مشاركة

الفصل 2

مؤلف: ورد مبعثر على دروب الخوخ
ضحكت ضحكة ساخرة، وأنا أتلوّى في مقعدي من شدة ألم معدتي، عاجزةً عن النطق.

أخرج جاسر دواء المعدة من الدرج ومدّ يده إليّ، لكنني لم أتناوله، فألقاه بوجه عابس.

وعندما وصلنا إلى مسكن شروق، سحبني خارج السيارة.

"أنتِ تعرفين ما يجب عليكِ قوله. إذا استرضيتِها، يمكنكِ طلب أي شروط."

دخلنا المنزل، فإذا بعينيها حمراوين ومتورمتين، وانحنت أمامي.

"آسفة يا سيدة سارة، لم أقصد ذلك حقًا، لقد كنتُ متوترة للغاية وخرجت الكلمة بدون قصد."

"ما كان ينبغي لي أن أكون طائشة ومتهورة هكذا. إن كنتِ غاضبة فوبخيني، وسأصغي."

أشار إليّ جاسر بنظراته لأتحدث.

فصررتُ على أسناني: "لا بأس، أنا لا ألومكِ."

"إن كنتِ تشعرين حقًا بالأسف وتريدين التعويض، فانشري توضيحًا بأنكِ كنتِ معجبة بجاسر من طرف واحد، ولما رفضكِ، قررتِ الانتقام منا. وأنه لا توجد بينكِ وبين جاسر أي علاقة غير لائقة."

"يمكنكما فعل ما تشاءان في الخفاء، لكن لا تدعا ذلك يؤثر على مسيرتي المهنية."

وبخني جاسر بغضب: "يا سارة، أنتِ أنانية جدًا! لقد تعرضتِ للافتراء من قبل، فكيف تقولين مثل هذا الكلام؟"

في بداية مشواري في الإذاعة بعد التخرج، تعرضت للتحرش من مديري، وضربتني زوجته ظنًا منها أنني عشيقته.

وقد خففت عن جاسر وقتها بأن تلك محنة في طياتها منحة، لأنني لم أعد مضطرة للعمل مع ذلك المدير بعد الآن.

غضب جاسر وتألم لأجلي، وسألني لماذا لم أخبره.

وأقسم بعينيه المحمرتين: "زوجتي، سأبذل جهدي لأمنحكِ الحرية والثقة لتستقيلي متى شئتِ."

وقد وفّى بوعده.

اشترينا منزلًا، وسيارة، وتحسنت حياتنا تدريجيًا.

كان يشفق على حالي بسبب طبيعة عملي التي جعلت ليلي نهارًا، فظلَّ يحثني مرارًا على الاستقالة.

لكنني تعلقت بهذا البرنامج، فالمذيعون البدلاء أتوا وذهبوا، ولم يبقَ سواي في النهاية.

وقبل ثلاثة أشهر، قررت المحطة إيقاف بث البرنامج.

وبترشيح من معلمتي العزيزة نادية، اجتزت ثلاث جولات من المقابلات، وحصلت على عرض عمل كمذيعة أخبار في التلفزيون، وسأبدأ الشهر القادم.

كان هذا حلمي الذي طالما تاقت إليه نفسي. وفي هذا المجال، قد تكون الشائعات شرارةً لا تخمد، وأي زلةٍ بسيطة كفيلة بأن تنهي مسيرتي المهنية للأبد.

أنا أنانية؟ أنا أشوه سمعة الآخرين؟ أليسوا هم من يرمونني بالباطل؟

أومأت شروق برأسها وهي تلعب دور المظلومة، والدموع في عينيها، وأمسكت بذراع جاسر، مؤكدة موافقتها، قبل أن تستدير مغادرة لإحضار هاتفها.

لكنني لم أعد أحتمل، فأظلمت الدنيا أمام عينيّ وسقطت مغشيًا عليّ.

عندما استعدت وعيي، كان ضوء الغروب يتسلل من النافذة، ووجدتُ نفسي مستلقيةً على سريرٍ في المستشفى.

كان جاسر يقف عند النافذة مرتديًا قميصًا أبيض قصير الأكمام، وظهره نحوي.

فخُيّل لي للحظة أنه ما زال ذلك الشاب الذي عرفته قبل عشر سنوات، حين كنا نغفو في شقتنا الصغيرة ونستيقظ على عاصفة ممطرة، ليلتفت وعيناه تلمعان بحماس قائلًا: تعالي انظري، هناك قوس قزح مزدوج!

التفت جاسر في الحاضر، ووجهه يفيض بالكآبة والإرهاق.

ناولني اتفاقية الطلاق.

"يمكنكِ الإعلان عن انفصالنا، وإنكِ عزباء. وهكذا لن تؤثر عليكِ علاقتي بشروق."

لم أتردد، فتناولت القلم لأوقع.

لكنه سحب الاتفاقية فجأة. "هل أنتِ مستعجلة إلى هذا الحد؟"

نظرت إليه باستغراب، وسألته بسخرية: "وماذا تتوقع مني؟ أن أتوسل إليك؟ أن أستمر في الصراخ والسؤال لماذا لم تعد تحبني؟ لماذا خنت علاقتنا التي استمرت أكثر من عشر سنوات؟ هل لذلك معنى؟"

أطلق ضحكة باردة قصيرة. "لا، ليس له معنى. وقّعي."

وقّعت، ثم طلبتُ هاتفي. كان يتردد في إعطائي إياه، وعلامات الحيرةِ والترددِ بادية على وجهه، لكنه في النهاية أخرجه من جيبه.

ساورني شعور سيئ.

انفجر هاتفي بالرسائل، واسمي قد تصدّر قائمة البحث: "مذيعة الإذاعة سارة مجدي أجهضت في الثانوية".

في الثالثة فجرًا، زعم حساب أنه زميل دراستي في الثانوية، يدعي فيها أنني أغويتُ معلمًا متدربًا، وأنني كنتُ أختلي به داخل الفصل، مما تسبب في طرده من كلية التربية.

وزعم أن الغياب الذي سجلتُه لمدةِ نصفِ شهرٍ في ذلك الحين، كان لإجراء عملية إجهاض.

ونشر صورًا لنا في حفل التخرج، وصورة لي وأنا أرتدي الزي المدرسي أمام عيادة النساء والولادة.

ضحكت، ورفعت رأسي إلى جاسر.

"ما الفائدة التي تعود عليكما من تدميري؟"

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • راديو منتصف الليل لا يردّ بعد الآن   الفصل 8

    بعد مرور شهر كامل، صدر قرار الجامعة بحقّهما.كان جاسر قد استقال بالفعل من منصبه، فلم ينل من العقاب سوى توبيخ رسمي لم يؤثر في واقع الأمر بشيء، في حين أُلغيت شهادة شروق الجامعية تمامًا. وبغياب جاسر، عجزت عن إيجاد أي فرصة عمل.انفجرت ضدها موجة عارمة من الإدانات والشتائم على الإنترنت، بينما بات جاسر يتحاشاها ويهرب منها كمن يهرب من الطاعون.بلغ بها الانهيار العاطفي مداه تمامًا إثر ذلك، ففتحت بثًا مباشرًا من فوق سطح بناية مكتب المحاماة الذي يعمل به؛ لم يكن هدفها سوى أن يراها جاسر.صاحت عبر البث: "أستاذي، هل أبدو جميلة بفستان الزفاف؟ هل أعجبك؟"وتابعت: "إذا قفزت من هنا، هل ستظل تذكرني طوال ما تبقى من حياتك؟"انهالت تعليقات المتابعين على الشاشة، وكان الكثير منهم يحثونها بسخرية على القفز، قائلين إن كانت تريد الموت فلتفعل ولتكف عن التمثيل، وسرعان ما أُغلق البث المباشر.في تلك الأثناء، كنت قد انتهيت للتو من إجراءات الطلاق مع جاسر، وخرجنا معًا من السجل المدني. وعندما ذهبنا إلى موقع الحادث، كانت سيارة الإسعاف تنقل شروق بالفعل؛ كان المبنى شاهقًا، ولم تكن فرصة نجاتها كبيرة.ظللت في حالة من الذهول طوا

  • راديو منتصف الليل لا يردّ بعد الآن   الفصل 7

    نهض جاسر من خلف المكتب، ووجهه يكسوه التجهم.وفي تلك اللحظة، دخلت شروق وهي تحمل صحنًا من الفاكهة، وما إن رأت نظراته حتى خفق قلبها فزعًا."ما الخطب؟ هل هناك مشكلة في العمل؟"توجه جاسر نحوها، ورمقها بنظرات فاحصة."شروق، أنتِ تعلمين أن أكثر ما أمقته هو الخداع. سأمنحكِ فرصة واحدة فقط. هل أنتِ من دبرتِ ما حدث مع سارة؟ أنتِ تعرفين الشخص الذي نشر الفضائح، أليس كذلك؟""والمرأة التي اعتدت على سارة في المستشفى، والصحفيون الذين ظهروا هناك، هل كنتِ أنتِ من رتبتِ لكل هذا؟"تجمدت ملامح شروق، وهزت رأسها تلقائيًا."كيف لي أن... أعلم أن ما حدث للسيدة سارة كان بسببي، كل ذلك خطئي. لكني لا أعرف شيئًا عن باقي الأمور، صدقني يا جاسر."في هذه الأثناء، رن جرس الباب.أسرعت شروق لتفتح، وما إن رأت من بالخارج حتى اتسعت عيناها، وسألت بصوت خافت: "كيف عثرتِ على هذا المكان؟"أقبلت شيرين بوجه بارد، وبدون أن تلتفت إلى شروق، توجهت نحو جاسر مباشرة."التي أجهضت في الثانوية هي شروق.""عن أي هراء تتحدثين؟" صرخت شروق بصوت حاد، وأمسكت بذراع شيرين: "أنا لا أعرفكِ، اخرجي من منزلي فورًا!"أخرجت شيرين سجلات المحادثات بينهما.انقضت

  • راديو منتصف الليل لا يردّ بعد الآن   الفصل 6

    بعد أسبوع، عدت إلى المنزل، وكان جاسر ينتظرني هناك بالفعل.تقدمتُ نحوه، ودون أن أنطق بكلمة، وقّعتُ مباشرة.كان المنزل من نصيبي، والسيارة من نصيبه، وتقاسمنا الممتلكات مناصفة. كما أضاف بندًا خاصًا ينص على دفع خمسين ألف دفعةً واحدة لتغطية نفقات دراستي في الخارج.وكأن ذلك قد يمحو الأذى الذي ألحقه بي."التسجيل الصوتي."فتح هاتفه وحذفه أمامي."اطمئني، ليس لدي نسخة احتياطية، ولن أحاول استعادته. كما أن والدكِ وعدني بأنه لن يذكر الأمر لأي أحد مجددًا."أطلقتُ ضحكة ساخرة خفيفة، وطلبتُ منه مغادرة منزلي. نهض، ورمقني بنظرة غامضة قاتمة."سارة، أريد أن أسمع منكِ الحقيقة. ما طبيعة علاقتكِ بمنير؟ أو دعيني أسألكِ بصيغة أخرى: هل أقمتما علاقةً معًا؟""وهل هذا الطفل طفلي؟"شعرتُ بالغثيان."اغرب عن وجهي حالًا!"انفعل هو الآخر واهتزت نبرته."ما بكِ؟ ألا تجرئين على الإجابة؟ لقد وشم تاريخ ميلادك على خصره، واعترف بأن مشاعره تجاهكِ ليست عادية، وقال إنه لا يستحقكِ، وإنكِ تستحقين شخصًا أفضل.""لأنني وثقت بكِ، صدقت أنه مجرد حب من طرف واحد، وأنكِ لا تعلمين بذلك، وأنكِ لا تكنين له أي مشاعر. والآن ماذا؟ لقد خدعتِني، وكذ

  • راديو منتصف الليل لا يردّ بعد الآن   الفصل 5

    مررنا بجانب جاسر كتفًا بكتف في الممر.استوعب الأمر فورًا وتوقف ليلتفت خلفه، وسأل بعدم تصديق: "منير؟"ألقى منير عزام نظرة باردة عليه، ومضى قدمًا."منير، أنزل سارة من يدك! إنها زوجتي، وليس لك الحق في أخذها!"ضحكتُ حين سمعتُ هذا، وقلتُ بوهن: "أيها المحامي جاسر، أي قانون ينص على أن الزوجة ملك للزوج؟ هل للزوج الحق في تقييد حريتها؟"أصبح وجه جاسر أكثر قتامة.تشبثت برقبة منير، وقلت بهدوء: "هيا بنا." "أفسح الطريق، أيها المحامي جاسر." تبادل الرجلان نظرات التحدي لبرهة، ثم تنحى جاسر على مضض وأفسح الطريق.أخذني منير إلى مستشفى خاص يتمتع بخصوصية عالية.وبعد الفحص، أخبرني الطبيب أن الجنين قد فُقد.تمسكت بملابس منير، وبكيت حتى اختنقت بالدموع كطفلة هشة تفتقر إلى الأمان."منير...""لا بأس، أنا هنا." وتقطع صوته بالبكاء أيضًا.كان منير يُعتبر في نظر الكبار مجرد شاب طائش. انقطع عن الدراسة في المرحلة الإعدادية، وقضى أيامه بين مقاهي الإنترنت وصالات البلياردو.وكنتُ في صغري أخاف منه كثيرًا، فإذا صادفته في الطريق، كنتُ أخفض رأسي ولا أجرؤ على النظر في عينيه.في ذلك اليوم، أضعتُ رسوم الدراسة التي أعطتني إياها

  • راديو منتصف الليل لا يردّ بعد الآن   الفصل4

    تسمّرتُ في مكاني تمامًا بعد أن تأكدت من الإجابة، ورحتُ أبكي وأضحك في آنٍ واحد.لِمَ كان لا بد أن يكون في هذا الوقت بالذات؟ساعدتني الممرضة في العودة إلى سريري، وأوصتني بألا أنفعل كثيرًا.التقطتُ هاتفي لأجد أن جاسر قد نشر منشورًا.يقول فيه إن كل ما حدث هو تمثيلية من تأليفي وإخراجي، لأثير الجدل وأتصدر التريند، وإنني دفعتُ مالًا لأشخاص كي يتظاهروا بالاتصال بالبرنامج، وإنه لا يعرف تلك الطالبة التي ظهرت في الحلقة مطلقًا."العلاقة بيني وبين السيدة سارة غير مستقرة، ونحن بصدد إجراءات الطلاق. وأفعالها هذه شكّلت انتهاكًا خطيرًا لسمعتي، وسأحتفظ بحقي في ملاحقتها قانونيًا."انقلب الرأي العام فجأة، وامتلأت التعليقات بالشتائم، متهمةً إياي بأنني لا أتورع عن استخدام أي وسيلة دنيئة في سبيل الشهرة.حتى إن أحدهم قام بتعديل صورتي، وكتب على وجهي كلمة "عاهرة".أرسل لي جاسر مقطعًا صوتيًا عبر واتساب.فتحته بيدٍ مرتعشة، فإذا به يحتوي على صوت والدي.يشهد فيه بأنني فتاة منحرفة، وأنني هربت من المنزل في سن المراهقة وعشت مع رجال، وتعرضت لحالات حمل وإجهاض أكثر من مرة."كنا زوجين، ولا أريد أن أراكِ تفقدين سمعتك ومكانت

  • راديو منتصف الليل لا يردّ بعد الآن   الفصل 3

    "ليست هي من فعل ذلك." قال جاسر بحزم: "من المستحيل أن تكون تعرف زملاءكِ في الثانوية، فضلًا عن أن تحصل على هذه الصور.""أنتِ من أصررتِ على ذكر قصة إعجابكِ بذاك المعلم في البرنامج. عليكِ أن تفكري جيدًا: هل أسأتِ إلى أحد من قبل؟ هل لديكِ خلافات مع شخص ما؟ هل فعلتِ شيئًا تشعرين بالندم تجاهه؟""لقد تواصلت مع هذا الحساب، وحذفتُ المنشور الأصلي. سأتولى معالجة هذا الأمر."تجمّدت في مكاني مصدومة، وفجأة شعرت بحرقة شديدة في أنفي."ماذا تقصد؟ أتعني أنك تصدق ذلك؟ ألا تثق بي؟ أتظن أنني أكذب؟"نزعت إبرة المحلول من يدي، ونزلت من السرير، لكنَّ ساقيَّ خانتاني، وشعرتُ بدوارٍ شديد.أمسكني وأعادني إلى السرير."ماذا تفعلين؟ ألا تشعرين بأنكِ مصابة بحمى؟""هل الجدال في هذا الأمر الآن مجدٍ؟ الماضي، سواء كان حقيقيًّا أم لا، لا يهمني إطلاقًا."ثم أضاف: "لكن عدم قدرتكِ على الإنجاب حقيقة."انقبض قلبي بقوة.قبل ثلاث سنوات، بدأنا التخطيط للإنجاب. لكنني أجهضتُ مرتين قبل بلوغ الشهر الثالث.أردت المحاولة مرة أخرى، لكن جاسر كان يشفق عليّ، ورفض أن يتركني أخوض هذه التجربة مجددًا، لما فيها من أذى كبير للجسد."أنا لا أحب الأط

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status