Masukاستقرّينا في مدينة ساحلية هادئة.عُيّنتُ مستشارةً للأخبار الدولية في مؤسسة إعلامية مشهورة، بينما افتتح حليم القاضي مستشفاه الخاص.قررنا الزواج، واقتصر حفل الزفاف على أقرب أفراد العائلة وعددٍ قليل من الأصدقاء المقرّبين، وأُقيم في جزيرة بحرية.في يوم الزفاف، كانت الشمس مشرقة ونسيم البحر لطيفًا.ارتديتُ فستانًا أبيض بسيطًا من الساتان، وشعري مرفوع بخفة. نظر إليّ حليم القاضي، وكان في عينيه حنان ويقين يفوقان ألف كلمة.بدون طقوس معقدة، تبادلنا عهودًا بسيطة أمام شهود من الأهل والأصدقاء.وفي اللحظة التي أعلن فيها المأذون انتهاء المراسم، وقبل أن ينحني حليم القاضي ليقبّلني، اندلعت ضجة خارج ساحة الحفل وصراخ أجشّ هستيري."لينا هل ستتزوجين؟ كيف لك أن تتزوجي شخصًا غيري؟!"اتجهت أنظار الجميع نحوه. رأيتُ ذلك الشخص الذي أوقفه رجال الأمن عند البوابة.كان منير السعدي.كدتُ لا أتعرف عليه.جسده الذي كان يومًا مستقيمًا أصبح منحنيًا، شعره أشعث، ملابسه غير مرتبة، وعيناه غائمتان ومليئتان بالجنون.حدّق بي بتمعن."من هذا؟"عبس حليم القاضي، وحماني خلفه غريزيًا، دون أن يتعرف عليه."شخص لم يعد له أي علاقة بي منذ زمن
منذ ذلك الحين، لم يظهر منير السعدي في حياتي مجددًا حقًا.سمعتُ أنه أُعيد قسرًا إلى بلاده على يد عائلته، لكنني لم أعد أهتم.امتلأت حياتي بأمور أوسع وأثقل، لكنها أكثر قيمة.وأصبحت مراسلة حربية كما تمنيت.بعد تخرّجي في هولندا بتفوّق، تطوعتُ للذهاب إلى أرجاء العالم المليئة برائحة البارود وأصوات البكاء.في شوارع سوريا المدمّرة، سرتُ جنبًا إلى جنب مع المدنيين الفارّين في ذعر.وسط الرياح الجبلية الجافة في أفغانستان، وثّقتُ وجوه الجنود المتعبة والحائرة.في خنادق أوكرانيا المغطاة بالثلوج، استمعتُ إلى شوق الجنود الشباب إلى وطنهم.رأيتُ الكثير من العيون الفارغة بعد أن فقدوا كل شيء.وأيادي مرتجفة تبحث عن أحبّتها بين الأنقاض.وزهورًا برّية ما تزال تكافح من أجل التفتح وسط وابل الرصاص.وكذلك بريق الإنسانية الخافت الذي لا يزال يلمع حتى في أقصى درجات اليأس.هذه التجارب محَت آخر أثر من ملامح فترتي كفتاة شابّة.ازدادت بشرتي خشونة بسبب الرياح والرمال، لكن نظرتي أصبحت أنقى وأكثر ثباتًا.كنت أنقل الحقيقة، وأوصل المعاناة، وأوثّق الصمود.وفي كل مرة أعود فيها من مهمة على حافة الموت، كنتُ أُقدّر الحياة وأُثمّن
في زاوية الصورة، شقّت ابتسامة مشرقة عالمه.إنها لينا العالي!وفي لحظة، تلاشت الأوهام التي كانت تُطارده كطوفان.حدّق بشدة في تلك الابتسامة الضبابية، وعادت عيناه الجافتان تشتعلان من جديد.لقد عثر عليها!أخيرًا عثر عليها!حجز فورًا أول رحلة متجهة إلى هولندا، وعلى متن الطائرة ظلّ يتخيل مشهد لقائهما مرارًا وتكرارًا.كان يريد أن يخبرها أنه أخطأ، وأنه نادم، وأنه لا يستطيع العيش بدونها.كان يؤمن أنه بما دام صادقًا بما يكفي، ما إن يظهر أمامها، فإن لينا العالي التي لطالما كانت تتبعه منذ الصغر، ولم يكن في عينيها سواه، ستلين حتمًا.عند مدخل ذلك المقهى، عندما رآها بالفعل أخيرًا حيّةً أمامه، عاد قلبه المضطرب، القريب من الانهيار، إلى الواقع فجأة.أصبحت أكثر جمالًا، فقد تلاشت براءة الطفولة، وحلّت محلها هالة من الهدوء والثقة، بدت وكأنها تشع نورًا وهي واقفة هناك.حدّق بها بنظرة تكاد تكون جشعة، متجاهلًا كل ما حوله، حتى ظهر ذلك الرجل المدعو حليم القاضي.وقف ذلك الرجل إلى جانبها بألفة واضحة ونظرات مليئة بالاهتمام، بينما كانت نظرة لينا العالي إليه نظرة لامبالاة باردة.كانت تُظهر لحظات من الارتخاء والاطمئنان
ظهر مألوف جدًا.قبل عامين، راقب منير السعدي لينا العالي تغادر بنفس الطريقة، ولم يكن هناك أي طريقة لإيقافها.أمسك به أمن المطار بقوة، وكان حوله ركاب يرمقونه بنظرات مليئة بالدهشة وبعض الاحتقار.كافح منير السعدي، وصرخ باسمها، حتى بحّ صوته، لكنه لم يستطع سوى أن يشاهد ذلك الظهر المألوف يختفي في نهاية الممر، دون أي شعور بالحنين."لينا!"في النهاية، تم طرده من صالة المطار، ليقف حزينًا في الشارع المزدحم.كانت شمس أوائل الخريف في مدينة الجسور ما زالت دافئة، لكنها عندما سقطت عليه شعر بالبرد القارص فقط.لقد رحلت حقًا.لاحقًا، عندما ذهب لتسجيل الدخول في جامعة العاصمة، تم أخذه قسرًا من قبل عائلته.صفعت أمه على وجهه."تشجّع!""أنت من أراد فسخ الخطوبة ودفعها إلى هولندا من البداية، والآن مهما حاولتَ إثارة ضجة فلن يُجدي ذلك نفعًا، ركّز على دراستك!"جامعة العاصمة التي كان يحلم بها لم تعد تُثير اهتمامه الآن.بعد شهر واحد فقط من الدراسة، أتم إجراءات التوقف عن الدراسة، وعندما علمت عائلته ثارت غضبًا، وكاد والده أن يقطع علاقته معه، لكنه لم يهتم.العاصمة بدون لينا العالي كانت كبيرة للغاية، كبيرة لدرجة أنها جع
كانت الحياة في هولندا حافلةً ومُرضية.البيئة الغريبة، والدراسة الشاقة، وزملاء الدراسة القادمون من كل أنحاء العالم، كل ذلك جعلني مشغولة، لكنه جعلني أنضج بسرعة.اجتهدت في دراسة اللغة، وأمضيت وقتي في المكتبة، وشاركت في النقاشات الجماعية، فكانت أيامي ممتلئة بالكامل.أحيانًا في وقت متأخر من الليل، كنت أتذكر الماضي، لكن ذلك الإحساس بالألم كان يتلاشى شيئًا فشيئًا.كلما تعلمت أكثر، ازداد إيماني بأن أكون صحفية.لكن على عكس والدتي، كنت أرغب في أن أصبح مراسلة حربية، لأكشف قبح هذا العالم.حتى في إحدى عطلات نهاية الأسبوع العادية، غادرتُ المكتبة مع بعض زملائي، نستعد للذهاب إلى مقهى في وسط المدينة للجلوس قليلًا.كانت السماء في أمستردام دائمًا ملبدة بالغيوم، والرياح التي تحمل رطوبة القنوات المائية كانت تهب على وجهي، باردة قليلًا.ما إن وصلنا إلى باب المقهى، حتى ظهر فجأةً أمام ناظري شخصٌ مألوف لدرجة أن قلبي توقف للحظة.كان يقف في الجهة المقابلة من الشارع، مرتديًا معطفًا أسود، نحيل الجسد، شاحب الوجه، ولا أثر فيه لهيبته وحيويته السابقين.كان منير السعدي.كيف له أن يكون هنا؟عبر الشارع وسار نحوي مباشرة، م
كان هناك صندوق أنيق على المكتب، بداخله الهدايا الصغيرة التي أهداني إياها منير السعدي على مرّ السنين، إضافةً إلى رزمة سميكة من الرسائل التي كتبها لي.فتحتُ الصندوق ونظرتُ إليه نظرة واحدة، ثم حملته بلا تردد، ومشيتُ إلى سلة القمامة في الفناء وألقيتُ به كاملًا فيها."لينا، أنت…"وقفت أمي عند الباب، تنظر إليّ بدهشة."أشياء بلا فائدة، يجب التخلص منها."ربّتُّ على يديّ، وكان صوتي خفيفًا.اقتربت أمي واحتضنتني برفق."رميها أفضل، لنتطلع إلى الأمام."مرت الأيام التي تسبق السفر إلى الخارج بسرعة كبيرة.لقاءات مع الأصدقاء، وقضاء وقت مع العائلة، وتجهيز حقائبي.تعمدت تجاهل كل الأخبار المتعلقة بمنير السعدي وياسمين الشامي.كل ما كنت أعرفه هو أن منير السعدي حاول مرارًا التواصل معي، لكن جميع محاولاته قد فشلت.في اليوم الذي علم فيه أنني تخلصت من الهدايا التي أرسلها لي ورسائله، قالت والدته إنه بكى لفترة طويلة.قال إنه لا يعرف لماذا أصبحتُ هكذا، وأنه نادم.نادم على ماذا؟ لا أعلم، ولا أريد أن أعلم.كل ما شعرت به هو الحماس لحياتي الجديدة.كان المطار يعجّ بالناس والأصوات.أنهيت إجراءات تسجيل الأمتعة، وودّعت وال