مشاركة

الفصل 2

مؤلف: السيدة الأولى
ما إن سمع أيمن اسمي، حتى تجمّدت الابتسامة على وجه وتحولت ملامحه إلى قسوة باردة.

"لا تجعلوا منى تلاحظ الأمر".

لكنهم لم يعيروا كلامه أي اهتمام، وانفجروا ضاحكين.

وقالت ابنتي بصوت مرتفع: "اطمئن يا أبي، أمي لن تكتشف شيئًا، فهي صمّاء".

تتابعت ضحكاتهم في الداخل بصوت مرتفع، بينما تجمّدتُ خارج الغرفة، عاجزة عن الحركة.

حتى جاء النادل من خلفي ورَبت على كتفي قائلًا: "سيدتي، هل تحتاجين إلى مساعدة؟".

ما إن نطق هذه الجملة، حتى خيّم الصمت فجأة على الغرفة.

التفت الجميع نحوي، وبدا أيمن مرتبكًا للغاية.

سحب يده بسرعة من خصر شيرين، وتهرب عيناه في كل اتجاه.

أخذ يلوح لي بلغة الإشارة يسألني عن سبب عودتي، ويؤكد أن شيرين ليست سوى زميلة دراسة قديمة.

لكنه لم ينتبه إلى أن شفتيه كانتا مغطاتين تمامًا بأحمر الشفاه، وأن يدها ظلت ملتفة بإحكام حول خصره.

نظرت إليّ، وفي عينيها سخرية خفية وتحدٍّ وقح.

ورغم أنني قد حسمت أمري بالرحيل، إلا أن رؤية هذا المشهد أمامي مزق قلبي حتى كدت أعجز عن التنفس.

ابتسمتُ ابتسامة متكلفة وقلت: "عدت لأعطيك المفاتيح، استمتعوا بوقتكم".

وضعت المفاتيح على الطاولة، ولم ألتفت لأي صوت خلفي، ثم غادرت.

سرت في الشارع، أراقب حركة السيارات الصاخبة، وأضواء المدينة المتلألئة على الجانبين، لكنني لم أشعر سوى ببرودة قاتلة تتسلل إلى أعماقي.

لم أعد أرى الطريق أمامي، ولم أعد أسمع أي صوت حولي.

كان الأمر يشبه ما حدث قبل خمس سنوات، حين سافرنا إلى صحراء الينبوع.

ضللنا الطريق، ومشينا يومًا وليلة كاملة وسط صمت مطبق، لم يكن حولنا شيء سوى يده الممسكة بيدي.

حينها قال بلغة الإشارة: "إن متنا معًا، فسيكون ذلك نهاية جميلة لحبنا."

كان يكرر دائمًا أن الحب لا يموت.

لكن الآن، الحب مات، ونحن أيضًا وصلنا أخيرًا إلى نهايتنا.

بعد العودة إلى المنزل، شعرت بإرهاق شديد، فانهار جسدي فوق السرير.

خلا ذهني تمامًا، وبقيت أحدّق في السقف بلا تفكير.

تعرفت على أيمن لأول مرة في معرض توظيف، ومنذ النظرة الأولى، وقعت في حبه بلا رجعة.

منذ ذلك اليوم، لاحقته حتى عرف الجميع قصتنا.

كان كجبل جليدي لا يذوب، يرفض كل من تعترف له بحبها، إلى أن ظهرتُ أنا.

كنت ألاحقه كل يوم، أبادر بالحديث معه، أدعوه لتناول الطعام، ظللت ألاحقه بلا يأس، لثلاث سنوات كاملة.

رفضني مرارًا، لكن مشاعري لم تتغير يومًا.

إلى أن جاءت تلك الليلة…

حين هاجم موظف مفصول مقرّ الشركة وهو ثمل، واعترض طريق أيمن.

فرّ الجميع، بينما اندفعتُ أمامه، وتلقينا الضربات معًا حتى فقدنا الوعي، وغطت الدماء أجسادنا، وحينها فقط ذهب ذلك الموظف.

ومنذ تلك اللحظة، فقدتُ سمعي إلى الأبد.

وعندها فقط، رقّ قلب أيمن أخيرًا، احتضنني بقوة وأنا غارقة بالدماء، وصوته يرتجف خوفًا وهو يقول: "منى، لنتزوج".

بعد أن أصبحنا معًا، لم ينقص حبي له، بل صار حبه لي أعظم.

لكن بعد ولادة ابنتنا، كانت تستاء دائمًا لأني صمّاء، فأمضى أيمن وقت طويل ليعلّمها لغة الإشارة، فقط لأتمكن من التواصل معها بشكل أفضل.

سمعت صوت المفتاح في الباب، مما أيقظني من ذكرياتي.

استدرت إلى جانبي، وتظاهرت بالنوم.

بعد قليل، شعرت بحركة خلفي، ثم أحسست بيد أيمن تتحرك على جسدي، وأنفاسه الدافئة تلامس عنقي.

كنت أعرف أن هذه هي طريقته في التعبير عن مشاعره.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • حين يسمع القلب   الفصل 11

    "أمي! لا تذهبي، أرجوكِ!"تجمدت في مكاني لوهلة لم أعرف ماذا أفعل في تلك اللحظة فتنهدت بضيق، وإذا بجانبي شاهين يتقدم بضع خطواتٍ للأمام ويقول: "طالما لم تعد تحبكما، فلما تتشبثان بها هكذا؟!" نظر إليّ وأكمل: "كما أنها الآن لديها حبيب آخر، فلا جدوى من مطاردتكما لها".ما أن سمعا كلاهما ما قاله، التفتا إليّ وعيناهما تملأهما نظرات الحقد.تجمد شاهين للحظة، ثم ابتلع ريقه، وشدّ قامته وقال بجرأة مصطنعة: "ماذا؟ ما الذي تنظران إليه؟ إنه أنا، نعم أنا حبيبها، ماذا تريد؟"ضحك أيمن ضحكة عالية يملؤها سخرية وقال له مستهزأً: "هل تعرف من هي؟ إنها زوجت..."وقبل أن يتمم جملته، دوى صوت شاهين في قاعة الصف قائلًا: "إنها منى، كل ما يتمناه المرء أن يتحقق"حين رأيت القلق في عينيه، ذلك الخليط من الخوف والعناد والشجاعة، لم أتمالك نفسي… فضحكتُ.تغير وجه أيمن فجأة وأشتد ضيقًا، كأنه يطلب من ضحكتي برهان أو تكذيبًا لما قد سمعه.فرسم ابتسامة فاترة على وجهة وقال: "منى، أنه يكذب، هذا كله كذب، أخبريني أن هذا كذب!"وقالت ابنتي وهي لا تصدّق ما سمعته: "أمي، إنه يكذب، أليس كذلك؟" نظرت إلى عينيّ شاهين فوجدتهما كبحر صافٍ تتعالى به

  • حين يسمع القلب   الفصل 10

    حدقت بهم بينما كنت أقول: "أي بيتٍ تتحدثان عنه؟! ذلك المكان المحاط بالأسوار، إن هذا البيت لم يكن بيتي يومً!" تنهدت قليلًا ثم تابعت وصوتي يزداد حدّةً: " تردد أنك تحبني ذهابًا وإيابًا، لكن هل فكرت بي حين خنتني؟! هل تذكّرتَ عهدنا يومًا؟!"والتفتُّ إلى ابنتي وقلت: "وأنتِ! هل فكرتِ بأمكِ حين ساعدتِ أباكِ على خيانتي؟!"عجز كلاهما عن تحمل نظراتي الحادة لهم فلم يجرؤ أيًا منهما على الحديث، اكتفي أيمن بهز رأسه عاجزًا وتحجر الدمع في عينيه، أما زهرة فقد خانتها عينيها وانهمرت الدموع على خديّها. ولكنّني في الحقيقة لم أشعر نحوهما بشيءٍ من الرثاء؛ بل ازددتُ سخريةً.لقد أفسدا كل شيء بحق، فبأي حق يأتيان الآن يتوسلان المغفرة ويرتديان رداء المسكنة؟!أهكذا تسير الأمور؟! هل يمكنني أن أخونه أيضًا ثم أقول "آسفة" فينتهي الأمر، وتٌغفر الصحف كلها؟!صرخت ابنتي متوسّلة: "أمي! إن الأمر ليس هكذا… ليس هكذا حقًا! أبي يحبّك حقًّا… حقًّا يحبّك! وأنا أحبّك أيضًا! سامحي هذه المرّة، أرجوكِ!"فسحبت يدي بعيدًا وقلت: "اتركي يدي! إنكما تثيران اشمئزازي!"ثم تابعت: "أيمن! سأقولها لك هذا للمرة الأخيرة، أنت وزهرة انتهيتما من حيات

  • حين يسمع القلب   الفصل 9

    لقد صارت الحياة أيسر كما أصبحت أقوى بكثير، فلما لا زلت أشكو إذًا؟عاد صوت شاهين يتردد في آذني ينقذني قبل أن أغرق بالتفكير بينما يقول: "معلمتي، لا تقلقي! سأحميكِ مهما حدث".عندما نظرت في عينيه وجدت فيهما عزيمة حقيقية، فاكتفيت بالابتسامة ولامست رأسه بحنان.ربما كان خياري بالمجيء إلى هنا كان الخيار الأمثل، فعلى الأقل إن الناس هنا صادقون، ولا يعرفون الخداع.وفي أحد الأيام بينما كنت أعطي الدرس للأطفال، ظهر أمامي فجأة شخصان غير متوقعين."أمي!""منى! لقد وجدناكِ هنا أخيرًا!"لم أرَ أيمن وابنتي منذ مدة طويلة. لا أذكر أنني رأيتهم بهذا البؤس من قبل.كان أيمن في الماضي مظهره ساحرًا كالأمراء يسير بخطوات واثقة متزنة.أمّا الآن، فقد تبعثر شعره وانسدل على كتفيه، واحمرت عينيه وأحاط السواد بمقلتيه.وأما ابنتي التي كانت دومًا نظيفة ومشرقة كالأميرة الصغيرة فتبدو الآن شاحبة مغطاة بالوحل كالأطفال الشاردة. لم أرغب في الحديث معهما، لكنهما اندفعا نحوي على الفور. ضمني أيمن إليه وطوقني بذراعه وأجهش بالبكاء وقال: " لما تركتني وحدي؟ إنك تعلمين كم أحبكِ".ثم تابع وهو ينتحب: "منى! أنا أحبكِ حقًا، سأموت بدونكِ".صر

  • حين يسمع القلب   الفصل 8

    توالت الأيام وكنت أنا وشاهين نجوب هذا المكان في الشروق والغروب.كانت تصلني عدة رسائل من بعض أصدقائي القدامى يخبرونني كم يعاني أيمن وابنتي، لقد أوشكا أن يفقدا عقلهما منذ رحيلي، يبحثان عني كل يوم هنا وهناك ويطوفون على الناس يسألونهم عني.لقد بلغ بهم العناء أن ذهبا إلى الشرطة أكثر من مرة للسؤال عني لكنهما عادا خالين الوفاض كمن يطارد شبحًا. علمت منهم أيضًا أن أيمن قد تخلى عن شيرين وتركها كما أجبرها على إجهاض الجنين، ثم وقف أمام الجميع في المدينة وأعتذر لي وأعترف أنه خانني علنًا، وأنه أستغل حبي له وظن أنه يمكن أن يخونني ويمر الأمر.أما ابنتي فلا تكف عن البكاء ليلًا ونهارًا، كما تقول إنها لن تأكل الحلوى مرة أخرى، وإنّها أخطأت حين عصتني ولم تسمع كلامي.وانقلب الناس في المدينة عليهما في غمضة عين، أصبح أيمن رجلًا خائنًا وضيعًا، بعدما كان رجلًا وقورًا ورئيسًا صارمًا، وصارت ابنتي مثالًا للابنة الجاحدة. عانت الشركة أيضًا جراء ما حدث، فلقد انخفض سعر الأسهم بشدة. ومع ذلك، لم يُبدِ أيمن اكتراثًا، بل زاد في عناده، فاشترى لوحات الإعلانات في أرجاء المدينة كلّها لكي يعتذر لي.وأعلن للجميع يقول إنني إن

  • حين يسمع القلب   الفصل 7

    مرت الأيام وصار المكان أشبه بسجن صامت، لا يطوقّه أبوابًا حديدية، بل الوحدة والجفاء.جال بخاطري ما قاله لي مدير المدرسة أنني كنت أول شخص يختار هذا المكان بإرادته، لا اضطرارًا.شعرت بوخزة في قلبي، واجتاحني شعورًا خفيًا بالذنب، فأنا لم آتِ هنا بدافع نقي للتطوع، بل آتيت أسعى مخبأً بعيدًا بما يكفي عن أيمن وابنتي.تبعت المدير إلي المدرسة وحين وصلنا إلى هناك وكان الوضع أقسى مما ظننت.فالسبّورة لم تكن سوى صخرةٍ ضخمة، مثبتة في الأرض بأوتاد خشبية وبجوارها قطع من الفحم تستخدم للكتابة على ذلك الحجر الأصمّ.أمّا قاعة الصف الدراسي، فلم تكن أكثر من كوخٍ خشبيٍّ صغير، تتسلّل إليها الرياح من كلّ جانب.جلس أسفل الصخرة عددٌ من الأطفال، ثيابهم رثّة، ووجوههم مغبرّة. يقف أمامهم شيخ مسنّ، يتمايل واقفًا،يبذل ما في وسعه، ولا يترك على الصخرة سوى آثارٍ باهتةٍ واهنة.قال لي مدير المدرسة: "إن آباء هؤلاء الأطفال منشغلون طوال النهار، فيتركون أبناءهم هنا ليتعلّموا، وحين يحلّ المساء، يعودون ليأخذوهم إلى بيوتهم". وأكمل حديثه: "أعلم أن كثيرون ممن يختارون العمل التطوعي بالتدريس يختارونه لتلميع سيرتهم الذاتية لكن المكان ه

  • حين يسمع القلب   الفصل 6

    وتشبثت شيرين به على أطراف قدميها تحاول الوصول إليه لتقبلّه.حاول أيمن أن يدفعها بعيدًا عنه، لكن محاولاته لم تدم طويلًا فسرعان ما استسلم لها وأخذ يقبلها.كانت زهرة تراقب ما يجري، ولمّا وقعت عيناها على المشهد، أسرعت إلى الداخل.حين أيقنت أنها قادمة إليّ، كففت عن متابعة تلك المسرحية، وأحضرت لنفسي قطعة من الكعك وجلست أتناولها في غرفة الجلوس وكأن شيئًا لم يكن، كأن ما حدث ليس سوى سرابًا غير ملموس.أمسكت ابنتي زهرة قطعة حلوى بيدها، وأوشكت على تناولها لكنها توقفت فجأة وكأن شيئًا حال بينهما، فرفعت رأسها إليّ وسألتني بصوتٍ خافت: "أمي، هل يمكنني أن أتناول واحدة؟"كانت ابنتي مولعة بالحلوى لكن أسنانها ضعيفة جدًا، فإذا أفرطت في تناولها داهمها الألم، لذا فكنت أمنعها من تناولها، وربما كانت تلك أحد الأسباب التي جعلتها تنفر منيّ.أومأتُ برأسي وقلتُ بهدوء: "تناولي ما تشائين، فلن يمنعكِ أحدًا عن شيء بعد اليوم".نظرت إليّ متعجبة بعض الشيء لكنها لم تفكر في الأمر طويلًا، وأخذت تتناول الحلوى بسعادة. لم تمض سوى عدة لحظات ودخل أيمن، وعندما وقعت عينيه على ابنته تأكل الحلوى تعجب قليلًا من الأمر.نظر إليّ وقال:

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status