FAZER LOGIN«لن أتزوجك ولو كنت آخر رجل على وجه الأرض!»
كانت تلك أول جملة قالتها تاليا في وجه جيوفاني دي لوكا، بعد أقل من اثنتي عشرة ساعة على اقتحامه مكان عملها، ولم تكن تعرف أن الرجل الذي اعتاد أن تنحني أمامه رؤوس أخطر المجرمين في ثلاث قارات قد جاءها هذه المرة بعرض لا يقبل الرفض.
كان الصباح قد بدأ يتسلل إلى القاهرة، لكن تاليا لم تنم طوال الليل.
جلست على حافة سرير أمها في الشقة الصغيرة، تمسك هاتفها بكلتا يديها، وتعيد النظر إلى الصورة التي وصلتها من الرقم المجهول. صورة أمها أمام الصيدلية، التقطت من مسافة قريبة بما يكفي لتجعلها تدرك أن الشخص الذي أرسلها لم يكن يهددها من بعيد.
كان يراقبها.
وربما كان يراقب أمها أيضًا.
«تاليا؟»
جاء صوت أمها ضعيفًا من فوق الوسادة.
انتفضت تاليا وأغلقت الهاتف بسرعة، ثم رسمت ابتسامة حاولت أن تبدو طبيعية.
«صباح الخير يا ست الكل. كيف تشعرين اليوم؟»
راقبتها أمها بعينين متعبتين.
«لم تنامي.»
«نمت.»
«أنت تكذبين منذ كنت طفلة، وما زلت لا تتقنين الكذب.»
جلست تاليا إلى جوارها، وأخذت ترتب الغطاء حول كتفيها.
«أنا بخير يا أمي. كنت أفكر في بعض الأشياء المتعلقة بالعمل فحسب.»
«هل حدث شيء؟»
ترددت تاليا.
كان بإمكانها أن تخبرها بالحقيقة، أن تقول لها إن رجلًا لا تعرف الرحمة طريقًا إلى قلبه يعرف اسمها، ومكان عملها، ويطالبها بدين لم ترتكبه، وأنه أرسل صورة لها ليؤكد أنه قادر على الوصول إليها متى شاء.
لكنها حين نظرت إلى وجه أمها الشاحب، تراجعت.
لم تكن تريد أن تضيف الخوف إلى مرضها.
«لا شيء يستحق القلق. سأذهب إلى العمل، ثم أعود ومعي الدواء.»
أمسكت أمها بيدها.
«أبوك اتصل بك؟»
توقفت تاليا عن الحركة.
كان السؤال بسيطًا، لكنه أعاد فتح جرح قديم لم يلتئم يومًا.
«لا.»
«إذا اتصل، أخبريني.»
حدقت تاليا في يد أمها الصغيرة التي كانت تحيط بأصابعها، ثم سألتها بصوت خافت:
«لماذا يا أمي؟ بعد كل هذه السنوات، لماذا ما زلت تنتظرين اتصاله؟»
أدارت أمها وجهها نحو النافذة.
«لأنه أبوك.»
«لكنه تركك مريضة، وتركنا بلا مال، واختفى كأننا لم نكن جزءًا من حياته يومًا!»
خرجت الكلمات من فم تاليا أسرع مما أرادت.
ارتجفت شفتا أمها، فندمت تاليا في اللحظة نفسها.
انحنت وقبلت يدها.
«آسفة. لم أقصد أن أرفع صوتي.»
مررت أمها أصابعها فوق شعرها.
«أعرف أنك غاضبة منه. وأنا أيضًا غاضبة. لكن هناك أشياء لا تعرفينها يا تاليا.»
رفعت تاليا رأسها بسرعة.
«مثل ماذا؟»
فتحت أمها فمها، ثم أغلقته مجددًا.
تسللت نظرة خوف إلى عينيها، قبل أن تستدير نحو النافذة وتهمس:
«ليس الآن.»
شعرت تاليا بأن شيئًا باردًا استقر في معدتها.
«أمي، هل تعرفين أين أبي؟»
لم تأتها إجابة.
لكن الصمت الذي أعقب سؤالها كان كافيًا ليجعلها تشك في أن اختفاء أبيها لم يكن الحكاية البسيطة التي عاشت تصدقها طوال السنوات الماضية.
وقبل أن تتمكن من طرح سؤال آخر، رن جرس الباب.
مرة.
ثم مرة ثانية.
ثم جاءت ثلاث طرقات قوية جعلت أمها تنتفض في سريرها.
نهضت تاليا، وأشارت إليها أن تبقى مكانها.
«سأرى من الطارق.»
توجهت نحو الباب بخطوات حذرة، ونظرت من العين السحرية.
تجمدت.
أربعة رجال ببدلات سوداء وقفوا في الممر، وعلى رأسهم الرجل الذي ظنت أنها لن تراه مجددًا بعد الليلة الماضية.
جيوفاني دي لوكا.
كان يرتدي معطفًا أسود طويلًا فوق بدلته، ويمسك بيده اليمنى قفازًا جلديًّا، بينما استقرت يده الأخرى في جيب معطفه.
لم يبدُ عليه أنه قطع مسافة طويلة أو أنه قضى ليلة بلا نوم.
كان هادئًا، مرتبًا، ومخيفًا على نحو مستفز.
رفعت تاليا يدها إلى جبينها.
«يا رب، أعطني الصبر، لأنني لو أعطيتني القوة فسأرتكب جريمة.»
طرقات أخرى هزت الباب.
جاء صوته من الخارج:
«افتحي يا تاليا.»
فتحت الباب بمقدار يسمح لها بالنظر إليه، وأبقت السلسلة المعدنية مثبتة.
«هل فقدت الطريق إلى مكتبك، أم أن لديك هواية جديدة تتمثل في إفساد صباح الناس؟»
نظر إلى السلسلة، ثم إلى وجهها.
«أمامك خمس ثوانٍ لفتح الباب.»
«وأمامك خمس سنوات لتتعلم كيف يطرق الناس الأبواب قبل دخول بيوت الآخرين.»
لم يبتسم.
أخرج هاتفه، ونظر إلى الشاشة، ثم أعاده إلى جيبه.
«أمك في الداخل؟»
اختفت السخرية من وجه تاليا.
«لا تدخل في الأمر.»
«إذن افتحي الباب.»
«لن أسمح لك بالاقتراب منها.»
ظل ينظر إليها لحظات، ثم قال ببرود:
«لديك ثلاث ثوانٍ.»
«وأنا لدي باب، وسلسلة، ورغبة عارمة في—»
لم تكمل.
أشار جيوفاني إلى أحد رجاله، فتقدم الرجل وفتح القفل الخارجي بمفتاح صغير أخرجه من جيبه.
اتسعت عينا تاليا.
«كيف حصلتم على المفتاح؟»
لم يجب أحد.
فتح الرجل الباب، فانفكت السلسلة المعدنية، ودخل جيوفاني إلى الشقة كأنه يدخل مكتبه الخاص.
اندفعت تاليا أمامه، ووقفت في طريقه.
«أنت مجنون! هذا منزلي!»
توقف أمامها مباشرة.
«أعرف.»
«إذن اخرج!»
«لا.»
«سأصرخ!»
ألقى نظرة سريعة على الممر.
«افعلي. سيستيقظ الجيران، وسيسألون لماذا يقف أربعة رجال مسلحين أمام بابك. هل تريدين أن تشرحي لهم؟»
كرهت تاليا أنه محق.
وكرهت أكثر أنه يعرف كيف يستخدم كل شيء ضدها.
ابتعدت عن طريقه، لكنها رفعت إصبعها في وجهه.
«لن تقترب من أمي. ولن تلمس أي شيء في هذا المنزل. ولن تتحدث معي وكأنني واحدة من رجالك.»
تأملها للحظة.
«انتهيت؟»
«لا، لكنني سأحتفظ ببقية الخطبة حتى أجد جمهورًا يستحقها.»
ثم استدار ودخل غرفة الجلوس.
كانت الشقة صغيرة، بأثاث قديم وطلاء متشقق قرب النافذة. على الحائط صورة عائلية قديمة، وفي الزاوية خزانة خشبية تحمل فوقها بعض الأدوية وعلبة نقود صغيرة.
توقف جيوفاني أمام الصورة.
كان عادل يقف في الوسط، يحيط بزوجته وطفلته بذراعيه.
حدق في وجه الرجل طويلًا.
ثلاث سنوات من البحث، وآلاف الأوراق، وملايين الدولارات التي اختفت في شبكة معقدة من الحسابات والشركات الوهمية، ولم يتمكن أحد من الوصول إلى عادل.
ثم وجد ابنته.
وكانت تلك المرة الأولى التي يرى فيها جيوفاني شيئًا يخص الرجل خارج الملفات المصرفية.
صورة عائلية.
ضحكات.
حياة عادية.
أشياء لم يكن لها مكان في عالمه.
قال دون أن يرفع عينيه عن الصورة:
«كم مضى على اختفائه؟»
أجابت تاليا من خلفه:
«ثلاث سنوات.»
«هل اتصل بك؟»
«لا.»
«هل أرسل مالًا؟»
«لا.»
«هل تعرفين إن كان على قيد الحياة؟»
«لا أعرف شيئًا عن أبي! هل تستطيع أن تفهم هذه الجملة؟»
التفت إليها.
«إذن لماذا تخفين شيئًا؟»
تجمدت للحظة.
«أنا لا أخفي شيئًا.»
«أمك تعرف أكثر مما تقول.»
اندفعت تاليا نحوه.
«لا تدخل أمي في تحقيقاتك!»
«إن كانت تعرف مكان الرجل الذي سرق أموالي، فهي جزء من التحقيق.»
«إنها مريضة!»
«وهذا لا يغير حقيقة أن زوجها سرق مني عشرين مليون دولار.»
«زوجها لم يسرق منك شيئًا أمام عيني!»
«وأنا لم آتِ إلى هنا لأحصل على شهادة منك.»
تواجهت نظراتهما.
كان جيوفاني معتادًا على أن ينتهي كل نقاش حين يقرر هو ذلك. أما تاليا، فكانت تملك موهبة نادرة في جعل كل كلمة يقولها سببًا لكلمة أخرى.
قالت بغضب:
«إذا كنت تريد إجابات، فاذهب وابحث عن أبي. أما أنا، فلدي حياة أحاول إصلاحها، ولا وقت لدي لأكون سجينة في قصة لم أكتبها.»
نظر إلى الساعة في معصمه.
«جيد. لأنني لم آتِ لأجعلك سجينة.»
شعرت تاليا بشيء من الارتياح، لكنه لم يستمر إلا لحظة.
أكمل جيوفاني:
«أتيت لأعرض عليك صفقة.»
ضحكت بمرارة.
«صفقة؟ هل ستبيعني إلى أحد منافسيك؟»
«لا.»
«إذن ماذا تريد؟»
أشار إلى أحد رجاله، فتقدم ووضع حقيبة جلدية سوداء على الطاولة.
فتحها.
امتلأت الحقيبة برزم من النقود، وإلى جوارها ملف أبيض وبطاقة مصرفية.
حدقت تاليا في المال.
لم تكن قد رأت في حياتها مبلغًا كهذا موضوعًا أمامها دفعة واحدة.
لكنها سرعان ما رفعت عينيها إليه.
«لن أبيع نفسي.»
«لم أقل إنك ستبيعين نفسك.»
«إذن لماذا أحضرت كل هذا المال؟»
أغلق الحقيبة.
«لأنني أعرف وضعك المالي. أعرف أنك تعملين في ملهى ليلي، وأنك تدفعين تكاليف علاج أمك، وأن راتبك لا يكفي لتغطية نفقاتكما.»
شعرت تاليا بالاشمئزاز من حقيقة أنه يعرف تفاصيل حياتها.
«هل كنت تراقبني؟»
«نعم.»
قالها ببساطة، دون أي محاولة لتجميل الأمر.
«أنت ابنة رجل اختفى بثروة تخصني. من الطبيعي أن أتحقق من كل شيء يتعلق بك.»
«طبيعي بالنسبة إلى المجرمين، ربما.»
«اختاري الكلمات التي تريدين استخدامها بحذر.»
«واختر أنت الباب الذي ستخرج منه.»
تجاهلها، وأخرج ورقة من الملف الأبيض.
«سنتزوج.»
ساد الصمت.
لم تسمع تاليا صوت الثلاجة القديمة في المطبخ، ولا حركة السيارات في الشارع، ولا حتى أنفاس الرجال الواقفين خلفه.
ظنت لوهلة أنها أساءت فهم الكلمة.
«ماذا؟»
«سمعتِني.»
حدقت فيه، ثم ضحكت.
ضحكة قصيرة، متوترة، خرجت منها رغمًا عنها.
«أنت جاد.»
«تمامًا.»
«أنت تريد أن تتزوجني؟»
«لم أكرر الجملة لأني أستمتع بصوتي.»
وضعت يدها على فمها، ثم أبعدتها وهي تحدق فيه بعدم تصديق.
«هل اصطدمت برأسك في الطريق إلى هنا؟ هل هذه طريقة جديدة لتحصيل الديون في إيطاليا؟ يأتي رجل مسلح إلى بيت فتاة، يضع حقيبة مال على الطاولة، ثم يطلب منها الزواج منه؟»
«لم أطلب منك الزواج مني بدافع الحب.»
«يا لكرمك! كنت سأشعر بالإهانة لو ظننت أن الأمر يتعلق بالحب.»
«الزواج سيستمر سنة واحدة.»
توقفت عن الضحك.
تابع جيوفاني، وكأنه يناقش عقدًا تجاريًّا:
«خلال هذه السنة، ستعيشين في منزلي، وستحملين اسمي أمام الجميع. سأعلن زواجنا رسميًّا، وستصبحين زوجتي أمام عائلتي وشركائي. في المقابل، سأدفع تكاليف علاج أمك بالكامل، وسأضمن ألا ينقصها شيء.»
تطلعت تاليا إلى الحقيبة، ثم إلى الورقة التي يحملها.
«وماذا يحدث بعد السنة؟»
«ينتهي الزواج.»
خرجت الكلمة من فمها باردة، خالية من أي فرح.لكن جيوفاني سمع شيئًا آخر فيها.تحديًا.لمعت عيناه لحظة، ثم التفت القسيس إليه.«هل تقبل الزواج من الآنسة تاليا؟»أجاب جيوفاني دون تردد:«أقبل.»تمت المراسم، وأعلن القسيس زواجهما.لم يصفق أحد.لم تُسمع موسيقى.لم يبتسم أحد من الرجال.فقط أخرج جيوفاني علبة الخاتم، وأمسك بيد تاليا.كانت أصابعه باردة، وقبضته ثابتة، لكنه لم يشد على يدها.أدخل الخاتم في إصبعها ببطء.كان الألماس يلمع بقوة تحت الضوء، حتى بدا كأنه نقطة ضوء وسط القاعة السوداء.رفعت تاليا يدها وتأملت الخاتم.ثم همست دون أن تنظر إليه:«هذا ليس زواجًا. إنه سجن.»انحنى جيوفاني قليلًا، حتى وصل صوته إلى أذنها وحدها.«إذن لا تجعلي سجّانك يندم على إبقائك حيّة.»رفعت عينيها إليه بحدة.«بل اجعل نفسك مستعدًّا لليوم الذي أخرج فيه من هذا السجن.»ابتعد عنها، ثم التفت إلى رجاله.«انتهت المراسم.»تحرك الجميع فورًا.بدأ القسيس يجمع أوراقه بيدين مرتجفتين، بينما تقدم فيتوريو ليضع الوثائق الرسمية داخل ملف جلدي.أما تاليا، فظلت واقفة أمام الطاولة، تحدق في الخاتم الذي أصبح يربط اسمها باسم رجل لا تثق به.جا
تراجعت خطوة.ثم جاءتها رسالة ثانية.إن لم تذهبي معه، فلن تكون أمك في أمان.شعرت بالغضب يحل محل الخوف.مسحت الرسالتين، وأغلقت الهاتف.ثم نظرت إلى أمها وقالت:«لن أسمح له بتهديدنا إلى الأبد.»في المساء، لم يكن أمام تاليا سوى خيار واحد بدا أقل سوءًا من الخيارات الأخرى.أن تذهب مع جيوفاني إلى إيطاليا، لا لأنها وافقت على الزواج منه، بل لأنها أرادت معرفة الحقيقة بنفسها، ومعرفة هوية الشخص الذي يراقبها ويهدد أمها.كان جيوفاني ينتظرها أمام السيارة.وحين رآها تخرج من البناية حاملة حقيبة صغيرة، ألقى نظرة سريعة إلى الحقيبة، ثم إلى وجهها.«كنت أعلم أنك ستأتين.»فتحت باب السيارة بنفسها.«لا تخلط بين اضطراري إلى الذهاب معك وبين موافقتي على الزواج.»«سمّيه ما شئتِ.»«سأسميه اختطافًا إذا حاولت إجباري على أي شيء.»اقترب منها، وخفض صوته:«لن أسمح لأحد بلمسك دون إرادتك.»رفعت عينيها إليه.«وهل تشمل كلمة أحد نفسك؟»سكت لحظة.ثم فتح لها باب السيارة.«اركبي يا تاليا.»ركبت، وهي تقسم في سرها أنها ستجد طريقة للعودة إلى مصر، حتى لو اضطرت إلى تفكيك إمبراطورية دي لوكا قطعة قطعة.لكنها لم تكن تعرف أن الطائرة التي
لم يكن جيوفاني دي لوكا يؤمن بالأشباح، لكنه في تلك اللحظة كان مستعدًّا لنبش قبر أبيه بيديه إذا كان ذلك سيكشف له مَن الرجل الذي تحدث إليه عبر الهاتف.ظل الهاتف ملتصقًا بأذنه، وعيناه مثبتتين على نقطة مجهولة في الفراغ. لم يتحرك، ولم ينطق بكلمة، حتى إن تاليا، التي كانت تراقبه من الطرف الآخر للغرفة، بدأت تشعر بأن شيئًا أخطر من تهديداته المعتادة قد حدث.قبل ثوانٍ، كان رجلًا يقتحم البيوت ويصدر الأوامر ويعامل حياة الآخرين كما لو كانت أوراقًا على مكتبه.أما الآن، فقد بدا كأن أحدهم انتزع منه القدرة على التنفس.عاد الصوت من الهاتف:«هل تسمعني يا بني؟»انقبضت أصابع جيوفاني حول الجهاز.بني.لم يناده أحد بهذا اللقب منذ سنوات، باستثناء رجل واحد.والده.الرجل الذي وجده غارقًا في دمائه قبل أن يبلغ السابعة عشرة، والذي وقف أمام قبره بعد ذلك بأيام، يستمع إلى أفراد العائلة وهم يؤكدون أن موته كان نهاية فصل مظلم من تاريخ آل دي لوكا.قال جيوفاني أخيرًا، بصوت منخفض:«مَن أنت؟»جاءه الرد مصحوبًا بضحكة قصيرة، خشنة، مألوفة إلى حد أثار في صدره غضبًا أقدم من ذاكرته.«ألم تتعرف إلى صوت أبيك؟»أطبق جيوفاني عينيه.لم
«وأعود إلى حياتي؟»«إذا التزمتِ بالاتفاق.»«وإذا رفضت؟»أعاد الورقة إلى الملف.«سأستمر في البحث عن أبيك، وسأسترد أموالي بالطريقة التي أراها مناسبة.»شعرت تاليا بدمائها تغلي.«أنت تهددني!»«أنا أوضح لك الخيارات المتاحة.»«أنت لا تمنحني خيارات، بل تضع مسدسًا فوق رأسي وتسمي ذلك اتفاقًا!»«لم أرفع مسدسًا في وجهك.»«هل تريدني أن أشكرك لأنك لم تفعل؟»للمرة الأولى، بدا على وجه جيوفاني شيء يشبه الضيق الحقيقي.لم يكن معتادًا على امرأة ترفض المال الذي يعرضه، ولا على شخص يصر على النظر إليه بوصفه رجلًا سيئًا بدلًا من الرجل الذي يستطيع حل كل مشكلة بثمن.قال ببطء:«أمك تحتاج إلى العلاج.»«لا تستخدمها ضدي.»«وأنت تحتاجين إلى المال.»«سأعمل.»«ستعملين طوال عمرك، ولن تتمكني من دفع تكاليف كل ما تحتاج إليه.»«هذا ليس شأنك.»«سيصبح شأني بعد زواجنا.»تقدمت تاليا نحوه حتى لم تعد تفصل بينهما إلا خطوة واحدة.«اسمعني جيدًا، يا جيوفاني دي لوكا. أنا لا أعرف ما الذي تفعله بمالك، ولا كيف تجعل الناس يخافون منك، ولا كم شخصًا ينفذ أوامرك دون أن يجرؤ على السؤال. لكنني لست واحدة منهم. لن أتزوجك، ولن أعيش في قصرك، ولن
«لن أتزوجك ولو كنت آخر رجل على وجه الأرض!»كانت تلك أول جملة قالتها تاليا في وجه جيوفاني دي لوكا، بعد أقل من اثنتي عشرة ساعة على اقتحامه مكان عملها، ولم تكن تعرف أن الرجل الذي اعتاد أن تنحني أمامه رؤوس أخطر المجرمين في ثلاث قارات قد جاءها هذه المرة بعرض لا يقبل الرفض.كان الصباح قد بدأ يتسلل إلى القاهرة، لكن تاليا لم تنم طوال الليل.جلست على حافة سرير أمها في الشقة الصغيرة، تمسك هاتفها بكلتا يديها، وتعيد النظر إلى الصورة التي وصلتها من الرقم المجهول. صورة أمها أمام الصيدلية، التقطت من مسافة قريبة بما يكفي لتجعلها تدرك أن الشخص الذي أرسلها لم يكن يهددها من بعيد.كان يراقبها.وربما كان يراقب أمها أيضًا.«تاليا؟»جاء صوت أمها ضعيفًا من فوق الوسادة.انتفضت تاليا وأغلقت الهاتف بسرعة، ثم رسمت ابتسامة حاولت أن تبدو طبيعية.«صباح الخير يا ست الكل. كيف تشعرين اليوم؟»راقبتها أمها بعينين متعبتين.«لم تنامي.»«نمت.»«أنت تكذبين منذ كنت طفلة، وما زلت لا تتقنين الكذب.»جلست تاليا إلى جوارها، وأخذت ترتب الغطاء حول كتفيها.«أنا بخير يا أمي. كنت أفكر في بعض الأشياء المتعلقة بالعمل فحسب.»«هل حدث شيء؟
الفصل الثاني: ضغط جيوفاني أصابعه على حافة الطاولة حتى برزت عروق يده، ثم أجبر نفسه على التنفس ببطء.لم يسمح لذئبه باتخاذ القرارات بدلًا منه.لم يفعل ذلك يومًا.ولن يفعل الليلة.أعاد نظره إلى تاليا.«أين تعيش أمك؟»اختفت كل ذرة من التحدي عن وجهها للحظة.لم يكن التغير كبيرًا، لكنه كان كافيًا لرجل اعتاد قراءة الوجوه كما يقرأ التقارير المالية.«لماذا؟»«سؤال بسيط.»«ولماذا تريد معرفة مكانها؟»لم يجب.وهنا فهمت تاليا أن الأمر أخطر بكثير مما توقعت.لم يكن يبحث عن أبيها فقط.كان يعرف اسمها، ومكان عملها، ووصل إليها دون أن يحتاج إلى سؤال أحد أمامها. وإذا أراد معرفة عنوان أمها، فربما كان يعرفه بالفعل، وكل ما يفعله الآن هو اختبار رد فعلها.تقدمت نحوه خطوة.«اسمعني جيدًا، يا سيد دي لوكا. لا أعرف أين أبي، ولا أعرف شيئًا عن أموالك، لكن أمي مريضة. وإذا حاول أي رجل من رجالك الاقتراب منها أو تخويفها، فسأجعل حياتكم جميعًا جحيمًا.»ساد الصمت.رفع أحد الحراس يده قليلًا نحو سترته، لكن جيوفاني اكتفى برفع إصبع واحد.فتوقف الرجل في مكانه.ظل جيوفاني ينظر إلى تاليا، كأنه يحاول تحديد ما إذا كانت تهدده فعلًا أم