LOGINكانت القاعة الكبرى في قصر سنان قد تحولت إلى ما يشبه غرفة عمليات سياسية أكثر منها قاعة استقبال. اصطف على طاولة مستديرة ضخمة أحد عشر رجلاً، هم كبار شركاء سنان في شبكة تجارة الأسلحة الممتدة من أوروبا الشرقية إلى أفريقيا وآسيا. بعضهم وصل بالطائرات الخاصة، وبعضهم الآخر جاء عبر طرق برية سرية تجنباً لأي مراقبة أمنية. كان سنان جالساً على رأس الطاولة، يرتدي بدلة بيضاء أنيقة وربطة عنق سوداء. بدا هذه المرة مختلفاً؛ لم يكن يبتسم، ولم يكن يدخن سيجاره الكوبي كالعادة. كان وجهه شاحباً، وعيناه غائرتين، ويداه ترتجفان قليلاً، لكن هيبته كانت لا تزال طاغية. إلى يمينه، كان علي جالساً بظهر مستقيم وعينين حادتين ترمقان الحضور. كان يعلم أن هذا الاجتماع ليس مجرد لقاء روتيني. كان سنان يخطط لشيء كبير. إلى يسار سنان، كان أورهان التركي، أكبر منافسيه السابقين. كان رجلاً في الستين من عمره، بديناً، ذا لحية بيضاء كثيفة، وعينان صغيرتان تخترقان كل شيء. إلى جانبه، كان نزار السوري، نحيل البنية، صامتاً، لا يتكلم إلا عندما يضطر. ثم جواد العراقي، رجل في الخمسين، يرتدي بدلة بنية ونظارة طبية سميكة. ثم وسام اللبناني، الشاب ال
كانت الساعة تشير إلى الرابعة صباحاً حين اهتزت الأرض فجأة. انطلق دوي انفجار هائل هز المباني في الحي الصناعي القديم بمرسيليا، وتبعته ألسنة لهب ارتفعت عالياً في السماء المظلمة، لترسم لوحة حمراء على الأفق الأسود. هرعت سيارات الإطفاء والإسعاف إلى المكان، لكن النيران كانت قد التهمت كل شيء. كان المستودع رقم 7 في المنطقة الصناعية الشرقية لمرسيليا يتبع لشركة وهمية مسجلة في لوكسمبورغ باسم "شركة البحر الأبيض المتوسط للشحن". لم يكن أحد يعلم أن المستودع كان يخزن أسلحة وذخائر تابعة لجان لوك، كانت في طريقها إلى جماعة مسلحة في شمال إفريقيا. لكن في تلك الليلة، انفجر كل شيء. جنيف – شقة جان لوك – السادسة صباحاً كان جان لوك نائماً عندما رن هاتفه. نظر إلى الشاشة، فرأى رقم إتيان، مستشاره الأمني. كان يعلم أن إتيان لا يتصل في هذا الوقت إلا لخبر سيء. جان لوك بصوت أجش: «ما الأمر؟» إتيان من الطرف الآخر: «سيد جان لوك، مستودع مرسيليا. انفجر قبل ساعتين. كل شيء ضاع. الأسلحة، الذخائر، والمستودع نفسه. النيران ما زالت مشتعلة.» جلس جان لوك في سريره بسرعة، ويداه ترتجفان. كان المستودع يحتوي على شحنة تقدر بأكثر من خ
استيقظت حلى على صوت رنين هاتفها. نظرت إلى الشاشة، فإذا برسالة من علي: "اللقاء مع هانز انتهى. كل شيء على ما يرام. سأعود خلال يومين. أحبكِ." قرأت الرسالة ثلاث مرات. كانت كلمات علي قصيرة، لكنها حملت إليها شيئاً من الطمأنينة. سألت نفسها: هل هو صادق هذه المرة؟ أم أن الخطر لا يزال يحدق به من كل جانب؟ تركت الهاتف على الطاولة، ونهضت من السرير. كان آدم قد ذهب إلى المدرسة منذ ساعة، وليلى الصغيرة كانت لا تزال نائمة في غرفتها. كان المكان هادئاً، بل هادئاً أكثر من اللازم. سارت إلى المطبخ، وأعدت لنفسها كوباً من القهوة السادة. جلست على طاولة صغيرة قرب النافذة، تحدق في الشارع الخارجي. كانت لندن باردة ذلك الصباح، والغيوم الرمادية تغطي السماء، والأمطار الخفيفة تضرب زجاج النافذة بإيقاع رتيب. كانت تفكر في عرض ليلى. لم تكن قد ردت عليها بعد. لم تكن تعرف إن كانت ستثق بها أم لا. لكنها كانت تعلم شيئاً واحداً: لم يعد لديها وقت للتردد. أخرجت هاتفها، وتصفحت الأسماء حتى وصلت إلى رقم ليلى. ترددت لثوانٍ، ثم ضغطت على زر الاتصال. ردت ليلى بعد الرنة الثالثة. ليلى: «حلى؟ لم أتوقع اتصالك بهذه السرعة.» حلى: «لم أ
وصل علي إلى جنيف في الثانية ظهراً. كانت السماء ملبدة بالغيوم، والرياح الباردة تعصف بممرات الفندق الخارجية. لم يحجز جناحه المعتاد هذه المرة؛ اكتفى بغرفة عادية في الطابق السادس. كان يريد أن يكون أقل وضوحاً، وأكثر قدرة على التحرك دون أن ترصده كاميرات المراقبة أو أعين رجال هانز. دخل غرفته، وألقى بحقيبته الصغيرة على السرير. كان الوقت لا يزال مبكراً؛ اللقاء مع هانز كان في السابعة مساءً. لديه خمس ساعات ليرتب أفكاره. أخرج هاتفه الآمن، وتصفح الملفات التي أرسلها رفيق. الحساب السويسري، سجل التحويلات، والرابط بين هانز وجان لوك. كان هذا هو السلاح الذي سيستخدمه ليس للشراكة، بل للهروب. لم يعد يطمح إلى توسيع إمبراطوريته. كان يريد شيئاً واحداً فقط: الخروج من هذه اللعبة حياً، مع عائلته. تذكر وجه حلى وهي تقول له: "هذه هي المرة الأخيرة". تذكر دموعها، وخوفها، ووعده لها. لم يكن يريد أن يخون هذا الوعد مرة أخرى. في السادسة والنصف، غادر غرفته ونزل إلى البهو. كان يرتدي بدلة زرقاء داكنة وربطة عنق فضية. بدا واثقاً، لكن قلبه كان يخفق بسرعة. توجه إلى مقهى الفندق، حيث طلب هانز اللقاء، وجلس في زاوية منعزلة تطل ع
استيقظ علي في السابعة صباحاً، قبل أن يرن المنبه. كانت عادته منذ سنوات؛ لا يحتاج إلى منبه، فجسده كان يتكيف مع ضغوط العمل لدرجة أنه كان يستيقظ في الوقت نفسه كل يوم تقريباً. نهض من السرير، واتجه إلى الحمام. وقف تحت رذاذ الماء البارد لدقائق، يحاول أن يغسل عنه تعب الأمس وقلقه. خرج، ولف منشفة بيضاء حول خصره، ووقف أمام المرآة. كان وجهه شاحباً، وعيناه تحملان هالات سوداء من قلة النوم. بدا أكبر بسنة أو اثنتين مما هو عليه في الحقيقة. لمس وجهه بيده، وسأل نفسه السؤال الذي كان يطرحه كل صباح: إلى متى؟ لم يجد جواباً. لم يجد أبداً. ارتدى بنطالاً رمادياً وقميصاً أبيض، ونزل إلى قاعة الإفطار في الطابق الأرضي. طلب قهوة سادة وفنجاناً من الزبادي. لم يكن جائعاً، لكنه كان بحاجة إلى شيء يملأ وقته حتى موعد الاتصال برفيق. في العاشرة صباحاً، كان جالساً في غرفته، والهاتف الآمن في يده. اتصل برفيق. رد بعد الرنة الثالثة، وكان صوته متعباً كمن لم ينم. رفيق: «سيد علي. كنت أنتظر اتصالك.» علي: «أخبرني عن الحساب. ما الذي وجدته؟» رفيق: «كل شيء. الحساب موجود في بنك UBSS بجنيف. رقم الحساب: 742-98B-33. الاسم المستعار: "
كانت الشمس قد بدأت تغرب خلف البوسفور، تاركة خلفها ألواناً برتقالية وحمراء تلونت بها السماء وانعكست على سطح الماء كأنها نار هادئة. كان الجو بارداً، والرياح تعصف بأشجار الصنوبر المعمرة في حديقة القصر. في الطابق العلوي، كان سنان جالساً في مكتبه الخاص، وهو مكان لا يدخله إلا المقربون منه. كان المكتب فخماً، مفروشاً بخشب الأبنوس الداكن، وجدرانه مزينة بلوحات زيتية نادرة. كان علي جالساً على الكرسي المقابل لسنان، وظهره مستقيم، وعيناه مثبتتان على وجه الرجل العجوز. كان سنان يدخن سيجاره الكوبي بهدوء، ويداه ترتجفان قليلاً، لكن عينيه كانتا لا تزالان حادتين تخترقان كل شيء. سنان وهو ينفث دخان سيجاره: «هانز بدأ يشم رائحة الخطر. هذا يعني أن الوقت لم يعد في صفنا. سنضرب قبل أن يضرب.» علي: «ماذا تخطط؟» سنان: «جان لوك يشك فينا أيضاً. مخبرينا في باريس قالوا إنه استدعى مستشاره الأمني إتيان، وأمره بمراقبتك أنت شخصياً. هو يعلم أنك الحلقة الأضعف في هذه اللعبة، أو هكذا يظن.» علي ببرود: «لست الحلقة الأضعف. أنا هنا لأنني اخترت أن أكون هنا، وليس لأنني اضطررت.» سنان مبتسماً بسخرية: «اخترت؟ بالطبع اخترت. اخترت ا