LOGINوُضِعت فاتن كأمانة… ثم تُركت وكأنها لا شيء. في منزل عمتها، لم تعش… بل كانت تُستَخدم. خادمة تُهان وتُكسر، حتى جاء اليوم الذي انتهى فيه كل شيء. ظلام… قبو… وأنفاس تُسحب منها ثم استيقظت… في جسدٍ آخر. حياة ليست لها، وفرصة لم تحلم بها. فادعت فقدان الذاكرة… وبدأت لعبتها. لكن خلف الهدوء أسرار، وخلف العائلة… معركة. ومع كل حقيقة تنكشف، لم تعد تلك الفتاة الضعيفة… بل أصبحت أخطر مما يتخيل الجميع. ولم تكن وحدها… ابنة عمتها المخلصة إلى جانبها، ومازن.. الخطيب الذي بدأ كل شيء بينهما بكراهية واضحة… ثم تغيّر. فاتن: "سيد مازن… لننفصل." مازن، بهدوء مظلم: "هل ستستطيعين العيش من دوني؟" ابتسمت ببرود، وعيناها لا تهتز: "هل تعتقد أنني سأبكي من أجل سمكة… بينما البحر بأكمله أمامي؟"
View Moreبعد لحظات، دخلت أمنية بصينية الغداء، تضعها بهدوء على الطاولة بجانب السرير، ثم بقيت معهم حتى انتهت فاتن من طعامها. أخذت الصينية وغادرت، لكن قبل أن تخرج فتحت الباب لتتفاجأ بمازن واقفًا أمامها. تجمدت للحظة، ثم لمعت عيناها بسرعة وارتسمت ابتسامة خجولة على وجهها. "اعتذر ياسيدي…" رفع مازن حاجبه دون تعليق، ثم تجاوزها بهدوء ودخل الغرفة وكأن وجودها لم يكن، وأغلق الباب خلفه مباشرة دون أن ينتظر. وقفت أمنية مكانها للحظة، ثم ضحكت بخفة. "لا بأس…." داخل الغرفة… وقعت أعين فاتن وداليدا عليه في نفس اللحظة. قلبت فاتن عينيها بضيق واضح وأشاحت وجهها بعيدًا، بينما ابتسمت داليدا بهدوء له وردّ عليها بنظرة قصيرة قبل أن يجلس. ساد صمت خفيف، مشحون رغم بساطته. بعد دقائق، وقفت داليدا فجأة. "سأحضر قهوة… هل تريدان شيئًا؟" مازن بهدوء "لا." فاتن باقتضاب "لا أريد." هزت داليدا رأسها وغادرت، وبقيت الغرفة على توتر خفيف لا يُقال. مرت دقائق… ثم رن هاتف فاتن. نظرت للاسم، ابتسامة خفيفة مرت على وجهها قبل أن ترد. "مرحبا." صوت لؤي جاء من الطرف الآخر. "لم أستطع التواصل معكِ أمس." عدّلت خصلة شعرها بتوتر خفيف.
وصلوا إلى غرفة العلاج الطبيعي، وما إن دخلت فاتن حتى توقفت لثوانٍ وهي تتلفت حولها ببطء. أجهزة متعددة، أسِرّة مخصصة، أدوات دعم، وأشرطة تثبيت… المكان كله بدا لها كأنه يختبر قدرتها على العودة من جديد، لا مجرد علاج عادي. ابتلعت ريقها بصعوبة، بينما ساعدها المساعد على الجلوس على السرير المخصص للفحص. اقترب الطبيب منها بهدوء وقال. "سنبدأ بمحاولة تحريك الساق… واختبار ردود الفعل العصبية." هزت فاتن رأسها بصمت، بينما بدأ الفريق بتجهيز الأجهزة الخاصة بإعادة التأهيل، تلك التي تعتمد على التحفيز الحركي والتنبيه العضلي. وما إن بدأت الجلسة حتى ارتجف جسدها مع أول محاولة لتحريك ساقها. كان الألم حادًا، لكنه مختلف ليس ألم جرح فقط، بل مقاومة جسد كامل يرفض الاستجابة. حاولت مرة… ثم أخرى… حتى بدأت بعد عدة محاولات تشعر بشيء خفيف، كأن الأعصاب تستجيب ببطء شديد. "أحسنتِ…" قال الطبيب بهدوء وهو يراقب المؤشرات. "هناك استجابة، ولو بسيطة." ارتفع بصيص أمل في عينيها، لكنه لم يخفف التوتر داخلها. وبعد انتهاء الجزء الأول من الجلسة، توقفت لثوانٍ وهي تلتقط أنفاسها. ثم فجأة رفعت نظرها نحو الجهاز المخصص للمشي. ذ
تابعها أمجد بعينيه حتى اختفت خلف الباب. بقي واقفًا مكانه للحظات طويلة، والصمت يطبق على الغرفة كأنه يخنقه. تنهد ببطء، تنهدة ثقيلة خرجت من أعماق رجل يحمل فوق كتفيه سنوات من الندم. التفت ببطء نحو سرير الطفل الصغير. ثبتت عيناه عليه، وعلى الألعاب القديمة الموضوعة بجواره، والغطاء الصغير المرتب بعناية وكأن أحدهم ما زال ينتظر عودة صاحبه. اهتزت ملامحه للحظة، وارتسم حزن مرير فوق وجهه لأول مرة دون قناع أو كبرياء. خرج صوته منخفضًا، مكسورًا على غير عادته. "ياليتني أستطيع تغيير الماضي…" لكن الماضي لا يعود، ولا يمحو الندم ما كُسر. أغمض عينيه لثوانٍ، ثم استدار أخيرًا وغادر الغرفة ببطء. أغلق الباب خلفه بهدوء… وكأنه يغلق فوق قلبه جرحًا قديمًا لا يندمل. … حلّ الصباح أخيرًا. تسللت أشعة الشمس الذهبية بهدوء عبر نافذة غرفة فاتن، وانعكست فوق الجدران البيضاء الباردة، مانحة المكان دفئًا خفيفًا بعد ليلة طويلة. تحركت جفون فاتن ببطء، ثم فتحت عينيها أخيرًا. رمشت عدة مرات بتعب قبل أن تعتدل في جلستها ببطء شديد، متأوهة بخفوت من ألم ساقها. التفتت حولها تلقائيًا تبحث بعينيها عن شخصٍ معين…مازن. لكن ال
شعرت فاتن بحرارةٍ تلتف حول يدها بهدوء… دفء غريب تسلل وسط فوضى الكابوس، حتى بدأ اضطراب أنفاسها يهدأ تدريجيًا، وكأن تلك اللمسة انتزعتها من الظلام وأعادتها إلى مكان أكثر أمانًا. ارتخت ملامحها شيئًا فشيئًا ثم بدأت جفونها ترتفع ببطء. كانت رؤيتها مشوشة في البداية، لكن أول ما التقطته عيناها… كان مازن. ثم انتقلت نظراتها إلى يده الممسكة بيدها. اتسعت عيناها فجأة، وسحبت يدها بعنف وكأنها احترقت. "ما الذي تفعله؟!" رفع مازن حاجبه ببطء، نظر إليها للحظات وكأنه غير مستوعب رد فعلها، ثم زفر ساخرًا. "وما الذي سأفعله بكِ أصلًا؟" قطبت حاجبيها بحدة. "لماذا تمسك بيدي؟" قلب عينيه بملل مصطنع وأجاب ببرود "كنتِ تحلمين بكابوس… لهذا أمسكت يدك." ضيقت عينيها أكثر، وكأن كلماته استفزتها بدل أن تهدئها. "وما شأنك أنت بما أحلم؟" خرجت منه ضحكة ساخرة قصيرة. "هذا رد فعلك بدلًا من شكري؟" ابتسمت بسخرية مماثلة، رغم اضطراب أنفاسها الذي لم يهدأ تمامًا بعد. "أشكرك؟" "أشكرك على تدخلك فيما لا يعنيك؟ أم على ماذا بالتحديد يا سيد مازن؟" ظل يحدق بها بصمت. عيناه ثابتتان عليها، وحاجباه معقودان بضيق حقيقي، كأنه يحاول
Ratings
reviewsMore