مشاركة

الفصل4

مؤلف: ورد مبعثر على دروب الخوخ
تسمّرتُ في مكاني تمامًا بعد أن تأكدت من الإجابة، ورحتُ أبكي وأضحك في آنٍ واحد.

لِمَ كان لا بد أن يكون في هذا الوقت بالذات؟

ساعدتني الممرضة في العودة إلى سريري، وأوصتني بألا أنفعل كثيرًا.

التقطتُ هاتفي لأجد أن جاسر قد نشر منشورًا.

يقول فيه إن كل ما حدث هو تمثيلية من تأليفي وإخراجي، لأثير الجدل وأتصدر التريند، وإنني دفعتُ مالًا لأشخاص كي يتظاهروا بالاتصال بالبرنامج، وإنه لا يعرف تلك الطالبة التي ظهرت في الحلقة مطلقًا.

"العلاقة بيني وبين السيدة سارة غير مستقرة، ونحن بصدد إجراءات الطلاق. وأفعالها هذه شكّلت انتهاكًا خطيرًا لسمعتي، وسأحتفظ بحقي في ملاحقتها قانونيًا."

انقلب الرأي العام فجأة، وامتلأت التعليقات بالشتائم، متهمةً إياي بأنني لا أتورع عن استخدام أي وسيلة دنيئة في سبيل الشهرة.

حتى إن أحدهم قام بتعديل صورتي، وكتب على وجهي كلمة "عاهرة".

أرسل لي جاسر مقطعًا صوتيًا عبر واتساب.

فتحته بيدٍ مرتعشة، فإذا به يحتوي على صوت والدي.

يشهد فيه بأنني فتاة منحرفة، وأنني هربت من المنزل في سن المراهقة وعشت مع رجال، وتعرضت لحالات حمل وإجهاض أكثر من مرة.

"كنا زوجين، ولا أريد أن أراكِ تفقدين سمعتك ومكانتك. متى قررتِ الطلاق، اتصلي بي."

"وبخصوص الطفل، سواء قررتِ الإبقاء عليه أو إنهاء الحمل، فالأمر لكِ. وإن وُلد، فسأدفع نفقة رعايته."

لقد ساعدني جاسر في التخلص من هذه المشكلات في الماضي، ولكنه الآن يستخدمها ضدي من أجل امرأة أخرى، ويهددني بهذه الأمور.

شعرتُ بمرارة تتصاعد في حلقي، فأغلقت هاتفي، غارقةً في يأس جعلني عاجزةً عن النطق.

لا أعلم كم لبثتُ مستلقية حتى دُفع الباب.

كانت شروق تحمل علبة طعام.

"سارة، أخبرني جاسر أنكِ تحبين عصيدة الدخن. لقد أعددت بعضًا منه، وأحضرت معي بعض المخللات التي أرسلتها لي أمي."

خفضت رأسها، وهمّت بالاعتذار مجددًا، وبصوتٍ مبحوح من البكاء: "سارة، أنا آسفة حقًا. لم أتوقع أن تتطور الأمور إلى هذا الحد..."

كان صوتها المتصنع يثير اشمئزازي، فاقشعر جسدي وتملّكني الغثيان حتى كدت أتقيأ.

وفي غمرة ارتباكي، أسقطتُ وعاء العصيدة من غير قصد. فاندفعت شروق نحو السرير وركعت على ركبتيها، وحاولت التقاط ما انسكب بيدها.

في تلك اللحظة، اندفع جاسر إلى الغرفة، بوجهٍ يفيض بالصدمة والشفقة.

"شروق..."

خلع قميصه فورًا ليمسح به يدي شروق، فظهرت على ظهره بضع خدوش من آثار الأظافر.

لم يكترث لأي شيء آخر، بل أخذها إلى الحمام، بعد أن رمقني بنظرة مليئة بالاشمئزاز.

وبعد عشر دقائق، عاد وارتدى سترته.

"شروق تعاني من الوسواس القهري. لقد غسلت يديها بالكحول حتى احمرتا. لقد احترمتكِ بما فيه الكفاية. إن كان لديكِ أي ضغينة، فصبيها عليّ."

ضحكت ضحكة ساخرة.

"آه، إذن أنتما متناسبان حقًا."

كان جاسر يعاني أيضًا من الوسواس القهري، كان إذا لامس شخصًا أو لامسه أحد، أسرع إلى مسح موضع التلامس بمناديل معقمة.

لكنه مع ذلك، تحمّل وسواسه ليعدّ لي الطعام، وينظف آثار الدم بعد إجهاضي.

"أنتِ استثنائي الوحيد، فمعكِ وحدكِ يتلاشى هوسي بالنظافة."

عضضت شفتي بحنق حتى كدتُ أدميها، وفجأة انفتح باب الغرفة بعنف.

دخلت امرأة وسألت: "هل أنتِ سارة؟"

وقبل أن أتمكن من الإجابة، اقتربت مني وصفعتني على وجهي، ثم أمسكت بشعري ودفعت بطني نحو حافة الطاولة.

كانت تمسك بيدها صورة لرجل، هو نفسه الذي كان والدي يعتزم تسليمي إليه.

"أتحاولين إغواء رجال الآخرين؟ سأقتلكِ أيتها العاهرة."

نظرتُ إلى جاسر مستغيثةً به، لكنه لم يلتفت إليّ.

كان قد حمل حقيبة شروق وخرج مسرعًا من الغرفة.

ربما هو من استدعاها.

"سمعتُ أنكِ حامل! طفل العاهرة ليس سوى لقيط! أتظنين أنكِ ستنجبين وتدمّرين حياة عائلة أخرى؟"

شعرتُ بالاختناق، واشتدّ العجز واليأس في قلبي، عاجزةً عن حماية طفلي.

كانت المرأة قوية، إذ سحبتني من شعري وأخذت تضرب رأسي بالجدار.

كدت أن أفقد الوعي من شدة الألم، ولم تفلتني المرأة إلا بعد أن سال الدم من أسفل جسدي.

احتشد الناس خارج الغرفة، ولم يتقدم أحد للمساعدة بعد أن سمعوا أنني عاهرة.

وانهرتُ على الأرض وسط بركة من الدم.

عندها، اندفعت مجموعة من الأشخاص يرفعون هواتفهم وكاميراتهم، وادعوا أنهم صحفيون.

"سيدة سارة، هل خانكِ زوجكِ حقًّا مع طالبته؟ هل الادعاءات المتداولة على الإنترنت صحيحة؟ هل أجهضتِ في الثانوية حقًّا؟"

"لقد تواصلنا مع زميل لكِ في الدراسة، وقال إنكِ بدأتِ في إقامة علاقات ومساكنة أشخاص ذوي سمعة سيئة منذ المرحلة الإعدادية، وكنتِ تعيشين معهم. هل هذا صحيح؟"

"ما هو ردكِ على تصريحات زوجكِ؟ أرجوكِ، علّقي!"

"وهذه السيدة التي تتهمكِ بإغواء زوجها، ما قصتها؟ وهل كان طلاقكِ من المحامي جاسر بسبب خيانتكِ؟"

كانت الكاميرات موجهة نحوي، وكان طنين يملأ أذنيّ، ورأسي يكاد ينفجر من الألم.

"ابتعدوا!"

اندفع رجل إلى الداخل وقد بدا عليه الإرهاق من عناء السفر، وأزاحهم عن طريقه، ثم حملني من الأرض.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • راديو منتصف الليل لا يردّ بعد الآن   الفصل 8

    بعد مرور شهر كامل، صدر قرار الجامعة بحقّهما.كان جاسر قد استقال بالفعل من منصبه، فلم ينل من العقاب سوى توبيخ رسمي لم يؤثر في واقع الأمر بشيء، في حين أُلغيت شهادة شروق الجامعية تمامًا. وبغياب جاسر، عجزت عن إيجاد أي فرصة عمل.انفجرت ضدها موجة عارمة من الإدانات والشتائم على الإنترنت، بينما بات جاسر يتحاشاها ويهرب منها كمن يهرب من الطاعون.بلغ بها الانهيار العاطفي مداه تمامًا إثر ذلك، ففتحت بثًا مباشرًا من فوق سطح بناية مكتب المحاماة الذي يعمل به؛ لم يكن هدفها سوى أن يراها جاسر.صاحت عبر البث: "أستاذي، هل أبدو جميلة بفستان الزفاف؟ هل أعجبك؟"وتابعت: "إذا قفزت من هنا، هل ستظل تذكرني طوال ما تبقى من حياتك؟"انهالت تعليقات المتابعين على الشاشة، وكان الكثير منهم يحثونها بسخرية على القفز، قائلين إن كانت تريد الموت فلتفعل ولتكف عن التمثيل، وسرعان ما أُغلق البث المباشر.في تلك الأثناء، كنت قد انتهيت للتو من إجراءات الطلاق مع جاسر، وخرجنا معًا من السجل المدني. وعندما ذهبنا إلى موقع الحادث، كانت سيارة الإسعاف تنقل شروق بالفعل؛ كان المبنى شاهقًا، ولم تكن فرصة نجاتها كبيرة.ظللت في حالة من الذهول طوا

  • راديو منتصف الليل لا يردّ بعد الآن   الفصل 7

    نهض جاسر من خلف المكتب، ووجهه يكسوه التجهم.وفي تلك اللحظة، دخلت شروق وهي تحمل صحنًا من الفاكهة، وما إن رأت نظراته حتى خفق قلبها فزعًا."ما الخطب؟ هل هناك مشكلة في العمل؟"توجه جاسر نحوها، ورمقها بنظرات فاحصة."شروق، أنتِ تعلمين أن أكثر ما أمقته هو الخداع. سأمنحكِ فرصة واحدة فقط. هل أنتِ من دبرتِ ما حدث مع سارة؟ أنتِ تعرفين الشخص الذي نشر الفضائح، أليس كذلك؟""والمرأة التي اعتدت على سارة في المستشفى، والصحفيون الذين ظهروا هناك، هل كنتِ أنتِ من رتبتِ لكل هذا؟"تجمدت ملامح شروق، وهزت رأسها تلقائيًا."كيف لي أن... أعلم أن ما حدث للسيدة سارة كان بسببي، كل ذلك خطئي. لكني لا أعرف شيئًا عن باقي الأمور، صدقني يا جاسر."في هذه الأثناء، رن جرس الباب.أسرعت شروق لتفتح، وما إن رأت من بالخارج حتى اتسعت عيناها، وسألت بصوت خافت: "كيف عثرتِ على هذا المكان؟"أقبلت شيرين بوجه بارد، وبدون أن تلتفت إلى شروق، توجهت نحو جاسر مباشرة."التي أجهضت في الثانوية هي شروق.""عن أي هراء تتحدثين؟" صرخت شروق بصوت حاد، وأمسكت بذراع شيرين: "أنا لا أعرفكِ، اخرجي من منزلي فورًا!"أخرجت شيرين سجلات المحادثات بينهما.انقضت

  • راديو منتصف الليل لا يردّ بعد الآن   الفصل 6

    بعد أسبوع، عدت إلى المنزل، وكان جاسر ينتظرني هناك بالفعل.تقدمتُ نحوه، ودون أن أنطق بكلمة، وقّعتُ مباشرة.كان المنزل من نصيبي، والسيارة من نصيبه، وتقاسمنا الممتلكات مناصفة. كما أضاف بندًا خاصًا ينص على دفع خمسين ألف دفعةً واحدة لتغطية نفقات دراستي في الخارج.وكأن ذلك قد يمحو الأذى الذي ألحقه بي."التسجيل الصوتي."فتح هاتفه وحذفه أمامي."اطمئني، ليس لدي نسخة احتياطية، ولن أحاول استعادته. كما أن والدكِ وعدني بأنه لن يذكر الأمر لأي أحد مجددًا."أطلقتُ ضحكة ساخرة خفيفة، وطلبتُ منه مغادرة منزلي. نهض، ورمقني بنظرة غامضة قاتمة."سارة، أريد أن أسمع منكِ الحقيقة. ما طبيعة علاقتكِ بمنير؟ أو دعيني أسألكِ بصيغة أخرى: هل أقمتما علاقةً معًا؟""وهل هذا الطفل طفلي؟"شعرتُ بالغثيان."اغرب عن وجهي حالًا!"انفعل هو الآخر واهتزت نبرته."ما بكِ؟ ألا تجرئين على الإجابة؟ لقد وشم تاريخ ميلادك على خصره، واعترف بأن مشاعره تجاهكِ ليست عادية، وقال إنه لا يستحقكِ، وإنكِ تستحقين شخصًا أفضل.""لأنني وثقت بكِ، صدقت أنه مجرد حب من طرف واحد، وأنكِ لا تعلمين بذلك، وأنكِ لا تكنين له أي مشاعر. والآن ماذا؟ لقد خدعتِني، وكذ

  • راديو منتصف الليل لا يردّ بعد الآن   الفصل 5

    مررنا بجانب جاسر كتفًا بكتف في الممر.استوعب الأمر فورًا وتوقف ليلتفت خلفه، وسأل بعدم تصديق: "منير؟"ألقى منير عزام نظرة باردة عليه، ومضى قدمًا."منير، أنزل سارة من يدك! إنها زوجتي، وليس لك الحق في أخذها!"ضحكتُ حين سمعتُ هذا، وقلتُ بوهن: "أيها المحامي جاسر، أي قانون ينص على أن الزوجة ملك للزوج؟ هل للزوج الحق في تقييد حريتها؟"أصبح وجه جاسر أكثر قتامة.تشبثت برقبة منير، وقلت بهدوء: "هيا بنا." "أفسح الطريق، أيها المحامي جاسر." تبادل الرجلان نظرات التحدي لبرهة، ثم تنحى جاسر على مضض وأفسح الطريق.أخذني منير إلى مستشفى خاص يتمتع بخصوصية عالية.وبعد الفحص، أخبرني الطبيب أن الجنين قد فُقد.تمسكت بملابس منير، وبكيت حتى اختنقت بالدموع كطفلة هشة تفتقر إلى الأمان."منير...""لا بأس، أنا هنا." وتقطع صوته بالبكاء أيضًا.كان منير يُعتبر في نظر الكبار مجرد شاب طائش. انقطع عن الدراسة في المرحلة الإعدادية، وقضى أيامه بين مقاهي الإنترنت وصالات البلياردو.وكنتُ في صغري أخاف منه كثيرًا، فإذا صادفته في الطريق، كنتُ أخفض رأسي ولا أجرؤ على النظر في عينيه.في ذلك اليوم، أضعتُ رسوم الدراسة التي أعطتني إياها

  • راديو منتصف الليل لا يردّ بعد الآن   الفصل4

    تسمّرتُ في مكاني تمامًا بعد أن تأكدت من الإجابة، ورحتُ أبكي وأضحك في آنٍ واحد.لِمَ كان لا بد أن يكون في هذا الوقت بالذات؟ساعدتني الممرضة في العودة إلى سريري، وأوصتني بألا أنفعل كثيرًا.التقطتُ هاتفي لأجد أن جاسر قد نشر منشورًا.يقول فيه إن كل ما حدث هو تمثيلية من تأليفي وإخراجي، لأثير الجدل وأتصدر التريند، وإنني دفعتُ مالًا لأشخاص كي يتظاهروا بالاتصال بالبرنامج، وإنه لا يعرف تلك الطالبة التي ظهرت في الحلقة مطلقًا."العلاقة بيني وبين السيدة سارة غير مستقرة، ونحن بصدد إجراءات الطلاق. وأفعالها هذه شكّلت انتهاكًا خطيرًا لسمعتي، وسأحتفظ بحقي في ملاحقتها قانونيًا."انقلب الرأي العام فجأة، وامتلأت التعليقات بالشتائم، متهمةً إياي بأنني لا أتورع عن استخدام أي وسيلة دنيئة في سبيل الشهرة.حتى إن أحدهم قام بتعديل صورتي، وكتب على وجهي كلمة "عاهرة".أرسل لي جاسر مقطعًا صوتيًا عبر واتساب.فتحته بيدٍ مرتعشة، فإذا به يحتوي على صوت والدي.يشهد فيه بأنني فتاة منحرفة، وأنني هربت من المنزل في سن المراهقة وعشت مع رجال، وتعرضت لحالات حمل وإجهاض أكثر من مرة."كنا زوجين، ولا أريد أن أراكِ تفقدين سمعتك ومكانت

  • راديو منتصف الليل لا يردّ بعد الآن   الفصل 3

    "ليست هي من فعل ذلك." قال جاسر بحزم: "من المستحيل أن تكون تعرف زملاءكِ في الثانوية، فضلًا عن أن تحصل على هذه الصور.""أنتِ من أصررتِ على ذكر قصة إعجابكِ بذاك المعلم في البرنامج. عليكِ أن تفكري جيدًا: هل أسأتِ إلى أحد من قبل؟ هل لديكِ خلافات مع شخص ما؟ هل فعلتِ شيئًا تشعرين بالندم تجاهه؟""لقد تواصلت مع هذا الحساب، وحذفتُ المنشور الأصلي. سأتولى معالجة هذا الأمر."تجمّدت في مكاني مصدومة، وفجأة شعرت بحرقة شديدة في أنفي."ماذا تقصد؟ أتعني أنك تصدق ذلك؟ ألا تثق بي؟ أتظن أنني أكذب؟"نزعت إبرة المحلول من يدي، ونزلت من السرير، لكنَّ ساقيَّ خانتاني، وشعرتُ بدوارٍ شديد.أمسكني وأعادني إلى السرير."ماذا تفعلين؟ ألا تشعرين بأنكِ مصابة بحمى؟""هل الجدال في هذا الأمر الآن مجدٍ؟ الماضي، سواء كان حقيقيًّا أم لا، لا يهمني إطلاقًا."ثم أضاف: "لكن عدم قدرتكِ على الإنجاب حقيقة."انقبض قلبي بقوة.قبل ثلاث سنوات، بدأنا التخطيط للإنجاب. لكنني أجهضتُ مرتين قبل بلوغ الشهر الثالث.أردت المحاولة مرة أخرى، لكن جاسر كان يشفق عليّ، ورفض أن يتركني أخوض هذه التجربة مجددًا، لما فيها من أذى كبير للجسد."أنا لا أحب الأط

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status