عليها برقة وعاطفة جياشة تلوح في الأفق كشروق الشمس، ونظرت إلى عينيه الصافيتين قائلة بصوت هادئ ينافس حفيف أوراق الجميز العتيقة:"ع

  • اللقاء المجنون   الرابع والتسعون

    انطلق قطار البضائع السريع على الخط الحديدي الموازي للمدرسة، يطلق صافرته الرزينة التي تتردد أصداؤها عبر قنوات الري، معلناً بداية مرحلة جديدة من تدفق الموارد والإنتاج؛ مرحلة تخلو من الصراعات العبثية وترتكز بالكامل على التنمية اللوجستية والربط المؤسسي الواقعي.تنفس عماد بعمق وهو ينظر إلى الصفحة التي جف حبرها للتو في كشكوله الجلدي، ثم التفت إلى سارة التي كانت تتابع بعينيها حركة الشاحنات الخفيفة وهي تنقل الشحنة الأولى من طواجن الفخار المعقمة وزجاجات الزيت الحيوي المعتمدة إلى منافذ التوزيع الرسمية. لم يعد هناك مكان للارتجال؛ فالترابط بين التاريخ والواقع أصبح بروتوكولاً إدارياً صارماً تديره عقول تكنوقراطية شابة تؤمن بأن السيادة تُبنى بالعمل المنظم والتدقيق اليومي.أمسكت سارة بالملف الأزرق المخصص للتوثيق الجغرافي، ونظرت إلى عماد بعينين تشعان بطاقة وعزم متجدد وقالت بصوت هادئ يحمل ثقة المحارب الذي استقر في خندق البناء:"الخطوة الجاية يا عماد مش مجرد تدريب للطلاب؛ إحنا بنربط المنظومة التناظرية لـ 'مدرسة الأرض الطيبة' بشبكة الحماية اللوجستية الكبرى في شركة شرق الدلتا للنقل. الختم المرجعي اللي اعت

  • اللقاء المجنون   الثالث والتسعون

    أشرقت شمس الدلتا من جديد، دافئةً ووادعة، لتغمر البيوت الريفية المتباعدة في كفر الشيخ والشرقية بفيض من الضوء النحاسي الذي يغسل أوراق شجر الجوافة والليمون. لم تعد عقارب الساعة تلاحق الأبطال بنبضات الخطر، بل باتت تتحرك بتناغم شديد مع حركة الطبيعة وهدير المياه في الترع المبطنة حديثاً، والتي تمد الحقول بالخير والأمل المستدام.في باحة المنتدى، كان عماد يجلس مستنداً إلى جذع شجرة جميز عتيقة، واضعاً كشكوله الجلدي على ركبتيه. لم يعد حبر القلم الجاف الأسود يركض وراء الشفرات الرقمية أو خطوط الهروب، بل كان يتدفق بهدوء، كمن يسجل جردة حساب للروح بعد رحلة طويلة من الصمود والتحدي. وبجانبه، كانت سارة تلف جدائل شعرها الأسود بعناية، وقد ارتسمت على وجهها القمحي ملامح نضج فريد؛ نضج صهرته المعارك القديمة وحوله إلى طاقة سلام داخلي تشع بهجة ونوراً على كل من حولها.أمسكت سارة بيد عماد برقة وعاطفة تلوح في الأفق كشروق الشمس، وضغطت عليها بنبضة دافئة تحمل كل معاني الارتباط الروحي والعهد الأبدي، وهمست له بصوت منخفض ينافس حفيف الشجر:"عارف يا عماد.. التطور اللي حصل في مشاعرنا وحياتنا في الكام شهر اللي فاتوا بيخليني

  • اللقاء المجنون   الثالث والخمسون

    لم يعد الكشكول مجرد صفحات محتواة بين غلافين؛ لقد انفرط عقد القيد الفيزيائي، وتحولت الورقة إلى أفق ممتد لا يعرف الشرق أو الغرب. مع كل ضربة من قلمهما المزدوج، كان الفضاء النصي يتسع ليخلق تضاريس جديدة بالكامل. الحبر الأسود الممتزج بالفضة الحية سال كأنهارٍ من المعاني العميقة، يشق طرقه عبر وديان السطور،

  • اللقاء المجنون   الثاني والخمسون

    انفتح المدى اللانهائي في عمق الشق الثالث، ولم يعد الفراغ مجرد مساحة بيضاء صامتة، بل تجسد كبحر من الحبر السائل الساخن الذي يغلي بالأبجديات المنسية والقصص التي أُعدمت قبل أن تُكتب. في هذا المركز العصيب، حيث الجاذبية ليست سوى فكرة وهبها مالك كتلة هندسية وتناساها، شعر عماد بثقل كل حرف يخطه. لم يعد القل

  • اللقاء المجنون   الحادي والخمسون

    المجسات الرمادية (العدم) لم تستسلم، بل غيّرت استراتيجيتها. حين عجزت عن محو الحروف الذهبية التي خطّها مالك، بدأت في **تحريفها**. * كلما كتب مالك كلمة *"مقاومة"*، أعادت الألياف الرمادية صياغتها لتصبح *"استسلام"*. * كلما صرخ عماد بذكرى قديمة ليعيد تثبيت الواقع، قام الفراغ بخلطها بذكريات الضحايا الآخ

  • اللقاء المجنون   الخمسون

    اشتدّت القبضة الرمادية على ساقي عماد، وبدأ جسده المستعاد يتخلى عن ثقله البشري، مائلًا نحو الشفافية والعدم. شعر بأنفاس الفراغ النهمة تسحب ذكرياته الطفولية، وصور شوارع مدينته القديمة، مفرغةً إياه من ماهيته.وفي تلك اللحظة التي تلاشت فيها المسارات تمامًا، التقت عينا عماد الغارقتان في الخوف بعين مالك ا

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status