Masukفي مكان آخر، كان عمر في أجواء صاخبة، موسيقى عالية وأضواء متحركة، حتى اهتز هاتفه فجأة. نظر للشاشة تغيرت ملامحه فورًا. "داليدا؟" أجاب بسرعة "مرحبا." جاءه صوتها مضطربًا، مشحونًا بالذعر "أين أنت بحق الله؟" قطب حاجبيه فورًا، وابتعد عن الضجيج. "ماذا حدث؟" ارتجف صوتها أكثر "القصر انقلب رأسًا على عقب وأنت لا تدري شيئًا!" توقف عمر تمامًا. "اسرعي ماذا يحدث؟" سكتت لثانية، ثم قالت بصوت يكاد ينكسر "خديجة… اختُطفت." اتسعت عيناه بشدة. "أنتِ تمزحين…" لكنها أكملت دون تردد "وزوجة خالي أُغمي عليها، والجدة انهارت، ويزن… يزن في المستشفى، والجد غاضب جدًا." صمتت لثوانٍ، ثم أضافت بصوت مرتجف "أرجوك تعال بسرعة… أنا لا أستطيع فعل أي شيء بمفردي." ساد الصمت.عمر لم ينطق. كأن الكلمات سقطت عليه دفعة واحدة وأوقفته عن التفكير. "عمر… هل تسمعني؟" استفاق فجأة من صدمته، وصوته خرج حادًا "سآتي فورًا." أغلق الهاتف بسرعة.وفي لحظة واحدة فقط… اندفع خارج المكان، ركض نحو سيارته، وأدار المحرك بعنف، وانطلق بسرعة جنونية نحو القصر. أغلقت داليدا مع عمر الهاتف، ثم وقفت لثوانٍ في مكان
في القصر… عادت داليدا أخيرًا. كان وجهها شاحبًا وعيناها حمراوين من شدة البكاء. أشارت بسرعة للحراس "احملوها بحذر." حمل الحراس حورية الفاقدة للوعي وصعدوا بها إلى الأعلى. في الصالة… كانت الجدة لا تزال تبكي، بينما جلست نرمين وسلوى بجوارها يحاولن تهدئتها. لكن ما إن رأين حورية بين أيدي الحراس حتى انتفضن واقفات بذعر. اقتربت الجدة بخطوات مرتجفة وضعيفة، فأسرعت نرمين تمسكها حتى لا تسقط. قالت الجدة بصوت مرتعش "ماذا حدث؟!" مسحت داليدا دموعها بسرعة وهي تصعد خلف الحراس. "أُغمي عليها." ثم التفتت إلى سلوى بوجه متوتر "اتصلي بالطبيب فورًا." أومأت سلوى بسرعة وأخرجت هاتفها بيد مرتجفة، بينما صعدت الجدة ونرمين خلفهم والقلق ينهش قلوب الجميع. أما القصر… فقد غرق بالكامل في خوف ثقيل وكأن الكارثة لم تبدأ بعد. …. بعد وقتٍ بدا وكأنه دهر كامل… عاد الجد إلى القصر. ترجل من السيارة بخطوات سريعة ومتوترة، وخلفه أمجد الذي بدا عليه الإرهاق والضغط الشديد. دخل الجد مباشرة إلى مكتبه دون أن يلتفت لأحد، ودفع الباب بقوة حتى ارتطم بالحائط. اتجه نحو مكتبه وجلس بعنف، ثم رفع هاتفه سريع
خرج الجد من غرفته فجأة، كإعصارٍ هائج لا يمكن إيقافه. كان وجهه مكفهرًا بشكل مخيف، وعيناه تشتعلان بغضبٍ جعل حتى الهواء من حوله يبدو ثقيلًا. في الصالة، كان أمجد والجدة وحورية يجلسون بهدوء لكن ما إن رأوه حتى دبّ الرعب في أوصالهم. وقف أمجد فورًا، وقد شعر أن كارثة وقعت. "أبي… ماذا حدث؟" لكن الجد لم ينظر إليه حتى، تابع طريقه بخطوات سريعة وعنيفة وهو يقول بصوتٍ هزّ المكان "تعال معي… اختطفوا خديچة." تجمد الزمن للحظة. شهقت الجدة بفزع، بينما شعرت حورية وكأن دلوًا من الماء المثلج سُكب فوق رأسها دفعة واحدة. اختطفوا… خديچة؟ الكلمات وحدها كانت كفيلة بتحطيم قلبها. اندفع أمجد خلف والده بسرعة، وصوته ينهال بالأسئلة المرتبكة "من اختطفها؟!" "كيف علمت؟!" "هل تعرف مكانها؟!" لكن الجد لم يجب. كان الصمت الخارج منه أكثر رعبًا من أي إجابة. ما إن خرج من باب القصر حتى ظهر تامر أمامه، وما إن رأى وجه والده حتى تجمد مكانه. تسارع نبضه بعنف. لثانية ظن أن الأمر يخصه هو. لكن نظرة الجد الجليدية استقرت عليه وهو يقول بحدة "أنت أيضًا… تعال." تحرك الجميع بسرعة. ركب الجد سيارته، وخل
"ماذا ستأكلين؟" سألها يزن وهو يرفع نظره إليها بابتسامة هادئة. أمسكت فاتن قائمة الطعام بتردد، عيناها تتحركان فوق الكلمات الفرنسية المعقدة دون فهم حقيقي. شعرت للحظة بذلك الإحراج القديم يضغط على صدرها ذلك الشعور الذي يطاردها كلما تذكرت أنها لم تعش حياة طبيعية مثل الآخرين. هي لم تدخل مدرسة يومًا. تعلمت القراءة والكتابة وحدها بصعوبة. لذلك بدت تلك الكلمات وكأنها لغة من عالم آخر. ترددت قليلًا قبل أن ترفع عينيها إليه بابتسامة خفيفة تخفي ارتباكها. "لمَ لا تطلب لي أنت؟" راقبها يزن لثوانٍ، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة وكأن طلبها أسعده أكثر مما ينبغي. "مرة أخرى؟" مالت برأسها قليلًا وهي تقول بعفوية "أعجبني ذوقك في المرة الماضية." وفي اللحظة التي قالت فيها ذلك لمع شيء غريب داخل عينيه. شيء يشبه الرضا. فتح القائمة فورًا وبدأ يختار بعض الأطباق بثقة، بينما بقيت فاتن تراقبه بصمت وابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيها دون وعي. بعد دقائق، وصل النادل ووضع الأطباق فوق الطاولة. حدقت فاتن بالطعام بصدمة واضحة. "هل… هذا هو الطعام؟" رفع يزن حاجبه باستغراب. "ألا يعجبك؟" هزت
في صباح اليوم التالي، استيقظت فاتن على غير عادتها بهدوءٍ نادر. نزلت إلى الأسفل، وتناولت الإفطار مع العائلة وسط أحاديث متفرقة، بينما جلست بعدها مع داليدا تتبادلان أطراف الحديث بخفة، وكأن الأيام الأخيرة بكل توترها لم تحدث أصلًا. لكن الوقت مرّ سريعًا. وما إن اقترب موعد لقائها مع لؤي حتى صعدت إلى غرفتها، بدّلت ملابسها، ثم غادرت القصر بهدوء. … مرّت الأيام التالية على نفس الوتيرة. لقاءات متكررة مع لؤي، تدريبات، معلومات جديدة، وأسرار تدخل عقلها يومًا بعد يوم حتى أصبحت تشعر أن حياتها تنقسم تدريجيًا إلى عالمين مختلفين تمامًا. إلى أن… جاء نهاية الأسبوع. كانت تجلس مع لؤي في أحد الأماكن الهادئة، يتحدثان كعادتهما عن أمور العمل وبعض التفاصيل الجديدة التي يحاول تعليمها لها. لكن فجأة… اهتز هاتفها. خفضت نظرها إلى الشاشة، وما إن رأت اسم المتصل حتى تغيّرت ملامحها قليلًا. يزن. أجابت بهدوء "مرحبًا." وصلها صوته فورًا، يحمل حماسًا واضحًا "أين أنتِ؟" رفعت عينيها نحو لؤي الواقف أمامها، ثم أجابت بنبرة طبيعية قدر الإمكان "أنا بالخارج مع صديقتي." توقفت لحظة، ثم سألت "لماذا؟" جاءها صوته بحزنٍ
داخل السيارة كان الصمت مشحونًا بالأسئلة. وبعد دقائق طويلة، التفتت إليه أخيرًا "أنت تعرف حمزة صحيح؟" هز رأسه بهدوء "أجل." زفرت بضيق، ثم قالت وهي تنظر للطريق "لا أفهم لماذا يفعل هذا." عضّت شفتها بضيق "لماذا عاد فجأة؟ ولماذا يلاحقني؟" ثم همست وكأنها تسأل نفسها "لا أستطيع تصديق أن هذا حب." التفتت إليه "هل تصدق أنت ذلك؟" توقفت السيارة عند الإشارة الحمراء. نظر إليها لؤي بهدوء غريب، ثم سأل فجأة "هل وقعتِ في الحب من قبل؟" ترددت للحظة ثم قالت بصوت منخفض "أجل." ابتسم بخفة "لا أقصد علاقتكِ بمازن." نظرت إليه بدهشة خفيفة. أكمل بهدوء عميق "أعلم أن هذا ليس حبًا حقيقيًا." ثم نظر أمامه وقال ببطء، وكأنه يتحدث عن شيء عاشه بنفسه "أقصد حبًا من القلب…" "عندما ترين الشخص الذي تحبينه، يخفق قلبك بقوة كأنه سيخرج من مكانه." "تنظرين إليه ولا تستطيعين إبعاد عينيك عنه." "تعشقين كل شيء فيه… حتى رائحته." ابتسم بخفة حزينة "وتصبحين مهووسة بكل تفاصيله الصغيرة قبل الكبيرة." بقيت تنظر إليه بصمت… شيء في كلماته لمسها بطريقة غريبة. همست أخيرًا "هل وقعت أنت في الحب من قبل؟" تحولت الإشارة إلى