LOGINتعمّدت ابنتي أن تقول لوالدها بصوتٍ عالٍ في الحفلة: "أبي، الخالة شيرين معتز حامل منك، هل سنعيش معها من الآن؟" وضع زوجي شريحة اللحم أمامي ثم قال بهدوء: "تعاهدتُ مع والدتكِ على أن من يسبق بالخيانة، يختفِ إلى الأبد من حياة الآخر". "أنا لا أستطيع تحمّل عواقب ذلك، لذلك أخفيتُ الأمر بإحكام". "وبعد ولادة الطفل، لن أسمح لهم أبدًا بالظهور أمام والدتكِ". أنهى كلماته، ثم أكمل بلغة الإشارة يقول لي أنه يحبني إلى الأبد. لكنه لم يلاحظ احمرار عينيّ. لم يكن يعلم أنني شُفيت من الصمم منذ أسبوع، ولم يعلم أنني اكتشفت منذ زمنٍ خيانتهما الخفيّة، ولم يعلم أيضًا أنني اشتريت سرًّا تذكرة سفر إلى مدينة السحاب للعمل التطوعي في التدريس. كنتُ أنتظر سبعة أيام فقط حتى تكتمل الإجراءات، ثم سأختفي إلى الأبد.
View More"أمي! لا تذهبي، أرجوكِ!"تجمدت في مكاني لوهلة لم أعرف ماذا أفعل في تلك اللحظة فتنهدت بضيق، وإذا بجانبي شاهين يتقدم بضع خطواتٍ للأمام ويقول: "طالما لم تعد تحبكما، فلما تتشبثان بها هكذا؟!" نظر إليّ وأكمل: "كما أنها الآن لديها حبيب آخر، فلا جدوى من مطاردتكما لها".ما أن سمعا كلاهما ما قاله، التفتا إليّ وعيناهما تملأهما نظرات الحقد.تجمد شاهين للحظة، ثم ابتلع ريقه، وشدّ قامته وقال بجرأة مصطنعة: "ماذا؟ ما الذي تنظران إليه؟ إنه أنا، نعم أنا حبيبها، ماذا تريد؟"ضحك أيمن ضحكة عالية يملؤها سخرية وقال له مستهزأً: "هل تعرف من هي؟ إنها زوجت..."وقبل أن يتمم جملته، دوى صوت شاهين في قاعة الصف قائلًا: "إنها منى، كل ما يتمناه المرء أن يتحقق"حين رأيت القلق في عينيه، ذلك الخليط من الخوف والعناد والشجاعة، لم أتمالك نفسي… فضحكتُ.تغير وجه أيمن فجأة وأشتد ضيقًا، كأنه يطلب من ضحكتي برهان أو تكذيبًا لما قد سمعه.فرسم ابتسامة فاترة على وجهة وقال: "منى، أنه يكذب، هذا كله كذب، أخبريني أن هذا كذب!"وقالت ابنتي وهي لا تصدّق ما سمعته: "أمي، إنه يكذب، أليس كذلك؟" نظرت إلى عينيّ شاهين فوجدتهما كبحر صافٍ تتعالى به
حدقت بهم بينما كنت أقول: "أي بيتٍ تتحدثان عنه؟! ذلك المكان المحاط بالأسوار، إن هذا البيت لم يكن بيتي يومً!" تنهدت قليلًا ثم تابعت وصوتي يزداد حدّةً: " تردد أنك تحبني ذهابًا وإيابًا، لكن هل فكرت بي حين خنتني؟! هل تذكّرتَ عهدنا يومًا؟!"والتفتُّ إلى ابنتي وقلت: "وأنتِ! هل فكرتِ بأمكِ حين ساعدتِ أباكِ على خيانتي؟!"عجز كلاهما عن تحمل نظراتي الحادة لهم فلم يجرؤ أيًا منهما على الحديث، اكتفي أيمن بهز رأسه عاجزًا وتحجر الدمع في عينيه، أما زهرة فقد خانتها عينيها وانهمرت الدموع على خديّها. ولكنّني في الحقيقة لم أشعر نحوهما بشيءٍ من الرثاء؛ بل ازددتُ سخريةً.لقد أفسدا كل شيء بحق، فبأي حق يأتيان الآن يتوسلان المغفرة ويرتديان رداء المسكنة؟!أهكذا تسير الأمور؟! هل يمكنني أن أخونه أيضًا ثم أقول "آسفة" فينتهي الأمر، وتٌغفر الصحف كلها؟!صرخت ابنتي متوسّلة: "أمي! إن الأمر ليس هكذا… ليس هكذا حقًا! أبي يحبّك حقًّا… حقًّا يحبّك! وأنا أحبّك أيضًا! سامحي هذه المرّة، أرجوكِ!"فسحبت يدي بعيدًا وقلت: "اتركي يدي! إنكما تثيران اشمئزازي!"ثم تابعت: "أيمن! سأقولها لك هذا للمرة الأخيرة، أنت وزهرة انتهيتما من حيات
لقد صارت الحياة أيسر كما أصبحت أقوى بكثير، فلما لا زلت أشكو إذًا؟عاد صوت شاهين يتردد في آذني ينقذني قبل أن أغرق بالتفكير بينما يقول: "معلمتي، لا تقلقي! سأحميكِ مهما حدث".عندما نظرت في عينيه وجدت فيهما عزيمة حقيقية، فاكتفيت بالابتسامة ولامست رأسه بحنان.ربما كان خياري بالمجيء إلى هنا كان الخيار الأمثل، فعلى الأقل إن الناس هنا صادقون، ولا يعرفون الخداع.وفي أحد الأيام بينما كنت أعطي الدرس للأطفال، ظهر أمامي فجأة شخصان غير متوقعين."أمي!""منى! لقد وجدناكِ هنا أخيرًا!"لم أرَ أيمن وابنتي منذ مدة طويلة. لا أذكر أنني رأيتهم بهذا البؤس من قبل.كان أيمن في الماضي مظهره ساحرًا كالأمراء يسير بخطوات واثقة متزنة.أمّا الآن، فقد تبعثر شعره وانسدل على كتفيه، واحمرت عينيه وأحاط السواد بمقلتيه.وأما ابنتي التي كانت دومًا نظيفة ومشرقة كالأميرة الصغيرة فتبدو الآن شاحبة مغطاة بالوحل كالأطفال الشاردة. لم أرغب في الحديث معهما، لكنهما اندفعا نحوي على الفور. ضمني أيمن إليه وطوقني بذراعه وأجهش بالبكاء وقال: " لما تركتني وحدي؟ إنك تعلمين كم أحبكِ".ثم تابع وهو ينتحب: "منى! أنا أحبكِ حقًا، سأموت بدونكِ".صر
توالت الأيام وكنت أنا وشاهين نجوب هذا المكان في الشروق والغروب.كانت تصلني عدة رسائل من بعض أصدقائي القدامى يخبرونني كم يعاني أيمن وابنتي، لقد أوشكا أن يفقدا عقلهما منذ رحيلي، يبحثان عني كل يوم هنا وهناك ويطوفون على الناس يسألونهم عني.لقد بلغ بهم العناء أن ذهبا إلى الشرطة أكثر من مرة للسؤال عني لكنهما عادا خالين الوفاض كمن يطارد شبحًا. علمت منهم أيضًا أن أيمن قد تخلى عن شيرين وتركها كما أجبرها على إجهاض الجنين، ثم وقف أمام الجميع في المدينة وأعتذر لي وأعترف أنه خانني علنًا، وأنه أستغل حبي له وظن أنه يمكن أن يخونني ويمر الأمر.أما ابنتي فلا تكف عن البكاء ليلًا ونهارًا، كما تقول إنها لن تأكل الحلوى مرة أخرى، وإنّها أخطأت حين عصتني ولم تسمع كلامي.وانقلب الناس في المدينة عليهما في غمضة عين، أصبح أيمن رجلًا خائنًا وضيعًا، بعدما كان رجلًا وقورًا ورئيسًا صارمًا، وصارت ابنتي مثالًا للابنة الجاحدة. عانت الشركة أيضًا جراء ما حدث، فلقد انخفض سعر الأسهم بشدة. ومع ذلك، لم يُبدِ أيمن اكتراثًا، بل زاد في عناده، فاشترى لوحات الإعلانات في أرجاء المدينة كلّها لكي يعتذر لي.وأعلن للجميع يقول إنني إن





