تسجيل الدخولرفعت ياسمين رأسها لتنظر إلى أشرف.كانت عيناه صافيتين، تحملان صدق الشباب، وفيهما لمحة من التوتر، أما وجنتاه فاحمرتا تحت بخار القدر المتصاعد.إنه شخص جيد حقًا.وسيم، ناجح، من أسرة مرموقة، لطيف الطبع، ومستقبله مشرق.معه ستكون الحياة سهلة… طبيعية.لا قصور تعج بالمؤامرات، ولا زوجات وجوارٍ، ولا ذلك الحب الثقيل الذي امتد عبر الزمان والمكان، بكل ما حمله من ألمٍ وندم.فقط قصة حب جامعية بسيطة، ثم تخرج، عمل، زواج، أطفال… حياة هادئة مستقرة، كما يعيش معظم الناس.أليس هذا ما أرادته حين عادت إلى عالمها؟أن تنسى ذلك "الحلم" الغريب، أن تمحو من ذاكرتها من لا ينبغي أن يبقوا، وأن تبدأ من جديد، كطالبة جامعية عادية سعيدة في الحادية والعشرين من عمرها.شدّت أصابعها تحت الطاولة، ثم أرخَتها، ثم قبضت عليها من جديد، حتى شعرت بألمٍ واضح في كفها.نظرت إلى عيني أشرف المليئتين بالرجاء، وإلى ابتسامات صديقاتها المشجعة، وإلى جو المطعم المفعم بالدفء والضحك.ثم أومأت برأسها ببطء، وقالت بصوتٍ خافت:"حسنًا."أشرق وجه أشرف، وكأن النجوم قد أضيئت فيهما.قال بحماس:"إذن اتفقنا! السبت القادم صباحًا، سأنتظرك أمام السكن الجامعي."
ظل الأمير سيف الدين يتنقل بين الناس، لا يلتفت إلى الهمسات ولا إلى عدسات الهواتف التي تلاحقه.كان يسأل كل عابرٍ بلهفة، ويحدّق في كل وجهٍ بعينين فارغتين، ثم يخبو أمله، لينتقل إلى آخر.كان أشبه بآلةٍ برمجت على مهمة واحدة، لكنها تواصل الدوران في حلقةٍ لا تنتهي، مستنزفةً ما تبقى فيها من حياة.كانت ياسمين تقف على بُعد خطوات، تمسك كوب الشاي المثلج حتى انعصر بين أصابعها، وانسكب الشراب البارد على أصابعها.تنظر إليه وهو يُدفع بعيدًا، وهو يلاحق وجوهًا تشبهها قليلًا، ثم يخبو بريق عينيه حين يكتشف أنها ليست هي.شعرت بألمٍ حاد في صدرها، ليس كراهية ولا غضب، بل شيء أعقد، خليط من الحزن والشفقة والارتباك.كأنها رأت شيئًا ثمينًا كان ينبغي أن يُصان بعناية، لكنه تحطم، ثم أُلقي بين النفايات، قبل أن يظهر أمامها اليوم في أكثر صورةٍ بؤسًا وإيلامًا.كيف وصل إلى هنا؟وكيف أصبح بهذه الهيئة؟أين ذهب ذلك الأمير الوقور، المهيب، الذي كان لا يخطئه الوقار في كل حركة؟في تلك اللحظة، قطع شرودها صوت إحدى زميلاتها"ياسمين! جاء دورنا، هيا!"ارتبكت، أجابت بآلية: "آه… نعم." لكن عينيها بقيت معلقة به.انتفضت من أفكارها، وأدركت أ
عندما فتحت ياسمين عينيها من جديد، وجدت نفسها مستلقية على شرفة منزلها. كانت لا تزال ترتدي نفس القميص القصير وبنطال الجينز الذي كانت ترتديه يوم انتقلت إلى العالم الآخر.اهتز هاتفها بجوارها، وعلى الشاشة رسالة من أمها:"ياسمين، بعد أن تشاهدي اجتماع النجوم السبعة، نامي مبكرًا، غدًا ستذهبين إلى الجامعة لتستلمي خطاب القبول."نظرت إلى السقف المألوف، إلى أضواء المدينة الحديثة ثم إلى الوقت الظاهر على شاشة الهاتف.لم يكن قد مضى على اختفائها...إلا ثلاث ساعات فقط.نهضت ببطء، واتجهت إلى الحمام، وفتحت صنبور الماء، ثم غسلت وجهها بالماء البارد بقوة.رأت في المرآة وجهها الشاب، الثامن عشر من عمرها، لم تذق بعد مرارة سبع سنوات من الزواج، ولا الخيانة، ولا ألم الانكسار.ابتسمت لنفسها، وقالت بخفوت:"ياسمين… مرحبًا بعودتك إلى بيتك."عادت الحياة إلى مسارها الطبيعي.في اليوم التالي حضرت المحاضرات، كتبت الملاحظات، ذهبت إلى المكتبة، ضحكت مع زميلاتها في مطعم الطلاب، وتتذمر من سوء الوجبات، وتتقاعس أحيانًا عن إنجاز المشاريع الجماعية، وتقلق من الامتحانات النهائية التي تقترب.ومع مرور الأيام...بدأ ذلك الحلم الطويل يت
في أواخر الخريف، طلب رئيس ديوان الرصد الفلكي مقابلة الأمير على وجه السرعة.كان شعره أبيض كالثلج، وعيناه تحملان مزيجًا من الفرح والرهبة.قال بصوتٍ مرتجف:"مولاي! الليلة سيظهر في السماء مشهد نادر: اجتماع خمس نجوم في خط واحد! ورغم أن هذا الحدث لا يبلغ ندرة اجتماع النجوم السبعة، فإنه أيضًا لا يقع إلا مرة كل مئة عام."كان الأمير سيف الدين جالسًا كخشبة ميتة.وفجأة تحركت عيناه ببطء، وانبعث في نظراته الخامدة منذ زمن طويل بريقٌ مرعب.تمتم بصوتٍ خافت، وشفته المتشققة ترتجف:"خمس نجوم… في خط واحد؟"حاول رئيس الديوان تحذيره:"نعم يا مولاي! إن اجتماع ضوء الكواكب الخمسة قد يحرّك قوى السماء والأرض."ثم تردد قليلًا قبل أن يضيف:"لكن... قوة الكواكب الخمسة لا تضاهي قوة النجوم السبعة، ولا أحد يعلم إن كانت ستفتح ذلك الممر حقًا. وإن أُجبر الأمر بالقوة، فالعاقبة وخيمة، وقد يرتد أثرها على من يحاول..."لكن سيف الدين لم يكن يسمع شيئًا من ذلك.نهض فجأة، ولشدة اندفاعه اسودّت الدنيا في عينيه وكاد يسقط، ثم استعاد توازنه بصعوبة، وصاح:"أعدّوا العربة! إلى جبل الغروب!"ذلك الجبل هو المكان الذي قالت له ياسمين يومًا إن
شحب وجه حسام فجأة، كأن الدم انسحب منه كله.أراد أن يشرح، أن يقول إنه فقط أراد أن يُدخل قليلًا من الفرح إلى قلب أبيه، ولو للحظة عابرة.لكن حين رأى في عيني أبيه ذلك الحزن العميق، وذلك الفراغ المميت، انحبست الكلمات في حلقه، وانفجرت دموعه الساخنة.شهق باكيًا، ولم يعد بكاؤه مجرد نحيبٍ مكتوم، بل صار كعويل حيوانٍ صغيرٍ حاصرته الدنيا من كل جانب:"أبي… أردت فقط أن أراك سعيدًا… ولو قليلًا… أمي رحلت، وأنا أتألم.كل ليلة أراها في المنام وهي تلقي بنفسها في البئر، وأتمنى الموت… لكن لا أستطيع!"ثم ارتمى عند ركبتي أبيه، وأمسك بيده الباردة، ورفع إليه وجهه الغارق بالدموع. "لأنك أنت أيضًا أصبحت هكذا... يا أبي، أنت تكاد تموت..… إن انهرت أنا، من يبقى؟ من يحمي القصر؟ من يحميك؟ أنا خائف… خائف جدًا!"ارتجف قلب الأمير سيف الدين، كأن يدًا غليظة قبضت عليه.نظر إلى وجه ابنه المبلل بالدموع، إلى تلك العينين اللتين تشبهان عيني ياسمين، لكنهما تحملان خوفًا وألمًا أكبر من عمره.كان قلبه كأن يدًا خفية تعتصره بقسوة حتى كاد يختنق.انحنى ببطء، ومد ذراعيه المرتجفتين، واحتضن ابنه الذي كان يرتجف من شدة البكاء.كان عناقًا خفيفً
انهار حسام على الأرض، يغطي أذنيه، يغلق عينيه، لا يجرؤ أن ينظر إلى أبيه وهو يجلد نفسه.صرخ بصوتٍ مبحوح:"أبي! توقف! أرجوك، لا تضرب نفسك بعد الآن! أمي لو رأتك ستتألم! ستتألم من أجلك!"توقف سيف الدين عن رفع السوط. كان يلهث، والعرق والدم يتساقطان من ذقنه.تمتم:"تتألم…؟ لا، لن تتألم بعد الآن. إنها تكرهني… ولن تبكي عليّ مرة أخرى."أرخى يده، فسقط السوط الملطخ بالدم على الأرض بصوتٍ مكتوم.ترنح قليلًا، واستند إلى مائدة القرابين حتى تمكن من الوقوف.ثم رفع رأسه نحو اللوح التذكاري، وابتسم ابتسامةً باهتة، كشمعةٍ توشك أن تنطفئ:"ياسمين، انظري… أنا أعاقب نفسي. ألا تعودين لتريني؟ ولو لمرة واحدة؟"لكن صوته تلاشى في هواء القاعة البارد، قبل أن يسقط مغشيًا عليه.مرّت ثلاثة أشهر.لم يعد الأمير يحضر مجلس الحكم، والاتهامات انهالت عليه بأنه أهمل الدولة وانغمس في حزنه.ولذلك قصد الإمبراطور الشاب القصر بنفسه. ساد القصر صمتٌ ثقيل، والخدم يتحركون بخطواتٍ خافتة، تعلو وجوههم أمارات القلق والخوف.ولما دخل الإمبراطور إلى المكتبة، كاد لا يعرف الرجل الجالس أمامه.أهذا هو عمه، الأمير الذي كان يومًا يقرر مصير البلاد ب