INICIAR SESIÓNلم يمنح إيڤان لنفسه ترف الاستسلام لذاك العجز القاتل طويلًا، لكن الصدمة لم تكن شيئاً يُنسى بضربة كف؛ فقد ترك غياب مِيلَا فراغاً بارداً ومرعباً في صدره يلتهم كل شعور بالسيطرة اعتاد عليه. كان يدلم بـأصابعه على جدران الممر السفلي، وأنفسه تخرج ثقيلة ومتقطعة، محارباً صراعاً داخلياً عنيفاً: عقله الحسابي يطالبه بالتركويز ورسم خطة مدروسة لتجنب أي خطأ قد يودتي بحياتها، بينما روحه تكاد تفقد صوابها خوفاً من أن تتأخر خطواته عن الموعد الحاسم. فكرة أنها مرعوبة الآن، أو أنها تتعرض للأذى بعيدةً عن عينيه، كانت تنهش روحه من الداخل وتجعله يقف على حافة الهاوية. التفت بعينين محقونسيتن بالدم والمشاعر المتخبطة نحو رامي، وقال بصوت خشن ومتحشرج بالكاد يستقيم: — "تتبع سيارات تشارلز عشوائياً يشبه البحث عن إبرة في كومة قش، وهم يعلمون ذلك جيداً... لكنه ترك خلفه أثراً." انحنى إيڤان مرة أخرى، وأصابعه تمتلئ ببرودة المكان، ليفحص زاوية الممر بدقة حتى وجد قطرة دم صغيرة جداً كادت تضيع وسط عتمة الأرضية، ومعها قطعة معدنية دقيقة من زر علوي تعود لأحد الخاطفين. قبض على تلك القطعة بقوة جعلت مفاصل يده تصرخ ألماً، مستمداً منه
مرت الدقائق الخمس الأولى بشكل طبيعي ظاهرياً، بينما كان إيڤان جالساً على مقعده في الطابق العلوي، تحيط به هالة من التوتر المكهرب الذي يرفض الاستقرار. عيناه كانت تتبعان حركة المؤشر على شاشة جهازه اللوحي، حيث تظهر إشارة تتبع موقع هاتف مِيلَا كخيط رفيع يربطها به. لكن مع مرور الدقيقة العاشرة دون أي اتصال منها، وبدء تعثر انعقاد اجتماع مجلس الإدارة بسبب غياب الشريك المالي الأساسي وتراشق المستثمرين بالهمسات والاعتراضات، شعر إيڤان بوخزة حادة في صدره تشبه لدغة الأفعى. وقف فجأة بقامة فارعة، متجاهلاً نظرات الجميع، ووجه حديثه الحاد إلى رامي الواقف بقلق قرب الباب: — "أنهِ الاجتماع... مؤجل حتى إشعار آخر." قبل أن يتردد رامي في سؤاله، كان إيڤان قد خطى خطوات واسعة خارج المكتب متوجهاً مباشرة نحو المصعد الخاص. استل هاتفه المحمول وضغط على رقم مِيلَا، لكن رنين الهاتف المتقطع الذي لا يجيب بدأ يتردد في أذنه كدق ناقوس الخطر. فتح المصعد بضربة قوية على الزر، وهبط كالسهم نحو الطابق السفلي (القبو). وما إن انفتح باب المصعد على مصرعيه، حتى استقبله هواء بارد وساكن. سار إيڤان بخطوات ثقيلة، لتصطدم عيناه فوراً بتل
مرت دقائق الانتظار القاتلة وسط صمت مكهرب لم تخرقه سوى دقات الساعة الحائطية ودوي الأفكار المتصارعة في رأس إيڤان. لم يبادل مِيلَا أي حديث؛ إذ كان غارقاً في دراسة المستندات الأخيرة على جهازه بملامح متصلبة، بينما كانت هي الأخرى تحافظ على هدوئها الحذر، متركتة مسافة واعية تفصل بين برود اللحظة وعاصفة القادم. قبل ربع ساعة فقط من موعد الاجتماع الطارئ لمجلس الإدارة، رن هاتف إيڤان المكتبي بإشارة مزعجة. رفع السماعة بعبوس قاتم ليسمع صوت مدير الأمن في الطابق الأرضي يبلغه بوصول طرد عاجل يخص مستندات مالية حساسة، ليقول بصوت سريع: — "سيدي، هناك طرد ورقي يحمل ختماً خاصاً موجهاً باسم الآنسة مِيلَا بالذات، وموظف الاستقبال يرفض تسليمه لشخص آخر نظراً لسرية محتواه المرتبطة بقسم التدقيق." عقد إيڤان حاجبيه بسخط، وهمس بنبرة حادة: — "ومن أين جاء هذا الطرد؟" — "من مكتب الاستشارات التابع للسيد **تشارلز**، الذي أصر رجاله على تسليمه باليد." ما إن تردد اسم تشارلز حتى اشتعلت ومضة من الغضب الحارق في عيني إيڤان؛ فالرجل الأربعيني الذي تجرأ سابقاً ووضع عينيه بطريقة مقيتة على مِيلَا ودفع إيڤان ليفقد السيطرة ويبرحه ضر
في صباح اليوم التالي، كانت أشعة الشمس الهادئة تتسلل عبر زجاج الجناح الواسع لتستقر على ملامح إيڤان وهو يتابع مِيلَا ترمم أناقتها استعداداً للمغادرة. لم يعد هناك مكان للبرود أو المسافات؛ فقد ذابت كل الحدود وبات الجو محُملاً بدفء يغلفه توتر خفي لما سيواجهانه خارجه. — "هل أنتِ متأكدة من أنكِ تريدين الذهاب معي إلى الشركة اليوم؟" سألها إيڤان بصوت عميق وهو يقف خلفها، محيطاً خصرها بذراعيه وشارداً في انعكاس وجهها على مرآة الطاولة، ليتابع بنبرة لا تقبل النقاش: "بإمكانكِ البقاء هنا، وسأنهي كل شيء وأعود إليكِ." التفتت مِيلَا نحوه، وألقت نظرة واثقة ومستقلة في عينيه، ثم وضعت راحتيها على صدره لتجيب بحدة هادئة: — "لن أختبئ في القصر بعد الآن يا إيڤان. ما حدث بالأمس فتح الأبواب على مصراعيها، وعودتي معك إلى الشركة هي الإعلان الرسمي بأنني لست مجرد عابرة في حياتك أو موظفة يمكنهم تجاوزها." استسلم إيڤان لابتسامة جانبية خفيفة، مزجت بين الفخر بجنونها وشراستها وبين خوفه المستمر عليها، وطبع قبلة حانية على جبينها قبل أن يمسك بيدهـا قائلاً بصوت هامس: — "إذن، لنعود إلى القصر أولاً لنرتب أمورنا، ثم لنجعلهم يند
هزها إيڤان بخفة وعنفوان متأجج، وعيناه مسمرتان في عينيها بتوسل مجنون وغضب لم يهدأ بعد. لم تكن قبضتاه تفلتان وجهها، وكأنه يخشى إن تركها أن تتبخر بين أابعه أو يبتلعها هذا العالم البشع الذي كاد يلتهمها قبل قليل. أنفاسهما الحارقة كانت تتصادم في مساحة المصعد الضيق، وصوت صدى صراخهما الداخلي يتردد في أذنيهما، لكن مِيلَا لم تنحسر عنفوانها أو تتراجع. رغم الدموع التي ملأت عينيها، ثبتت نظرتها الحارقة في عينيه، وهتفت بصوت متهدج ومقطوع الأنفاس: — "لأنني لست دمية تحركها متى شئت وتخفيها متى شئت يا إيڤان! إن كنت تخاف عليّ من طمعهم، فاعلم أن طريقتك في إبعادي ومعاملتي كغريبة جافة هي التي جعلتهم تجرأوا وأطمعوا أعينهم فيّ! أنت من أعطيتهم الضوء الأخضر حين ظنوا أنني مجرد موظفة لا تعني لك شيئاً!" وقعت الكلمات على أذني إيڤان كالصواعق المتلاحقة. اهتز جسده، وتلاشت قسوة الغضب المطلق من ملامحه تدريجياً، ليحل محلها إدراك مرعب ووجع عميق. أدرك، ولأول مرة وبشكل كامل، كم كانت خطته عقيمة ومؤلمة، وكم أذاقها من قهر ومرارة وهو يظن أنه يحميها. تراجع بصره عن عينيها ببطء، ومررت أصابعه المرتجفة على شعره بحركة هستيرية من ش
عمّ القاعة صمت مميت وثقيل، كصمت ما بعد الانفجار النووي. لم يكن أحد من رجال الأعمال أو المستثمرين يجرؤ على التقاط أنفاسه، ناهيك عن التمتمة بكلمة واحدة. الجميع كانوا يتسمرون في أماكنهم، عيونهم شاخصة نحو جسد تشارلز الملقى على الأرض بلا حول ولا قوة، وهو يئن بألم ودماء تلطخ وجهه الفاخر، بينما ترتعد فرائصه خوفاً من رعب لم يره في حياته قط. على الطرف الآخر، كان إيڤان ما زال يطبق بذراعيه على مِيلَا بقوة جنونية، كمن يحاول إعادة ترتيب أشلاء روحه التي تناثرت في لحظة فقدان صوابه. كان وجهه مدفوناً في عنقها، وأنفاسه الساخنة والمتسارعة تضرب جلدها، بينما تشهد أصابعه التي تغوص في ظهرها على مدى الرعب الذي عاشه لمجرد تخيل فكرة مساسها بسوء. شعرت مِيلَا بضربات قلبه العنيفة والمجنونة تخترق صدرها، فارتجفت دمعة حارة على خدها. رغم كل القسوة والبرود اللذين عاملهما بها طوال الأيام السابقة، ورغم محاولاته الفاشلة لإخفائها خلف قناع المستشارة الجافة، إلا أن ما رأته الآن أثبت لها حقيقة واحدة لا رجعة فيها: **هو يحرقه الجنون إن مسّها أحد بكلمة، ومستعد لإحراق العالم أجمع لأجلها.** رفعت يديها المرتجفتين ببطء، واستقرت







