LOGIN"سيلين"، سيدة أعمال شابة ووريثة لإمبراطورية مالية ضخمة، تعيش حياة مغلقة وعملية جداً حتى يقتحم حياتها "جلال"، رجل ذو جاذبية طاغية وحضور ساحر. يغمرها جلال بحب وعاطفة لم تعهدها، فتسلم له قلبها وأسرارها. لكن ما لا تعرفه سيلين هو أن هذا العشق ليس سوى فخ حريري نُسج ببراعة، وأن جلال يعمل بتوجيه من "نادين"، ابنة عم سيلين وصديقتها المقربة، التي تكنّ لها حقداً دفيناً وتخطط لتجريدها من كل ما تملك.
View Moreكانت أضواء الثريات الكريستالية الضخمة في قاعة الاحتفالات تتلألأ لتنعكس على الكؤوس الفضية والوجوه المبتسمة بابتسامات بلاستيكية مألوفة في عالم الأعمال. موسيقى الجاز الهادئة كانت تنساب في الخلفية، محاولةً إخفاء همسات المؤامرات والصفقات التي تُعقد في الزوايا المظلمة. وقفت "سيلين" في إحدى زوايا القاعة الفخمة، تراقب الحاضرين بنظرة هادئة ومحايدة، تلتف أصابعها حول كأس من العصير البارد وكأنه درع يحميها من المتطفلين. كانت ترتدي ثوباً مخملياً أسود يعكس شخصيتها: أنيقة، غامضة، وعصية على الاختراق. كل من في القاعة كان يطمع في التحدث إليها، ليس لشخصها، بل لما تمثله من نفوذ وثروة طائلة ورثتها ونجحت في مضاعفتها بذكاء حاد.
رغم الزحام الخانق ورائحة العطور الفاخرة التي تملأ المكان، كانت تشعر كعادتها بوحدة موحشة. عالمها كان مليئاً بالأرقام والعقود والمنافسين، وخالياً تماماً من الدفء الحقيقي. كانت غارقة في أفكارها، تسأل نفسها متى يمكنها الانسحاب بهدوء دون إثارة انتباه الصحافة، حتى التقطت أذناها صوتاً عميقاً ودافئاً يأتي من خلفها:
"يبدو أنك تجدين مراقبة الناس واكتشاف أقنعتهم أكثر إمتاعاً من التحدث إليهم."
التفتت سيلين ببطء، متوقعةً أن ترى وجهاً مألوفاً من وجوه المتملقين، لكنها واجهت رجلاً لم ترَه من قبل في دوائرها المعتادة. كان "جلال" يقف هناك، بقامته الممشوقة وبدلته الداكنة التي فُصلت بدقة متناهية. نظراته كانت ثاقبة، وعيناه الداكنتان تحملان مزيجاً من الثقة، الغموض، وجرأة لم تعتدها ممن يقتربون منها. ابتسامته كانت هادئة، خالية من التصنع، لكنها كانت كفيلة بإرباك حصونها الجليدية التي بنتها لسنوات طويلة.
أجابت بصوت حاولته أن يكون صارماً، رافعةً حاجبها في تحدٍ خفي: "أجد أن المراقبة تكشف حقائق يسهو عنها الكلام المعسول. من أنت؟ لم يسبق لي رؤيتك في حفلات المجموعة السنوية، وذاكرتي لا تخونني أبداً فيما يخص الوجوه."
اقترب خطوة واحدة، خطوة مدروسة ببراعة لم تتجاوز حدود اللياقة، لكنها كانت كافية لتشعر بعطره الخشبي المميز الممزوج برائحة التبغ الفاخر. قال بنبرة واثقة: "أنا جلال، مستثمر جديد في هذه المدينة الصاخبة. واليوم، أنا لست هنا لعقد صفقات... أنا الرجل الذي قرر أن ينقذك من ملل هذه الزاوية الكئيبة."
في تلك الليلة، لم تفارقها عيناه. كان حديثه ساحراً ومختلفاً. لم يسألها عن أسهم شركتها أو توقعات السوق، بل تحدث عن الفن، وعن شغفها القديم بالسفر الذي تخلت عنه من أجل العمل. كان يعرف متى يمزح بذكاء ليخطف ضحكة نادرة منها، ومتى يتحدث بجدية وعمق عن طموحاتها التي نادراً ما تشاركها مع أحد. شعرت سيلين، ولأول مرة منذ سنوات طويلة، أن هناك من يرى "سيلين" الإنسانة، المرأة التي تختبئ خلف بدلات العمل الرسمية، وليس وريثة الملايين ومحطمة المنافسين.
عندما انتهى الحفل وبدأت القاعة تفرغ من الحاضرين، رافقها بخطوات هادئة حتى سيارتها الفارهة التي كانت تنتظرها أمام البوابة الرئيسية. نسيم الليل البارد لامس وجهها، لكنها شعرت بدفء غريب يسري في عروقها. وقف أمام باب السيارة المفتوح، ونظر إليها بصدق مصطنع ببراعة فائقة، صدقٍ لم تستطع راداراتها الحساسة كشف زيفه، وقال بصوت خفيض: "أتمنى ألا تكون هذه هي المرة الأخيرة التي أرى فيها هذه الابتسامة. سيلين... لقد جعلتِ من هذه الليلة المملة شيئاً استثنائياً."
اكتفت بإيماءة خفيفة، وابتسامة صغيرة زُينت بها شفتيها، لكن قلبها كان يدق بطريقة غير مألوفة، معلناً عن بداية انهيار أسوارها.
في هذه الأثناء، وعلى بعد أمتار قليلة في العتمة، كانت "نادين" تقف مختبئة في ظل أحد الأعمدة الرخامية الضخمة. راقبت سيارة سيلين وهي تبتعد وتختفي في زحام شوارع المدينة، وعيناها تلمعان بحقد دفين تغذى على سنوات من الغيرة والتهميش. التفتت نادين لتجد جلال يقترب منها بخطوات هادئة. تلاشت ابتسامته الساحرة والدافئة تماماً، وحل محلها برود قارس ووجه خالٍ من أي تعبير إنساني.
قالت نادين بصوت خافت وماكر، وهي تكتف ذراعيها: "أرى أن الطُعم قد قُبل بنجاح باهر. لم أكن أعلم أنك ممثل بارع إلى هذا الحد يا جلال."
أشعل جلال سيجارته ببطء، ونفث الدخان الكثيف في هواء الليل البارد، وقال بنبرة خالية من أي مشاعر، وكأنه يتحدث عن صفقة تجارية منتهية: "لقد ابتلعت الطعم بالكامل. إنها متعطشة لأي اهتمام حقيقي، وهذه هي نقطة ضعفها القاتلة. الخطوة الأولى تمت يا نادين، قريباً لن يتبقى من إمبراطوريتها التي تتباهى بها سوى الرماد، وكل شيء سيكون بين أيدينا كما خططنا."
ابتسمت نادين ابتسامة ملتوية، تحمل في طياتها مرارة الماضي ونشوة الانتقام القادم. فقد بدأت للتو لعبة الخداع المعقدة، والعقرب قد أحكم إخفاء سمه، واستعد ببطء قاتل للدغ.
وصلت فرقة التدخل السريع إلى الباب الزجاجي لغرفة الخوادم. كانوا خمسة رجال مدججين بالسلاح، يرتدون دروعاً تكتيكية سوداء. ضرب قائدهم زجاج الباب السميك بقبضته، وصرخ عبر مكبر الصوت المدمج في خوذته: "فريد! افتح هذا الباب فوراً بناءً على أوامر عليا، وإلا اعتبرناك خائناً ومخرباً!"وقف "فريد" خلف الزجاج، رافعاً يديه في محاولة يائسة لكسب بضع ثوانٍ، وقال عبر نظام الاتصال الداخلي: "لا يمكنني فتح الباب! نحن في منتصف دورة صيانة حرجة للراوتر المركزي، أي انقطاع الآن سيؤدي إلى احتراق اللوحات الأم!"لم يكترث قائد الفرقة بحجة فريد. تراجع خطوة للوراء، ووجه بندقيته الآلية نحو القفل الإلكتروني للباب، وأطلق وابلاً من الرصاص. تحطم القفل، لكن الزجاج المقوى المضاد للرصاص صمد، وإن بدأت شبكة من الشقوق العميقة تنتشر في أنحائه كنسيج عنكبوت أبيض."سيلين! خمسة وثمانون بالمائة!" صرخ "طارق" وعيناه لا تفارقان الشاشة، وأصابعه تتراقص كعازف بيانو مجنون يتسابق مع الموت. "أحتاج إلى تسعين ثانية!"قلبت "سيلين" عربة الصيانة المعدنية الثقيلة لتصنع منها متراساً يغطيها هي وطارق، وسحبت مسدس والدها الفضي. تأكدت من عدد الرصاصات... سب
كانت سماء العاصمة لا تزال ملبدة بغيوم الفجر الرمادية عندما وقفت "سيلين" و"طارق" في الظلام الرطب لمرآب السيارات السفلي أسفل البناية التي يقطنها "فريد الصياد". كان الهواء بارداً، لكن الدماء التي تغلي في عروقهما كانت تكفي لإشعال مدينة بأكملها.في تمام الساعة السابعة صباحاً، سُمعت أصوات خطوات تقترب. ظهر رجل في أواخر الخمسينيات من عمره، يرتدي معطفاً صوفياً رمادياً، ويحمل حقيبة جلدية. كانت ملامحه مرهقة، وتجاعيد وجهه تحكي قصة حزن أعمق من مجرد ضغوط العمل. كان هذا هو فريد، كبير مهندسي الأمن الرقمي للبورصة المركزية، حارس بوابات الاقتصاد.وبينما كان يهم بفتح باب سيارته، خرجت سيلين من بين الظلال، ووقفت أمامه بهدوء.تراجع فريد خطوة للوراء، ويده تمتد نحو هاتفه، لكن سيلين قالت بصوت ثابت وخفيض: "لا تفعل يا سيد فريد. أنا لست لصة، ولست من رجال 'كمال'. أنا سيلين، ابنة الرجل الذي ترك لك هذه الملاحظة."أخرجت الدفتر الجلدي الأسود وفتحته على الصفحة التي تحمل اسمه. عندما وقعت عينا المهندس العجوز على خط والدها، تجمد في مكانه، وابتلع ريقه بصعوبة.همست سيلين مقتربة منه: "والدي كان يعرف ما فعله كمال بابنك 'رامي'
كسرت "سيلين" اللوح الزجاجي المهشم لباب الشرفة بحذر، وأدخلت يدها لتفتح المزلاج الصدئ. اندفعا إلى داخل الشقة المظلمة، التي كانت تفوح منها رائحة الأتربة والهجران. كانت الأثاثات مغطاة بملاءات بيضاء، مما يؤكد أن أصحابها غادروها منذ زمن بعيد. أغلقت سيلين الباب الخشبي خلفهما، وأسدلت الستائر الثقيلة لتحجب أي ضوء قد يتسرب من الخارج.أسندت "طارق" إلى إحدى الأرائك المغطاة، واتجهت نحو المطبخ لتجد زجاجة مياه قديمة وبعض المناشف النظيفة في خزانة منسية. بللت المنشفة وعادت لتمسح الدماء التي تخثرت على جبهة طارق، بينما كان هو يلهث مغمض العينين، يستجمع قواه المبعثرة."أنا بخير..." همس طارق وهو يفتح عينيه، ويدفع يدها برفق. أدخل يده في الجيب السري لسترته، وأخرج حاسوباً لوحياً صغيراً ومقوى (Tablet) كان قد احتفظ به للطوارئ، ووصلة معدنية دقيقة. "لم نعد نملك رفاهية الوقت للراحة يا سيلين. إذا كان 'كمال' قد أرسل فرقة الظل لإبادتنا الليلة، فهذا يعني أن ساعة الصفر لمشروع الكسوف أصبحت أقرب مما نتخيل. إنهم ينظفون الساحة من أي عقبات أخيرة."أخذ طارق وحدة التخزين الرقمية من سيلين، ووصلها بالحاسوب اللوحي. بفضل الشفرات
ارتطم جسدا "سيلين" و"طارق" بسطح المبنى المجاور بقوة أخرجت الهواء من رئتيهما. تدحرجا على الحصى الخشن وتراكمات الأتربة، بينما مزق أزيز الرصاص المكتوم الهواء فوق رأسيهما مباشرة، لتتطاير شظايا الطوب الأسمنتي من السور الذي كانا يحتميان به."انهض يا طارق! لا تتوقف!" صرخت سيلين وهي تشده من ياقة قميصه الملطخ بالدماء.تجاهل طارق الألم الذي يمزق رأسه المضماد حديثاً، ودفع نفسه للأمام بدافع غريزة البقاء النقية. ركضا وسط غابة من صحون استقبال البث الفضائي الصدئة، وأسلاك الغسيل المتشابكة، وأقفاص الحمام الخشبية التي شكلت متاهة معقدة فوق أسطح الحي الشعبي.خلفهما، لم تكن "فرقة الظل" مكونة من رجال عاديين؛ كانوا يتحركون بصمت مرعب وتناسق مميت، يقفزون فوق الفجوات بين المباني بخفة قطط ليلية، ولا يصدرون صوتاً سوى هسيس أسلحتهم الكاتمة للصوت وهي تحاول اصطياد الطريدتين.التفتت سيلين وهي تركض، ورفعت مسدس والدها الفضي. لم تكن قناصة محترفة، لكنها وجهت سلاحها نحو الظلام وأطلقت ثلاث رصاصات مدوية. لم تكن تهدف للقتل بقدر ما كانت تهدف لكسر حاجز الصمت وإجبار المهاجمين على التخفي لثوانٍ معدودة. دوي الرصاص الحي في سماء ال