تسجيل الدخولكانت ساعات العمل تمضي بهدوء.وقف باسم يتابع المرحلة الأخيرة من تثبيت إحدى القطع الحجرية القديمة.تراجع خطوة إلى الخلف وتأمل الواجهة.ثم قال للمهندس المسؤول:"الآن أصبحت متناسقة."ابتسم المهندس وقال:"كنت محقًا لو تركناها كما كانت لكان الفرق واضحًا."اكتفى باسم بابتسامة خفيفة.ثم دوّن بعض الملاحظات في دفتره.وقبل أن يغلقه اهتز هاتفه.نظر إلى الشاشة.فابتسم دون أن يشعر.كان اسم أمي يضيء على الشاشة.أجاب مباشرة.وقال:"السلام عليكم يا أمي."جاءه صوت ليلى دافئًا كعادته."وعليكم السلام يا بني هل أنت مشغول؟"نظر باسم إلى العمال من حوله.ثم ابتعد بضع خطوات حتى أصبح في مكان أكثر هدوءًا.وقال:"لدقائق فقط خير إن شاء الله؟"ابتسمت ليلى في الطرف الآخر.وقالت:"لا يوجد شيء لكنني اشتقت إليك."ارتسمت على وجه باسم ابتسامة صادقة.وقال:"وأنا أيضًا."تابعت ليلى:"هل تستطيع أن تتعشى معي الليلة؟"ساد صمت قصيرثم قال باسم بلطف:"بكل سرور هل أُحضر شيئًا معي؟"ضحكت ليلى.وقالت:"أريدك أنت فقط."ابتسم باسم.وشعر بدفء غريب يسري في قلبه.قال:"إذن سأكون عندك بعد انتهاء العمل."أجابته:"سأنتظرك."أنهت المكالمة.
ظل الدكتور كمال ممسكًا برسالة سامر.كانت أصابعه ترتجف وهو يمررها فوق الكلمات المكتوبة بخط يعرفه جيدًا.أما يوسف ونادر فبقيا صامتين.لم يشأ يوسف أن يقاطعه.كان يشعر أن الرجل يخوض معركة مع ذاكرته قبل أن يخوضها معهما.مرت لحظات طويلة.قبل أن يتنهد الدكتور كمال بعمق.وقال بصوت أثقلته السنوات:"كنت أدعو الله ألا يأتي هذا اليوم."نظر إليه يوسف بهدوء.وقال:"لكنه جاء ولم نعد نملك رفاهية الصمت."أغمض الدكتور كمال عينيه ثم قال:"تعرفان كم سنة مرت منذ رأيت سامر آخر مرة؟"أجاب نادر بصوت خافت:"أكثر من ثلاثين عامًا."ابتسم الدكتور كمال ابتسامة باهتة وقال:"وكأنها حدثت بالأمس."ساد الصمت.ثم وضع الرسالة أمامه وقال:"نعم كنت أعرف سامر."نظر يوسف إليه باهتمام.ولم يقاطعه أكمل الدكتور كمال:"لم أكن مجرد موظف في المديرية, كنت صديقًا له وكان يثق بي."اتسعت عينا نادر وقال بدهشة:"إذن كنت تعرفه شخصيًا؟"أومأ الدكتور كمال برأسه وقال:"منذ سنوات طويلة قبل أن تختفي أخباره."اقترب يوسف قليلًا وسأله:"ماذا حدث يومها؟"تنهد الدكتور كمال.ثم بدأ يتحدث ببطء وكأنه يعيد ترتيب ذكريات دفنها طويلًا."في تلك الليلة وص
انطلقت سيارة يوسف تشق طريقها بهدوء بين شوارع بيروت.كان نادر يجلس إلى جواره.بينما وُضعت الرسالة القديمة داخل ملف جلدي على المقعد الخلفي.لم يتبادل الرجلان الكثير من الحديث.كان كل واحد منهما غارقًا في أفكاره.قطع نادر الصمت قائلًا:"أشعر أن هذه الزيارة لن تشبه الزيارة الأولى."أجاب يوسف وهو يركز نظره على الطريق:"ولا أنا, في المرة الماضية ذهبنا بأسئلة. أما اليوم فنحن نحمل جوابًا."التفت إليه نادر وقال:"هل تعتقد أنه سيتكلم؟"تنهد يوسف طويلًا.ثم قال:"لا أعرف لكنني أعرف شيئًا واحدًا, سامر لم يكن ليكتب اسمه في رسالته إلا إذا كان يعلم أن الحقيقة عنده."ساد الصمت من جديد.وبعد دقائق توقفت السيارة أمام منزل الدكتور كمال السعدي.نظر يوسف إلى المنزل للحظات.كان كما رآه في زيارته الأولى.هادئًا صامتًا.وكأن الزمن توقف عنده منذ سنوات.أطفأ المحرك ثم نظر إلى نادر وقال:"لن نستعجله اليوم هو الذي سيختار الكلام."أومأ نادر برأسه.وترجل الاثنان من السيارة.سارا بخطوات هادئة حتى وصلا إلى الباب.ضغط يوسف جرس المنزل.مرت ثوانٍ طويلة.لم يجب أحد.نظر نادر إلى يوسف.وكاد يتحدث لكن صوت خطوات بطيئة بدأ
بدأت الحركة في موقع المشروع منذ ساعات الصباح الأولى.كان العمال يتوزعون بين أرجاء المبنى الأثري.ويتابع المهندسون مراحل العمل.وقف باسم أمام أحد المخططات الكبيرة.يتفقد بعض الملاحظات.ثم أشار إلى أحد العمال قائلاً:"أعيدوا تثبيت هذه القطعة.""فرق السنتيمتر الواحد قد يغيّر شكل الواجهة كلها."أومأ العامل برأسه.وانصرف لتنفيذ التعليمات.واصل باسم جولته بين أقسام المشروع.يتابع التفاصيل بنفسه.ويجيب عن أسئلة فريق العمل.وبدا أكثر هدوءًا من الأيام الماضية.حتى إن أحد المهندسين قال مبتسمًا:"يبدو أن الأمور تسير كما تريد اليوم."ابتسم باسم بهدوء وقال:"الحمد لله."وفي تلك اللحظة توقفت سيارة عند مدخل الموقع.ترجل منها رامي ولوّح بيده من بعيد.ابتسم باسم فور أن رآه.واتجه نحوه صافحه بحرارة وقال:"ظننت أنك بدأت بتوضيب حقائب السفر."ضحك رامي وقال:"ما زال أمامي يومان قلت أستغل وجودي هنا قبل أن تعود إلى دفن نفسك بين الأحجار."ابتسم باسم وقال مازحًا:"الأحجار أوفى من كثير من البشر."ضحك رامي ثم سارا معًا بين أروقة المشروع.كان باسم يشرح له مراحل الترميم.ويشير إلى الأجزاء التي انتهى العمل فيها.قا
استيقظت ليلى مبكرًا على غير عادتها.كانت أشعة الشمس تتسلل بهدوء إلى غرفة الجلوس.لكنها لم تستطع أن تنشغل بأي شيء.كانت كلمات نوال ودموعها لا تزال عالقة في قلبها.سمعت خطوات تقترب.رفعت رأسها.فرأت طارق يدخل إلى غرفة الجلوس.ابتسم لها وقال:"صباح الخير يا أمي."بادلته الابتسامة وقالت:"صباح النور يا بني."جلس إلى جوارها.ولاحظ من ملامحها أنها كانت تفكر في شيء.فسألها:"هل كل شيء بخير؟"تنهدت ليلى ثم قالت بهدوء:"ذهبت اول أمس إلى نوال."رفع طارق رأسه باهتمام.وقال:"وتحدثتما؟"أومأت برأسها ثم قالت:"تحدثنا طويلًا."ساد الصمت لحظة ثم أضافت:"كانت تحمل هذا الحمل وحدها."نظر إليها طارق منتظرًا.فأكملت:"نوال لم تكن يومًا ضد باسم ولا كانت ترى أنه لا يستحق سلمى."خفض طارق بصره.أما ليلى فأردفت:"كانت خائفة. كل ما كانت تخشاه أن يخسر الأخوان بعضهما.وأن تتحول المحبة بين العائلتين إلى خصومة."أغمض طارق عينيه للحظة.وقال بأسى:"إذن كنا جميعًا نحاول أن نحمي من نحب."ابتسمت ليلى ابتسامة حزينة وقالت:"لكننا أخطأنا الطريق."ساد بينهما صمت طويل.ثم قال طارق فجأة:"اين باسم؟"نظرت إليه ليلى بهدوء.وقال
بعد إعلان الخطوبة عاد الجميع إلى أماكنهم.امتلأت غرفة الجلوس بالأحاديث.وأصوات الضحكات.كان عمر يقف في منتصف الجميع.بينما لم يتركه رامي لحظة دون تعليق ساخر.قال رامي وهو ينظر إلى خاتم طارق:"واضح أن عدوى الزواج انتقلت بسرعة."ضحك عمر وقال:"لا تقلق سنجد لك العلاج."رد رامي ضاحكًا:"لا أريد علاجًا لكنني أريد أن أعرف من سيكون الضحية التالية."تعالت الضحكات.وفي الطرف الآخر كانت جودي تجلس إلى جوار ميرا.تريها صورًا التقطتها في الزفاف.كلما ظهرت صورة طريفة انفجرتا بالضحك.أما ليلى فكانت تجلس إلى جوار نوال.تتحدثان بهدوء.وكأن حديث الصباح ترك بينهما راحة افتقدتاها منذ زمن.وكان نادر يشاركهما الحديث بين الحين والآخر.أما باسم فقد ابتعد قليلًا عن الجميع.وقف بجوار الشرفة المفتوحة.يحمل كوبًا من العصير.وينظر إلى الحديقة المظلمة.كان يكتفي بالاستماع إلى ضحكات من يحبهم.ويشعر براحة لم يعرفها منذ سنوات.وفي الجهة الأخرى من الغرفة كانت سلمى تتحدث مع جودي وميرا.ثم رفعت رأسها دون أن تشعر.فوقع بصرها على باسم.في اللحظة نفسها رفع باسم رأسه.والتقت عيناهما.لم تتجاوز اللحظة ثانيتين.لكنها كانت كاف







