مشاركة

الفصل 3

مؤلف: السيدة الأولى
لو كان ذلك قبل أسابيع قليلة، لما استطعتُ كبح نفسي عن الاستجابة له.

أمّا الآن، فلم أشعر إلا بالغثيان والاشمئزاز.

قبل أسبوع، شُفي سمعي. وعدتُ إلى المنزل لأشاركهم هذا الخبر السعيد، لكنني سمعتُ، من الغرفة المجاورة لغرفة النوم، صوتَ أيمن المليء بالشهوة.

تجمّدت في مكاني، حتى ظننتُ لوهلة أن ما أسمعه ليس إلا وهمًا.

وقبل أن أقترب من غرفة النوم، استوقفتني ابنتي التي طالما كرهتني بحجة مساعدتها في واجباتها المدرسية.

كانت تدفعني بعيدًا وهي تتمتم بضيق: "لا أريدكِ أن تذهبي وتفسدي على أمي شيرين وقتها الجميل".

حينها فقط أدركتُ كم كانت تتمنى أن تحلّ امرأةٌ أخرى محلّي.

ظنوا أنني ما زلتُ صمّاء، وظنوا أنهم أحكموا ستر خيانتهم، لكنهم لم يعلموا أنني سمعتُ كل شيء بوضوحٍ تام.

وفي ذلك اليوم، قدّمتُ طلبًا للالتحاق بالتدريس التطوعي في منطقة السحاب، وحجزتُ تذكرة السفر إليها،

وكما وعدنا بعضنا قديمًا: سوف أختفي من عالمه إلى الأبد.

هو وابنتنا، تخلّيتُ عنهما معًا.

وفجأةً، عادت أصداء أصواتهم المليئة بالشهوة في الغرفة المجاورة، ترنّ في أذني بلا توقف.

نهضتُ بعنف ودفعته بعيدًا، فسمعت صراخه وهو يسقط أرضًا.

تجمّدتُ في مكاني، هممتُ أن أمدّ يدي لمساعدته، لكنني تراجعتُ في النهاية.

لم يغضب، بل نظر إليّ بقلقٍ ظاهر وقال: "منى، ما بكِ؟".

كدتُ أجيبه، ثم تذكّرتُ فجأةً أنني صمّاء.

وبعد لحظة، كأنه استعاد وعيه، وبدأ يلوح بلغة الإشارة.

"لا شيء، أشعر ببعض التعب".

كأنه تذكّر أمرًا ما، فارتسم القلق على وجهه، وأسرع نحوي يشرح بانفعال، وهو يُلوّح بيديه: "منى، شيرين ليست سوى زميلة دراسة، لا تُسيئي الفهم".

كان معروفًا برصانته، لكنّه في ذلك اليوم فقد اتزانه مرارًا بسببها.

لم أرغب في الرد، واكتفيتُ بالقول بهدوء: "أنا متعبة، سأنام الآن".

ثم استدرتُ، ظل واقفًا متحيرًا، وبعد برهة، سمعتُ صوته الخافت يتمتم: "منى، أنا أحبكِ جدًا، أحبكِ حقًا، لا تتركيني، وإلا سأموت".

ولكن دموعي انهمرت بلا توقف.

إن كنتَ تحبني حقًا، فلماذا تخونني؟

لقد تعاهدنا أن نبقى معًا مدى الحياة، وأن يختفي أحدنا من عالم الآخر إن حدثت خيانة.

أما ذكرياتنا الجميلة، فقد حطّمها الواقع القاسي، ولم يبقَ منها سوى سراب.

في الصباح الباكر من اليوم التالي، وربما لأنه شعر بالتغيّر الذي طرأ عليّ، أو لأن شعور الذنب كان ينهشه من الداخل، اقترح أيمن أن نخرج معًا في نزهة.

قال: "منذ وقت طويل ونحن نريد الذهاب إلى مدينة الألعاب، لكن لم تتح لنا الفرصة".

ثم أضاف وهو ينظر إليّ: "منى، هل ستذهبين معنا؟"

فرك يديه وأظهر ملامح استعطاف، محاولًا انتزاع أي ردٍّ مني.

حتى ابنتنا، التي اعتادت الضجر، بدت هذه المرة متحمسة، وعيناها تلمعان شوقًا لمدينة الألعاب.

لكن أيمن لم ينتبه أن ياقة قميصه المفتوحة كشفت عن عنقه، حيث كانت آثار شيرين واضحةً لا تخطئها العين، فلم أشعر تجاهه إلا بمزيدٍ من الاشمئزاز.

تحرّكت ابنتنا بسرعة البرق، ولم تترك لي مجالًا للرد، فجمعت أغراض الرحلة وحدها.

وفي مدينة الألعاب، ظلت ابنتي تمسك بيدي، وكان أيمن يراقبنا بعناية في كل لحظة.

إذا ضممتُ شفتيّ، ناولني الماء فورًا، وإن طال بصري شيئًا، سارع إلى شرائه.

حتى الألعاب التي كنتُ أحبها قديمًا لكنهما كانا يخافان منها، لعبناها جميعًا معًا.

كان الإرهاق واضحًا عليه، لكنه ظلّ قابضًا على يدي بقوة، رافضًا تركها.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • حين يسمع القلب   الفصل 11

    "أمي! لا تذهبي، أرجوكِ!"تجمدت في مكاني لوهلة لم أعرف ماذا أفعل في تلك اللحظة فتنهدت بضيق، وإذا بجانبي شاهين يتقدم بضع خطواتٍ للأمام ويقول: "طالما لم تعد تحبكما، فلما تتشبثان بها هكذا؟!" نظر إليّ وأكمل: "كما أنها الآن لديها حبيب آخر، فلا جدوى من مطاردتكما لها".ما أن سمعا كلاهما ما قاله، التفتا إليّ وعيناهما تملأهما نظرات الحقد.تجمد شاهين للحظة، ثم ابتلع ريقه، وشدّ قامته وقال بجرأة مصطنعة: "ماذا؟ ما الذي تنظران إليه؟ إنه أنا، نعم أنا حبيبها، ماذا تريد؟"ضحك أيمن ضحكة عالية يملؤها سخرية وقال له مستهزأً: "هل تعرف من هي؟ إنها زوجت..."وقبل أن يتمم جملته، دوى صوت شاهين في قاعة الصف قائلًا: "إنها منى، كل ما يتمناه المرء أن يتحقق"حين رأيت القلق في عينيه، ذلك الخليط من الخوف والعناد والشجاعة، لم أتمالك نفسي… فضحكتُ.تغير وجه أيمن فجأة وأشتد ضيقًا، كأنه يطلب من ضحكتي برهان أو تكذيبًا لما قد سمعه.فرسم ابتسامة فاترة على وجهة وقال: "منى، أنه يكذب، هذا كله كذب، أخبريني أن هذا كذب!"وقالت ابنتي وهي لا تصدّق ما سمعته: "أمي، إنه يكذب، أليس كذلك؟" نظرت إلى عينيّ شاهين فوجدتهما كبحر صافٍ تتعالى به

  • حين يسمع القلب   الفصل 10

    حدقت بهم بينما كنت أقول: "أي بيتٍ تتحدثان عنه؟! ذلك المكان المحاط بالأسوار، إن هذا البيت لم يكن بيتي يومً!" تنهدت قليلًا ثم تابعت وصوتي يزداد حدّةً: " تردد أنك تحبني ذهابًا وإيابًا، لكن هل فكرت بي حين خنتني؟! هل تذكّرتَ عهدنا يومًا؟!"والتفتُّ إلى ابنتي وقلت: "وأنتِ! هل فكرتِ بأمكِ حين ساعدتِ أباكِ على خيانتي؟!"عجز كلاهما عن تحمل نظراتي الحادة لهم فلم يجرؤ أيًا منهما على الحديث، اكتفي أيمن بهز رأسه عاجزًا وتحجر الدمع في عينيه، أما زهرة فقد خانتها عينيها وانهمرت الدموع على خديّها. ولكنّني في الحقيقة لم أشعر نحوهما بشيءٍ من الرثاء؛ بل ازددتُ سخريةً.لقد أفسدا كل شيء بحق، فبأي حق يأتيان الآن يتوسلان المغفرة ويرتديان رداء المسكنة؟!أهكذا تسير الأمور؟! هل يمكنني أن أخونه أيضًا ثم أقول "آسفة" فينتهي الأمر، وتٌغفر الصحف كلها؟!صرخت ابنتي متوسّلة: "أمي! إن الأمر ليس هكذا… ليس هكذا حقًا! أبي يحبّك حقًّا… حقًّا يحبّك! وأنا أحبّك أيضًا! سامحي هذه المرّة، أرجوكِ!"فسحبت يدي بعيدًا وقلت: "اتركي يدي! إنكما تثيران اشمئزازي!"ثم تابعت: "أيمن! سأقولها لك هذا للمرة الأخيرة، أنت وزهرة انتهيتما من حيات

  • حين يسمع القلب   الفصل 9

    لقد صارت الحياة أيسر كما أصبحت أقوى بكثير، فلما لا زلت أشكو إذًا؟عاد صوت شاهين يتردد في آذني ينقذني قبل أن أغرق بالتفكير بينما يقول: "معلمتي، لا تقلقي! سأحميكِ مهما حدث".عندما نظرت في عينيه وجدت فيهما عزيمة حقيقية، فاكتفيت بالابتسامة ولامست رأسه بحنان.ربما كان خياري بالمجيء إلى هنا كان الخيار الأمثل، فعلى الأقل إن الناس هنا صادقون، ولا يعرفون الخداع.وفي أحد الأيام بينما كنت أعطي الدرس للأطفال، ظهر أمامي فجأة شخصان غير متوقعين."أمي!""منى! لقد وجدناكِ هنا أخيرًا!"لم أرَ أيمن وابنتي منذ مدة طويلة. لا أذكر أنني رأيتهم بهذا البؤس من قبل.كان أيمن في الماضي مظهره ساحرًا كالأمراء يسير بخطوات واثقة متزنة.أمّا الآن، فقد تبعثر شعره وانسدل على كتفيه، واحمرت عينيه وأحاط السواد بمقلتيه.وأما ابنتي التي كانت دومًا نظيفة ومشرقة كالأميرة الصغيرة فتبدو الآن شاحبة مغطاة بالوحل كالأطفال الشاردة. لم أرغب في الحديث معهما، لكنهما اندفعا نحوي على الفور. ضمني أيمن إليه وطوقني بذراعه وأجهش بالبكاء وقال: " لما تركتني وحدي؟ إنك تعلمين كم أحبكِ".ثم تابع وهو ينتحب: "منى! أنا أحبكِ حقًا، سأموت بدونكِ".صر

  • حين يسمع القلب   الفصل 8

    توالت الأيام وكنت أنا وشاهين نجوب هذا المكان في الشروق والغروب.كانت تصلني عدة رسائل من بعض أصدقائي القدامى يخبرونني كم يعاني أيمن وابنتي، لقد أوشكا أن يفقدا عقلهما منذ رحيلي، يبحثان عني كل يوم هنا وهناك ويطوفون على الناس يسألونهم عني.لقد بلغ بهم العناء أن ذهبا إلى الشرطة أكثر من مرة للسؤال عني لكنهما عادا خالين الوفاض كمن يطارد شبحًا. علمت منهم أيضًا أن أيمن قد تخلى عن شيرين وتركها كما أجبرها على إجهاض الجنين، ثم وقف أمام الجميع في المدينة وأعتذر لي وأعترف أنه خانني علنًا، وأنه أستغل حبي له وظن أنه يمكن أن يخونني ويمر الأمر.أما ابنتي فلا تكف عن البكاء ليلًا ونهارًا، كما تقول إنها لن تأكل الحلوى مرة أخرى، وإنّها أخطأت حين عصتني ولم تسمع كلامي.وانقلب الناس في المدينة عليهما في غمضة عين، أصبح أيمن رجلًا خائنًا وضيعًا، بعدما كان رجلًا وقورًا ورئيسًا صارمًا، وصارت ابنتي مثالًا للابنة الجاحدة. عانت الشركة أيضًا جراء ما حدث، فلقد انخفض سعر الأسهم بشدة. ومع ذلك، لم يُبدِ أيمن اكتراثًا، بل زاد في عناده، فاشترى لوحات الإعلانات في أرجاء المدينة كلّها لكي يعتذر لي.وأعلن للجميع يقول إنني إن

  • حين يسمع القلب   الفصل 7

    مرت الأيام وصار المكان أشبه بسجن صامت، لا يطوقّه أبوابًا حديدية، بل الوحدة والجفاء.جال بخاطري ما قاله لي مدير المدرسة أنني كنت أول شخص يختار هذا المكان بإرادته، لا اضطرارًا.شعرت بوخزة في قلبي، واجتاحني شعورًا خفيًا بالذنب، فأنا لم آتِ هنا بدافع نقي للتطوع، بل آتيت أسعى مخبأً بعيدًا بما يكفي عن أيمن وابنتي.تبعت المدير إلي المدرسة وحين وصلنا إلى هناك وكان الوضع أقسى مما ظننت.فالسبّورة لم تكن سوى صخرةٍ ضخمة، مثبتة في الأرض بأوتاد خشبية وبجوارها قطع من الفحم تستخدم للكتابة على ذلك الحجر الأصمّ.أمّا قاعة الصف الدراسي، فلم تكن أكثر من كوخٍ خشبيٍّ صغير، تتسلّل إليها الرياح من كلّ جانب.جلس أسفل الصخرة عددٌ من الأطفال، ثيابهم رثّة، ووجوههم مغبرّة. يقف أمامهم شيخ مسنّ، يتمايل واقفًا،يبذل ما في وسعه، ولا يترك على الصخرة سوى آثارٍ باهتةٍ واهنة.قال لي مدير المدرسة: "إن آباء هؤلاء الأطفال منشغلون طوال النهار، فيتركون أبناءهم هنا ليتعلّموا، وحين يحلّ المساء، يعودون ليأخذوهم إلى بيوتهم". وأكمل حديثه: "أعلم أن كثيرون ممن يختارون العمل التطوعي بالتدريس يختارونه لتلميع سيرتهم الذاتية لكن المكان ه

  • حين يسمع القلب   الفصل 6

    وتشبثت شيرين به على أطراف قدميها تحاول الوصول إليه لتقبلّه.حاول أيمن أن يدفعها بعيدًا عنه، لكن محاولاته لم تدم طويلًا فسرعان ما استسلم لها وأخذ يقبلها.كانت زهرة تراقب ما يجري، ولمّا وقعت عيناها على المشهد، أسرعت إلى الداخل.حين أيقنت أنها قادمة إليّ، كففت عن متابعة تلك المسرحية، وأحضرت لنفسي قطعة من الكعك وجلست أتناولها في غرفة الجلوس وكأن شيئًا لم يكن، كأن ما حدث ليس سوى سرابًا غير ملموس.أمسكت ابنتي زهرة قطعة حلوى بيدها، وأوشكت على تناولها لكنها توقفت فجأة وكأن شيئًا حال بينهما، فرفعت رأسها إليّ وسألتني بصوتٍ خافت: "أمي، هل يمكنني أن أتناول واحدة؟"كانت ابنتي مولعة بالحلوى لكن أسنانها ضعيفة جدًا، فإذا أفرطت في تناولها داهمها الألم، لذا فكنت أمنعها من تناولها، وربما كانت تلك أحد الأسباب التي جعلتها تنفر منيّ.أومأتُ برأسي وقلتُ بهدوء: "تناولي ما تشائين، فلن يمنعكِ أحدًا عن شيء بعد اليوم".نظرت إليّ متعجبة بعض الشيء لكنها لم تفكر في الأمر طويلًا، وأخذت تتناول الحلوى بسعادة. لم تمض سوى عدة لحظات ودخل أيمن، وعندما وقعت عينيه على ابنته تأكل الحلوى تعجب قليلًا من الأمر.نظر إليّ وقال:

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status