ログイン399كان الليل قد حلّ بالكامل، وألقى هدوءه الثقيل على المنزل، إلا أن غرفة النوم لم تعرف شيئا من ذلك الهدوء، فقد كانت سارة تقف أمام الباب المغلق منذ وقت طويل، تضرب عليه بقبضتيها بعنف، بينما كانت أنفاسها تتسارع مع كل دقيقة تمر دون أن يستجيب لها أحد... منذ أن أعادها داميان إلى المنزل بعد أن وجدها واقفة مع فارس أمام مكتبه، لم يسمح لها بالخروج من الغرفة، بل أغلق الباب عليها وأخذ المفتاح معه، وكأنه أراد أن يمنعها من تنفيذ تهديدها والرحيل مع كايل.: ــ افتح الباب يا داميانضربت الباب مرة أخرى بكل قوتها، ثم صاحت بغضب وقد بدأ صبرها ينفد:ــ أيها الحقير... افتح هذا الباب حالالكن لم يصلها سوى الصمت، فابتعدت عن الباب للحظة وهي تمرر يدها في شعرها بعصبية، ثم عادت وضربته مرة أخرى، قبل أن تسمع أخيرا صوت المفتاح وهو يدور في القفل... توقفت سارة عن الحركة، واستدارت نحو الباب، وما إن انفتح حتى ظهر داميان أمامها، إلا أنها لم تمنحه فرصة حتى لالتقاط أنفاسه، إذ اندفعت نحوه مباشرة وضربته بقبضتها على صدره، ثم صاحت في وجهه:ــ أيها الحقير الوغد! كيف تجرؤ على حبسي؟!تراجع داميان نصف خطوة من شدة اندفاعها، ثم أمسك
398كان الليل قد انتصف تقريبا، والهدوء يملأ المنزل بالكامل، حتى إنني لم أعد أسمع سوى أصوات أنفاس من حولي. كان ليث مستلقيا على إحدى الأرائك وقد غلبه النوم من شدة الإرهاق، بينما كان يزن نائمًا على الأريكة الأخرى، أما صوفيا فكانت مستلقية على السرير وقد هدأت أخيرا بعد كل ما حدث... لكنني لم أستطع النوم، خصوصا أنني كنت أشعر بالتعب والقلق في الوقت نفسه، وفجأة شعرت بمعدتي تقبض بقوة من الجوع. وضعت يدي على بطني وتنهدت بضيق: ــ ليس الآن...لكن يبدو أن طفلي لم يكن يهتم بكوننا في منزل غريب ولا بالوقت المتأخر، فقد ازداد شعوري بالجوع حتى لم أعد قادرة على تجاهله، لذلك جلست ببطء وأنا أحاول ألا أوقظ أحدا... نظرت إلى ليث، فوجدته غارقا في النوم، وبدا التعب واضحا على وجهه حتى وهو نائم، فترددت قليلا قبل أن أقرر ألّا أزعجه... نزلت من السرير بحذر، ثم ألقيت نظرة سريعة على صوفيا ويزن، وحين تأكدت من أن الجميع ما زال نائما، خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفي بهدوء... مشيت في الممر وأنا أشعر ببعض الحرج، فأنا بالكاد أعرف هذا المنزل، ولم أكن أعرف أين يمكنني أن أجد المطبخ أصلا. وبينما كنت أحاول أن أستدل على الطريق، ل
397توقفت السيارة أمام منزل كبير وأنيق، وما إن رأيته حتى عرفت أننا وصلنا إلى منزل صوفيا، فتنفست بضيق وأنا أتساءل للمرة التي فقدت عددها منذ غادرنا المستشفى، لماذا أصر ليث على المجيء بنفسه وهو بالكاد يستطيع الوقوف؟ كنت قد حاولت إقناعه بأن يرسل يزن أو ريان بدلا منه، لكنه رفض كعادته، وأصر على أن يطمئن عليها بنفسه، وكأن وجوده هنا أمر لا يمكن الاستغناء عنه... نزلت من السيارة، ثم تبعني ليث، وما إن وضع قدميه على الأرض حتى اضطر إلى الاستناد إلى يزن، الذي أمسك بذراعه بسرعة حتى لا يفقد توازنه، فحدقت فيه بضيق وأنا أشعر بأن أعصابي بدأت تتوتر من جديد: ــ هل أنت متأكد أنك بخير؟نظر إليَّ وكأنه لا يرى في الأمر ما يستحق القلق: ــ نعم، أنا بخير.كتمت تنهيدتي بصعوبة، لأنني لم أفهم كيف يمكن لشخص بالكاد يستطيع المشي دون مساعدة أن يصف نفسه بأنه بخير، لكنني لم أرد أن أجادله أكثر من ذالك ، فاكتفيت بالسير إلى جواره ونحن نتجه نحو المنزل.ما إن دخلنا حتى تقدم منا والدها ، كانت ملامح القلق واضحة على وجهه، وما إن رأى ليث حتى قال بانزعاج:ــ ليث، لم يكن هناك داعٍ لأن تأتي وأنت بهذه الحالة.ابتسم ليث ابتسامة خفيف
396في المساء، كنت أجلس أمام سرير ليث بصمت، وأسند ذراعيّ إلى طرفه بينما ظلت عيناي معلقتين بوجهه النائم. منذ أن أخبرني بقراره، لم أستطع التوقف عن التفكير في كلماته، وكلما حاولت إقناع نفسي بأن هناك طريقة ما لتغيير رأيه، عدت إلى النقطة نفسها، إلى الحقيقة التي لم أجد أمامها أي مخرج... كان ليث نائما بهدوء، وكأنه لا يعلم شيئا عن الفوضى التي تعصف بداخلي، بينما كنت أحدق فيه بعينين امتلأتا بالدموع دون أن أسمح لها بالسقوط. حاولت طوال الوقت أن أبدو قوية، وأن أقنع نفسي بأنني سأجد حلا، لكنني في كل مرة كنت أصل إلى السؤال نفسه... كيف يمكنني أن أتقبل فكرة أن طفلي الذي لم يولد بعد أصبح مهددا بقرار لا أستطيع وحدي منعه.. كلما تخيلت أنني قد أفقده، شعرت بأن شيئا بداخلي ينهار، ولهذا بقيت جالسة إلى جواره، أراقب وجه ليث وكأنني أبحث فيه عن أي شيء يمكن أن يمنحني الأمل. وبينما كنت غارقة في أفكاري، تحرك ليث فجأة، فانقبضت ملامحه قليلا قبل أن يخرج منه تأوه خافت... انتفضت في مكاني ومسحت دموعي بسرعة، ثم انحنيت نحوه بلهفة.ــ ليث؟ هل أنت بخير؟فتح عينيه ببطء، وبدا الإرهاق واضحا على وجهه، ثم نظر إليَّ لثوانٍ قبل أن يق
395كانت سارة تقود سيارتها بسرعة واضحة، بينما كانت أصابعها تقبض على عجلة القيادة بعنف، والغضب يزداد داخلها كلما تذكرت ما عرفته قبل دقائق. لم تكن تستطيع استيعاب أن سيلا هي من دفعتها من أعلى السلم، وأن سقوطها لم يتسبب في فقدان جنينها فحسب، بل حرمها من طفل كانت تنتظره منذ أشهر... كانت تسجيلات كاميرات المراقبة قد اختفت في البداية، وكأن أحدا تعمد محوها حتى لا تترك الحادثة أي دليل، لكن سارة لم تتوقف عند ذلك. احتاجت إلى وقت طويل، وبعض المحاولات التي كادت تجعلها تفقد الأمل، حتى تمكنت في النهاية من استعادة التسجيلات المحذوفة، ورأت فيها ما أكد شكوكها... سيلا هي من دفعتها.والأسوأ من ذلك أنها عرفت مكانها... كانت موجودة الأن في شركة داميان... ضغطت سارة على دواسة الوقود أكثر، حتى توقفت السيارة أمام الشركة بعد دقائق، ثم نزلت منها وأغلقت الباب خلفها بعنف، قبل أن تدخل إلى المبنى بخطوات سريعة لم يحاول أحد إيقافها أمامها. صعدت مباشرة إلى مكتب داميان، وما إن وصلت إلى الباب حتى فتحته دون أن تطرق، لتتوقف عيناها فورا عند سيلا الجالسة أمام المكتب. لم تمنحها فرصة حتى لرفع رأسها. اقتربت منها سارة بغضب، ثم رفع
394ظل ليث يحدق في الأوراق لثوانٍ طويلة، بينما كنت أراقب ملامحه بحذر، محاوِلة أن أعرف إن كان قد أدرك حقيقة ما كُتب فيها أم أن الصدمة جعلته عاجزا عن استيعاب الكلمات، إلا أنه لم يسأل الطبيبة عن شيء، ولم يظهر أمامها أي انفعال، بل رفع عينيه إليها بهدوء وقال:ــ حسنا، اتركي الأوراق هنا، وسأوقع عليها.ابتسمت الطبيبة ابتسامة صغيرة، ثم وضعت الأوراق والقلم على الطاولة القريبة من السرير: ــ بالطبع، لكن اقرأها جيدا قبل أن توقع.ــ سأفعل.أومأت له، ثم التفتت إليّ للحظة، قبل أن تقول:ــ أتمنى أن تكون قد أصبحت أفضل الآن يا سيد ليث.ــ شكرا لك.غادرت الطبيبة الغرفة بعد ذلك، وأُغلق الباب خلفها بهدوء، فشعرت بأن الهواء في المكان أصبح أثقل فجأة، بينما بقي ليث صامتا للحظات، وعيناه معلقتان بالباب الذي خرجت منه... كنت أنتظر أن يلتفت إليّ، وأن يسألني عما قرأه، وربما كنت أتمنى في تلك اللحظة أن يفعل أي شيء سوى ذلك الهدوء الذي لم أستطع فهمه، لكنه فاجأني عندما التفت إلى ليان وكايل، وارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة وكأن شيئا لم يحدث: ــ ليان، كايل.التفت الاثنان إليه في الوقت نفسه: ــ نعم؟قالها كايل بحماس، بين