تسجيل الدخولقبل موعد خطبتنا بثلاثة أيام، فاجئني شادي باتصاله ليخبرني بقراره: "لنؤجل حفل خطبتنا شهرًا واحدًا فقط، إن سها تعزف أولى حفلاتها بعد عودتها للوطن في ذلك اليوم، ولا أريدها أن تبقى وحدها فلا يمكنني أن أتركها". وأضاف محاولًا تمرير الأمر: "لا داعي للقلق، إننا نؤجله بعض الوقت فقط". إنها المرة الثالثة التي يؤجل بها خطبتنا خلال عام واحد فقط. كانت المرة الأولى لأن سها ذهبت إلى المشفى آثر التهاب الزائدة الدودية، فهرع عليها على الفور وتركني ليبقى بجانبها وقال إنه لا يستطيع تركها وحدها. والمرة الثانية كانت حين أخبرته أن حالتها النفسية سيئة ومتدهورة، فخشي أن تغرق باكتئاب، فحجز تذكرة السفر في اللحظة ذاتها. وها هي الثالثة... قلت له بهدوء: "حسنًا"، وأغلقت الهاتف. ثم التفتُّ إلى الرجل الواقف إلى جواري، إنه وسيمًا وقورًا وتظهر عليه علامات الثراء، كما يبدو عاقلاً، وقلت له: "هل تريد الزواج؟" لاحقًا... اندفع شادي إلى مكان خطبتي وترك سها المنيري خلال حفلها الموسيقي، كانت عينيه محمرتيّن وصوته يرتجف بينما يسألني: "جنى، هل حقًا ستعقدين خطبتكِ مع هذا الرجل؟!"
عرض المزيدانسابت دموع سها، ونظرت إليّ بعينين يفيض منها الحقد:"جنى! هذا كله بسببكِ، لقد تخلى عني بسببكِ!"ثم قالت بيأس: "لماذا تنافسينني؟ لماذا؟"قلت ببرودٍ وسخرية: "من قال إنني أتنافس معكِ؟ إن شادي حثالة لا يرغب بها سواكِ.أرجوكِ، خذيه وابتعدا عن حياتي".وفي تلك اللحظة، ظهر شادي على الفور. يبدو أنه سمع بما جرى، فأتى مسرعًا.اندفع نحوي يصرخ:"جنى! اسمعيني!""دعيني أشرح لكِ الأمر، لا علاقة لي بهذه المرأة بعد الآن!"صرخت سها باكيةً:"شادي، كيف تفعل هذا؟ أنا حامل بطفلك!"«إنه دمك ولحمك، أتلقي به هكذا؟"ساد الصمت، ولم أستطع تمالك نفسي فقلت بسخريةٍ لاذعة:"ألم تقل لم يحدث أي شيء بينكما؟ هل يمكن أن يولد طفلًا من الفراغ؟"لكن شادي أنكر بعناد:"هذا كذب! إنني لا أحبّها أصلًا! لم أحب سواكِ، أعلم أنني أخطأت، سامحيني ولنبدأ من جديد".لم أنظر له ولو مرة واحدة وقلت: "شادي، أنسي هذا الأمر!"لمستُ تاج الألماس الوردي، الذي وضعه مازن على رأسي بنفسه، وقلت:"أترى هذا؟ لقد صُمّم لي خصيصًا، يخصّني وحدي، لا يملكه أحدًا غيري،لقد حصلت على الأفضل، فلما قد أحصل على بقاياك؟!".وقلت وأنا اقطع أي خيط أمل:"ارحل! أنا ومازن
لكنني لم أعد أبالي بكل هذا العبث، فقلت له بحدّة: "لولا أنكَ ظللتَ تفتح لها الأبواب بابًا بعد باب، وتسمح لها بكل شيء، أكانت ستتجرأ عليّ بكل هذه الوقاحة؟"ثم نظرت إليه بازدراء:"أليس أنت من أراد أن يجمع بين امرأتين واحدة بالبيت والأخرى تلتقي بها بالخارج؟! إنك أكثرهم قذارة وتشعرني بالاشمئزاز!!"كانت سها تبكي على مقربة، دموعها تنهمر كالأمطار، وتقول بصوت متشنجّ متقطع:"أنا آسفة… آسفة! إن الخطأ خطئي، لم يكن ينبغي لي أن أظهر بينكِ وجنى، لقد عقدت الوسط، سأرحل على الفور".قطّبتُ حاجبيّ ضجرًا وقلت ببرود: "ارحلي حالًا إن كنتِ سترحلين، عليكِ ان تذهبي إلى مكان لا يراكِ أحدًا به، فلا أحدًا يهتم أين ستذهبين!"ثم تابعت بصوت عالٍ:"إن عائلة المنيري تسير في منحدرٍ منذ ثلاثة أجيال، ويبدو أنكِ من سيقضي عليها الآن!أنصحكِ أن تتشبثي بجانب شادي جيدًا فربما لا تجدين ملجأ غيره".فاندفعت للخارج، تشتعل خزيًا وغضبًا.أما شادي فحاول الاستمرار فيما يفعله والتمسّك بي، لكن مازن أمر رجاله بضربه وألقوا به خارجًا.بعد انتهاء حفل الخطبة، توالت صديقاتي على زيارتي مهنئات، وما إن جلسن حتى بدأن يروين الأخبار بشغف:"جنى،
حين اقتحم شادي قاعة الخطبة، كنا نتبادل أنا ومازن الخواتم معًا في تلك اللحظة.اندفع شادي نحوي وعيناه تشتعل اضطرابًا، فأمسك بيدي كأنما يريد انتزاعها عن جسدي وصاح: "جنى، كفى عبثًا! عودي معي إلى البيت!"قطب مازن حاجبيه، ودفعه جانبًا بصرامة: "سيد شادي، لا أذكر أنني أرسلت إليك دعوة".ثم نظر إليه زجرًا وتابع:"وإن سولت لك نفسك أن تفسد الحفل، فلا أنصحك بذلك لأنني لن أتساهل معك، وإن كان هذا ما تفكر به فلا تلومني!"ارتبك والدا شادي ارتباكًا شديدًا، فلا يحتملان أي فضيحة بين هذا الجمع الغفير، فأمسكا به يحاولان إخراجه:"ما الذي تفعله؟ أتريد حقًا إثارة الفوضى أمام كل هؤلاء الناس؟"لكنه لم يٌصغ، بل أصر بعنادٍ أعمى وكأنه لا يرى سواي محاولًا جري معه: "أي خطوبة هذه؟ أنا لا أوافق على هذا!"وصاح في الجميع: "أليست خطيبتي؟ ولم ننفصل، فكيف ستخُطب إلي مازن؟!"ثم صاح بي مهدّدًا: "تعالي معي، ما دام صبري لم ينفذ بعد!"وقفت سها إلى جانبه، تتصنع البراءة وكأنها صوت العدل: "نعم، إن أخي شادي لم يقل يومًأ أنه فسخ الخطبة، لقد أجلها فقط بسبب بعض الأمور،يستحيل أن تكون الأخت جنى وجدت رجلًا آخر بهذه السرعة".لم أتمال
كانت عائلة المهدي تعتمد اعتمادًا كليًا على مازن وكان هو رغم صغر سنه يحمل أعباء ومسؤوليات عائلته على عاتقه. لم تكن عائلته فقط من تكن له الاحترام، بل كان جميع أهل المدينة يحترمه ويخشاه، لذا كان حفل الخطبة كما تخيلته تمامًا لم يكن مجرد حفل، بل كان مهرجانًا شديد الفخامة.اختار أفخم فندق في المدينة لإقامة الحفل به، وطلب فريقًا ليقوم ببث الحفل مباشرة لكي يتناقله الجميع في المدينة.أما أبي وأمي فلم يبدِ أي منهما أي اعتراض أو تردد، كانا ينتظران الحفل كما ينتظر المرء مجيء الربيع. كنت أعلم أن كلاهما لم يكن راضيًا عن شادي منذ زمن لكنني كنت أصرّ عليه لذا فقد ابتلعا اعتراضهما عليه بسبب حبي الأعمى له، فلما انقطع ما كان يقيّدهما، لم يبقَ ما يردعهما.قالت أمي وهي تبتسم ابتسامة من يعرف نهاية الفيلم قبل عرضها: "أتذكرين عندما كنتِ صغيرة كنتِ تتبعين مازن في كل مكان وتقولين له أخي، أخي...؟!"ثم تابعت: "ولا أدري ما الذي جرى لكِ منذ كنتِ في الثانوية، فوقع قلبكِ في حب ذلك الفتى ابن عائلة الوكيل".نظرت لي وقالت بلومٍ وعتاب:"لقد أخبرتكِ وأباكِ أيضًا أن ذلك الفتى لا يمكنه تكوين أسرة ولا يعرف الاستقرار، لكنكِ





